بيروت - البير خوري
للمرة الأولى منذ جلسات الحوار الأولى العام 2006، تتفق الموالاة والمعارضة على وصف 22 من الشهر الحالي بـ«يوم تسجيل المواقف بامتياز»، وذلك عندما رمى رئيس مجلس النواب نبيه بري الكرة مجدداً في ملعب الأكثرية، محذراً من الاستمرار في «الخطأ والخطيئة»، خصوصاً أن الموعد الثامن عشر لانتخاب رئيس للجمهورية لم يكن مثمراً، وتأجلت جلسة الانتخاب إلى أجل غير مسمى، وإن لاحظ بري في بيانه المقتضب أن الوقت داهم ولم يعد يجدي «سوى ما نقوم به نحن كلبنانيين»
وفي التوقيت نفسه، وبعدما جالت الأزمة اللبنانية على عواصم عربية وغربية، حطت رحالها في الكويت على هامش المؤتمر الموسع لدول جوار العراق، وحيث أعادت الأكثرية ممثلة بوزير الخارجية بالوكالة طارق متري، الكرة إلى ملعب دمشق وحلفائها في المعارضة، مدعومة بتجمع عربي- دولي ضم مصر، الأردن، الكويت، قطر، السعودية الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة. وكذلك الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وكلهم أكدوا التزامهم القوي بدعم الحكومة اللبنانية الشرعية ومؤسسات الدولة الديمقراطية، في عملهم لتحقيق الرؤية المشتركة للبنان، وتشددهم باعتبار استقرار لبنان قوة دفع للسلام في المنطقة والعالم.
وبين بيروت والكويت ظهرت أكثر من علامة فارقة تكشف حجم الخلافات والاختلافات بين الفرقاء اللبنانيين. فالرئيس بري الذي دعا إلى جلسة حوار تخرج باتفاق «إعلان نوايا» يصار بعدها مباشرة تحديد موعد لجلسة انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، قدّم الوزير متري الورقة اللبنانية إلى اجتماع الكويت، وفيه تلتزم الحكومة انتخاب رئيس للجمهورية هو المرشح التوافقي العماد سليمان، ورغبتها في إقامة علاقات دبلوماسية مع سورية ورفضها بقاء لبنان ساحة للصراعات الإقليمية والدولية. وجاء كلام المستشارة الالمانية انجيلا ميركل لسان حال الدول والمنظمات الدولية العربية والغربية المشاركة والداعمة للورقة اللبنانية، وداعية إلى تطبيق كل القرارت الدولية، بما فيها اتفاق الطائف وقرارات مجلس الأمن والمبادرة العربية، والتشديد «على رفض المجتمعين استغلال الانتخابات الرئاسية لتغيير الأكثرية الحكومية». وبالتالي احترام سيادة لبنان واستقلاله، اعتبارا من أنه بعد ثلاث سنوات على الانسحاب السوري العسكري من لبنان، فإن الوقت حان لتحديد العلاقة بين بيروت ودمشق وتطبيعها في جو من الاحترام المتبادل لسيادتيهما ووحدة أراضيهما واستقلالهما السياسي.
الملفت بين هذه العلاقات المفارقة غياب وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، عن هذا اللقاء، مستعيضاً عنه بلقاء جانبي مع نظيره الفرنسي برنار كوشنير، في أول لقاء بعد انقطاع الاتصالات السورية- الفرنسية الرفيعة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وقد أراد رئيس الدبلوماسية الفرنسية من خلاله إيصال رسائل ثلاث إلى دمشق هي: التزام الاليزيه الشديد تجاه لبنان، وعودة سورية إلى الضغط على حلفائها في لبنان للذهاب إلى انتخاب رئيس للجمهورية، والتزام دمشق أمن لبنان واستقراره.
ويبدو أن هذا اللقاء لم يساهم سوى في تعميق التباعد السوري- الفرنسي، انطلاقاً من كلام المعلم مباشرة بعد لقائه كوشنير وتأكيده أن «الاجتماع حول لبنان الذي لا تشارك فيه سورية يهدف إلى تدويل الأزمة ووضع حد لجهود الجامعة العربية»، متهماً المبعوث الدولي تيري رود لارسن «بالتحضير لتدويل الملف اللبناني وخطفه من يد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى»
والتدويل، في رأي المعلم، يعني «تعقيد الأزمة» لأن مصالح الدول الكبرى أو بعضها ستلعب دوراً في تعطيل الحل في لبنان، والدليل على ذلك يقول المعلم: «هل فعلاً تريد واشنطن حلاً في لبنان؟» ويجيب: «الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي لم يدعم المبادرة العربية، ويهمها إبقاء الوضع القائم في لبنان على حاله، حكومة ورئيس حكومة يحظى بدعم أميركي، وشكوك بإجراء انتخابات نيابية بعد عام، بعدما كثر الحديث عن تجديد مجلس النواب لنفسه. وبذلك تتمكن الولايات المتحدة من إحكام هيمنتها على لبنان».
وسط هذه الأجواء، ملفت ايضاً، تأكيد الرجل الثاني في تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري، للمرة الأولى، محورية دور لبنان في المعركة المقبلة للوصول إلى فلسطين وطرد «القوات الصليبيبة» (اليونيفل) من الجنوب. الظواهري الذي كان هاجم إيران الاسبوع الفائت، متهماً إياها بمحاولة احتلال جنوب العراق ومد نفوذها إلى جنوب لبنان، قرر مهاجمة طهران وحلفائها بشكل مباشر، عندما أعلن «أن المجاهدين في لبنان بين نارين: نار عملاء أميركا، ونار من يرتبط بالقوى الإقليمية وخططها». ما يعني ان موعد انتخاب رئيس للجمهورية، الذي تركه الرئيس بري مفتوحاً ومشروطاً بإعلان النوايا، سيبقى مفتوحاً على نار المنطقة وتطوراتها في العراق وفلسطين.