|
79 عامًا ولا يزال يلعب الكرة !! العراقي حسن فيوري... جسد مؤثث بغبار الملاعب
عبد الجبار العتابي من بغداد : ربما... سأقول عنه ظاهرة فريدة من نوعها، ولكن الحقيقة أنه يجعلك تشعر بالدهشة، حين تشاهد هذا الرجل (الشيخ) وهو يرتدي ملابسه الرياضية الكاملة في الساحة الترابية وهو يجمع من حوله اللاعبين الصغار بملابسهم الرياضية الكاملة أيضًا، ويبدأ معهم التدريبات، يتدرب معهم ، يتحرك كما يتحركون ، يعلمهم ابجدية الرياضة من اول التحضير للمجيء الى ساحة اللعب حتى لحظة الخروج منها.
 |
| فيوري يشرف على وجبة تدريبية مع لاعبيه الصغار |
كل التفاصيل التي لها علاقة بالاخلاق الرياضية والرياضة، ترى الجميع يلتزم ويؤمن بما يقوله وينفذ ما يطلبه، المنظر بكامله يستهوي الناظر ويرسم على خارطة وجهه علامة عجب ، ولكن بعد قليل، يذهب نصف العجب حين تعرف أن هذا الرجل من اهل كرة القدم ، فحبه للكرة وحده الذي يدعوه الى ان يحمل سنوات عمره الـ (79) وينزل بها الى الساحات الشعبية مدربًا لهؤلاء الصغار !! ، ولفريق اخر للكبار ، لفريق (الزعفرانية) الشعبي ، ويشارك به في البطولات التي تقام بين الفرق الشعبية ، انه حسن كريم الشهير بـ (حسن فيوري) لاعب منتخب العراق في الخمسينيات من القرن الماضي ، من مواليد 1929، الذي لا يزال يواظب على حب الكرة والانشغال بها ولعبها ان امكن القول، إذ إنه ما زال يداعبها .
حسن فيوري .. لعب لفريق الحرس الملكي في الخمسينات ، وشارك في العديد من البطولات العربية والدولية التي لعبها المنتخب العسكري العراقي انذاك ، وقام بعد اعتزاله بتدريب العديد من الاندية العراقية كالسكك (الزوراء) والامانة والطلبة ، اسس (اتحاد فيوري) في منطقة الشاكرية في الستينات، ثم اسس فرعًا له في مدينة الصدر وما زال الملعب الشعبي لغاية الان يحمل اسم اتحاد فيوري ، شارك في العديد من الدورات التدريبية في المانيا وبلغاريا ، كما انه اسس اول مدرسة كروبة للصغار عام 1999 وهي المدرسة المعروفة بـ (مدرسة فيوري) ، لكنها لم تحصل على اي دعم من الجهات الرياضية المسؤولة ، وظلت مهملة .
 |
| وهنا يدرب الأطفال الصغار على كرة القدم |
وظل لوحده يواصل مشروعه وحبه للكرة مع ابناء المنطقة التي يسكنها ، وبالمناسبة هو والد اللاعب مالك فيوري الذي يعد اول لاعب عراقي يحترف في اوروبا ، ووالد الدكتورة سهام فيوري المختصة في لعبة التنس الارضي والكاتبة الرياضية ، وحفيده ياسر فيوري اللاعب الناشئ مع منتخب الناشئين .
وفيوري .. لقب اطلقه عليه عام 1957 نوري السعيد رئيس وزراء العراق في العهد الملكي بعد ان شاهده في احدى مباريات فريق الحرس الملكي ، نسبة الى طائرة (فيوري) المعروفة انذاك ، لأنه كان سريعًا.
تقول ابنته الدكتورة سهام : كل صباح يستعد الشيخ للتدريبات من خلال تجهيز الكرات ومستلزمات التدريب بعد ان يأتي اليه اللاعبون في البيت بشكل عفوي ، وفي العصر يتحرك الى الملعب ومعه مجموعته يحملون الكرات التي يشتريها بماله الخاص ، ويتواصل في التدريب حتى اذا انتهى بدأ بعقد حلقات نقاشية مع اللاعبين والجمهور الذي يحضر التمرينات ، وتضيف : حبه للكرة فوق اي حب فهو لا يستطيع الا ان يتعامل مع الكرة ، وخبرته منحها للصغار والكبار من ابناء المنطقة على مدى سنوات طويلة ، ولا ابالغ اذا قلت انه اصبح علامة فارقة في منطفة الزعفرانية ، ولا يمكن ان يذكر اتحاد شعبي للكرة الا وذكر على رأسها اتحاد فيوري .
 |
| وهنا في صورة جماعية مع فريق من اللاعبين |
حين تسأل الاخرين عنه تشعر انهم في غاية الافتخار به ، فهم يعرفون انه لاعب دولي ويعرفون انه صاحب تاريخ حافل كلاعب ومدرب مثلما يعرفون ابنه اللاعب في اوروبا وحفيده حارس المرمى الذي يلعب معهم ، ويعرفون ايضًا انه يبذل الجهود من اجلهم حين يوفر لهم التجهبزات والملابس والكرات وهذه الاشياء غاية كل لاعب في الفرق الشعبي ، تعرف من خلال ما يقوم به وما في نفسه انه جسد مؤثث بغبار الملاعب الكروية .
