الأولمبياد .. أو التحدي المزدوج!
عـلي ريـاح
aliryah@yahoo.com
 |
| علي رياح |
حين أرسى البارون الفرنسي بيير دي كوبيرتان أسس الرياضة الأولمبية التي ترقى بالإنسان الى ما هو فوق مستوى الفوز وحسابات الإنجاز البدني ، كتب في المذكرات التي تركها للفرنسيين وعامة الرياضيين في أرجاء الدنيا أن أقصى تحدٍ يمكن أن يواجه الألعاب الأولمبية أن تصيبها السياسة بداء التأجيل أو التلكؤ أو التوقف ، لكنه قال بالحرف الواحد (ستصل الدنيا بعد حين الى القناعة بأن أي عطب يصيب محرك هذه الألعاب يعني إختلالاً كبيراً في النظم الحياتية التي تمسك بخيوط العلاقة بين الأمم )..
وخلال كل أربع سنوات تفصل بين دورة وأخرى ، كان العالم يضطر الى تمثـّل هذه الكلمات واستحضارها .. فمع مرور الزمن ، واتساع رقعة الألعاب ، وتطور آلياتها ، وتساقط أرقامها ، كانت السياسة تطل برأسها ، من بعيد أو على استحياء طوراً ، وعلى نحو سافر في الكثير من المنعطفات الزمنية .. حتى بات من المهم لدينا أن نتذكر كلمات كوبيرتان الذي قرأ المشهد قبل ما يزيد كثيراً عن قرن .. ففي البدء كانت هنالك لغة من الإنسجام والتناغم حين إنطلقت الدورات في أثينا ين كان الهم مصورا في التمويل والتنقل، لكن الحروب وما تبعها من محاور عسكرية وتخندقات سياسية ، صارت الخطر الذي يتهدد مصائر الكثير من الرياضيين الأبطال والهواة على حد سواء خلال فترات التحضير لأية دورة ..
وما يسبق دورة بكين لا يخرج عن الإطار هذا .. فلعلنا نتذكر تلك الأحداث الجسام التي سبقت أو رافقت الدورات الأولمبية ، والتي توجت بأسحلة المقاطعة يوم كان المعسكران الإشتراكي والرأسمالي يقتسمان رغيف المشاركة ، ولم تكن ثمة قوة أخرى مؤثرة يمكن أن تدخل شريكة بين الطرفين وخصوصاً خلال العقدين السبعيني والثمانيني ، وقد تجلى ذلك في أحداث ميونخ 1972 ومونتريال 1976 وموسكو 1980 ولوس أنجلس 1984 وسول 1988 بل وحتى في برشلونة 1992 ..
لكن التحديات ، عبر هذا الدرب الطويل ، تتغير .. أو هذا على الأقل ما تفرضه مناخات الدورة المقبلة في بكين خلال الشهر المقبل .. ففي مقابل اجتماع الأقطاب على أهمية الاسهام في هذا الحدث من دون الخوض في صراعات الاستقطاب الرياضي ـ السياسي السابقة ، يأخذ البعد الإقتصادي مساره وسط المشهد الأولمبي الحالي برمته .. ألم أقل لكم إن التحديات اختلفت ، وإن خصوم اليوم باتوا كما يقول الشاعر (في الهمّ شرق)؟!
لكن الموجة الاقتصادية بكل تبعاتها ، تواجَه الآن بموجة بشرية جارفة في بلاد التنين .. إذ لا يجد الصينيون بأسا في الإعتراف بما يتركه الغليان الاقتصادي على اتجاهات الدورة ، لكنهم يرون ما هو أبعد من ذلك .. إنهم ينظرون إلى تحديات الطبيعة ومشكلاتها خطراً حقيقياً سيصرف الكثيرين عن التفكير في هذا الغلاء الفاحش المستشري في جسد المعمورة ..
وهكذا تدخل دورة بكين في رهانين بدلاً من واحد .. الاقتصاد والتلوث .. وهو ما يعيدنا بالضرورة الى حديث البارون الفرنسي مؤسس الألعاب الاولمبية الحديثة عن أشكال مختلفة للتحدي ، منها ما هو عسكري ، وأغلبها ما يتصل بالسياسة ، وبعضها ما يقع تحت وطأة الطبيعة ..
لكن الرياضة تثبت في كل مرة أنها التحدي الانساني المتعاظم بعينه .. فلقد مرت الألعاب الاولمبية من قبل في ظروف أثقل وطأة ، وكانت السفينة الاولمبية تمخر العباب بنجاح .. وستخرج المعمورة من التحدي الجديد المزدوج كما أريد لها في يوم التأسيس ، ظافرة .. وليس ثمة خيار آخر غير النجاح بعد أن أثبتت الرياضة أنها الوجه المضيء للحياة التي لن تستمر من دون أن يكون للرياضة بمعانيها العميقة هذا الدور الإنساني المشرق ..