وحين تسأله هو عما يفعله يقول : حب كرة القدم يسري في دمي ، مارست اللعبة منذ أربعينات القرن الماضي لاعبًا ومن ثم مدربًا فيما بعد ، ولم ابتعد عنها طيلة حياتي ، انا مثل السمكة التي لا تعيش الا في الماء ، فكرة القدم هي حياتي ، لا اعرف اعيش بدونها ، حياتي متعلقة بها ، لا بد ان انهض مبكرًا لاتفقد الكرات واهيئ نفسي وافكاري لتقدينها للاخرين ، لعبت الكرة في طفولتي التي اراني فيها عندما ارى هؤلاء الصغار ، وتواصلت معها في شبابي في الاندية والمنتخب يوم لم تكن الكرة كما هي عليه الان ، وبعد الاعتزال كان حبها يكبر فاصبحت مدربًا ، ومن ثم تفرغت لابناء المنطقة ، انا الان لا استطيع ان اغادر الملعب ، وهؤلاء الاطفال هم الازهار التي ستعطي ثمارها للوطن، وقد جمعت ستين لاعبًا من أعمار 11-15 سنة، اشرف على توجيهم وبمساعدة الخيرين من اهالي منطقة الزعفرانية اقوم بتدريبهم لمدة ثلاثة ايام في الاسبوع وقد قدمنا منهم مجموعة الى فرق الفئات العمرية للشرطة والجوية ومنهم من التحق بالمنتخبات التي شكلها اتحاد كرة القدم للفئات العمرية ، واضاف بعد صمت قليل : انا أرى ان الطاقات الكروية العراقية لا تضاهيها أي من دولة المنطقة ، وهذا الكلام سمعته من مدرب سويدي اسمه (رنيل) كان يدّرس مادة التربية الرياضية في دار المعلمين عام 1945 ، حينها قال : (لديكم طاقات كروية كبيرة) ، وكانت لديه رغبة لتدريب فرق كرة القدم العراقية وتم الاتفاق معه براتب قدره ثلاثون دينار، وحصل الاتفاق لكن الخلاف كان على مبلغ ايجار المسكن البالغ خمسة دنانير ، (ويضحك فيوري على المبلغ الضئيل الذي حرم الفرق العراقية من خدمات مدرب كبير) .
ويستطرد : لقد تعذر صرف المبلغ البسيط للمدرب الذي غادر العراق ، وكان فيما بعد ضمن الكادر التدريبي الذي قاد منتخب السويد وهو يلتقي منتخب البرازيل في نهاية كأس العالم 1958 في السويد !! .
 |
| المدرب العراقي حسن فيوري |
ويواصل فيوري حديثه : انا اول من اسس مدرسة كروية للفئات العمرية في العراق حيث تعرفت عام 1962 على التجربة البلغارية ، واشتركت هناك بدورة تدريبية لمدة سبعة اشهر، استطعت بوساطتها التعرف إلى الاساليب العلمية في بناء الرياضة وحاولت تطبيق ذلك في العراق لكن المعرقلات كانت اقوى من تنفيذها ، كانت مدرستي تحمل اسمي ولازال الاسم معروفا للجميع ، كان املي ان اقدم شيئا واعتقد انني قدمت ، واملي كبير ان يتم الاهتمام بتطوير فكرة المدارس الكروية، وان يتم تعميمها على المحافظات كافة وفق اسس علمية مع اختيار كفاءات تدريبية جيدة ، وأدعو مراكز الشباب والاندية الرياضية الى الاهتمام بالفئات العمرية وأطالب اتحاد كرة القدم العراقي ان يشكل لجنة تكون مهمتها البحث عن الكفاءات والمواهب الكروية في الساحات والمناطق الشعبية.
ويتوقف لحظة ويرمي بصره الى البعيد ، ومن ثم يقول : كم اتمنى ان تقام ملاعب نظامية عديدة في بلادنا ، هؤلاء الصغار لو انهم تدربوا على ملاعب فيها عشب لاصبحوا ماهرين وقادرين على تجاوز صعوبات كثيرة افضل من هذا التراب والاصابات التي يتعرضون لها ، الاهتمام بالنشء هو عين العقل ، حتى يكون لدينا اكثر من منتخب لكل الفئات والسنوات .
حسن فيوري الشيخ حين تذكر امامه سيرة المنتخب العراقي الحالي يعلن عن احزانه ويجبر نفسه على ألا يتحدث ، ولكن مع الاصرار تراه يرمي كل المسؤولية على اتحاد كرة القدم ، يقول : انه لا يهتم بكرة القدم ، ولا يسعى الى تطويرها ، وجين تطلب منه ان يقارن بين اللاعب الحالي ولاعب ايام زمان ، لا تسمع منه سوى الحسرات على ما كان يعانيه اللاعب السابق ولكنه كان مخلصًا لوطنه ويعشق الكرة ، مؤكدًا ان اللاعب السابق اكثر مهارة وسرعة واجتهادًا من اللاعب الحالي .
|