استفتاء
كيف يترجم الشاعرُ شاعرا
![]()
عقل العويط: لا مفرّ من استضافة الأنهر والضفاف المترجمة
*أتعتقد أن هناك طريقاً ثالثاً، ما هو، وأيٌّ منها هو الأفضل في نظرك لإنجاز ترجمة ناجحة؟
-بالتأكيد هناك طريق ثالث. بل هناك طرق ثالثة متعددة، بعضها واحد وبعضها الآخر متداخل ومتعدد. حتى لأصل الى القول أحياناً باستحالة أن يكون هناك معيار واحد جامد لمقاربة النصوص وخصوصاً إذا كانت شعرية.
لا أؤمن بالنقل الحرفي. ولا أستسيغه.
لا آخذ أخذاً أعمى بالنقل التأويلي، وإن كنتُ ألجأ إليه حيناً.
لا أرى أن الترجمة الشعرية قادرة في كل الأحوال على الإتيان بكلية المعنى. ذلك لأن القول الذي أندرج في النص الأصلي غير ممكن حصره في معنى.
لا بدّ من القبول بالنص الأصلي. لا بدّ من الاستسلام له. لا بدّ من التسليم به.
وهذه كلها شروط مسبقة قبل أن يراد نقل النص الى اللغة الثانية.
القبول بالنص والاستسلام له والتسليم به، شروط أولى لا بد منها لنجاح الترجمة والنقل.
عنذاك ينبغي تدجين الأمانة وتطويعها بما يتيح لها أن تتآخى مع التأويل.
التدجين والتآخي يجعلان اللغة التي يُنقل إليها النص أكثر تقبلاً لروحه وأعمق معرفة بدلالاته.
ولإنجاح الترجمة لا بدّ أيضاً من ترويض الذاتي وتدجينه. وهذا يقرّب اللغة الشخصية من لغة الآخر، بما يجعلها لغة ثالثة.
هذه الشروط والأسباب كلها الإنف ذكرها تظل غير قادرة على إنجاز نص شقيق للنص الأصلي.
لهذا السبب بالذات أظل أعتقد أن الترجمة محض اقتراب فحسب من جملة اقترابات لن يكون لها سوى أن تقترب من دون أن تتماهى بالنص الأصلي أو تكون بديلاً منه.
*ألا تعتقد أن ترجمتك لشاعر ما قد تؤثر على قولك الشعري diction ثم ألا تخشى أن يؤثر الإكثار من الترجمة في أسلوبك الخاص؟
- ربما. وأحياناً بالتأكيد. لهذا السبب لا أكثر من عملية الترجمة. وقد أرى في مرحلة ما ضرورة التخلي عنها، مفضّلاً عليها القراءة التي تستسلم للنص في لغته الأصلية.
القراءة من الفرنسية خصوصاً، تحتل لديَّ المرتبة الأولى. بعدها، متأخرة جداً، تأتي الترجمة.
وقد أقول، أين المشكلة في التأثر والتأثير؟ وقد أقول هل من أحد لم يتأثر ولم يؤثّر؟ وقد أقول أيضاً إن كثرة الترجمة تلغي التأثر الى حد أن المترجم لا يعود يتذكر إلاّ لغته فيضعها في كل النصوص التي ينقلها، فيكون هو المؤثّر أكثر منه المتأثر.
في مستوى آخر، الكتابة هي محصلة لاواعية لكنها تتعرض للتحول عبر القراءة أولاً... فالترجمة.
المهم في هذا كله أن تظل الأنا الأسلوبية هي السيدة، ولا مفرّ من استضافة الأنهر والضفاف المترجمة. بل ولا بأس بذلك.
أنا شخصياً ليس عندي هذه المشكلة، ولا هي تقض مضاجعي. القليل من الترجمة، كالقليل من الخمرة، ينعش قلب الإنسان.
أحياناً أقول: الكثير من الترجمة (والقراءة في وجه خاص) أيضاً، كالكثير من الخمرة، يجدد قلب الإنسان... ولغته.
المهم في هذا كله أن يظل الشاعر هو لغته، أكثر من لغة الآخرين وأساليبهم.
* يقيناً أنك تترجم شعر الآخر لإفادة القارىء العربي... لكن هل ثمة دافع (شخصي – شعري) غير هذه الخدمة الثقافية، يدفعك الى ترجمة هذا الشاعر وليس ذاك؟
- أنا لم أعد أترجم كثيراً. وتالياً لم أعد أترجم من أجل الخدمة الثقافية. كان هذا في زمن مضى. الآن، إذا أردت أن أترجم فإني أترجم غالباً لأني أحبّ أن أرى هذا النص لهذا الشاعر وقد صار أنايَ في معنى ما، وقد صار في لغتي. وهذا سببه الحب والتواطؤ الشعري والاقتراب والترائي. وهذا سببه أيضاً أني أراه مثلما أرى شعري في عينيَّ أو في مرآة، أو في مرايا اللغة الداخلية وعيونها.
بعض الشعراء، بعض نصوصهم، أعتقد أحياناً أني أنا الذي كتبتًها في تلك اللغة الأخرى، ولهذا أنقلها لأعيشها في لغتي.
* كيف تأتي الى الشعر المراد ترجمته، هل تستفيد مما كتب من دراسات عن هذا الشعر وصاحبه؟
-أعود فأوضح: لا أعتبر نفسي مترجماً. وإذا كنتُ أترجم حيناً فإن هذه الترجمة تندرج في باب الهواية لا في باب الإحتراف. لهذا ليس من قاعدة.
* كتب عبد القادر الجنابي في العدد الثاني من مجلته "أرابويتيكا" الفرنسية ما يأتي: "الشعر العربي المعاصر مدين الى ما تراءى من نماذج عبر ترجمات مجلة "شعر" أكثر مما هو مدين للإنتاج الأدبي العربي الحديث منه"، ما رأيك في هذا القول؟
- بل أفضل أن أقول إنه كان لتلك الترجمات دور عميق.
يتبع
1- سهيل نجم: ترجمة الشعر بين الاستحالة والأثر
2- سركون بولص: الترجمة الشعرية وسحر الإيصال
إسكندر حبش: هناك طريقة روبان الثالثة
سلمان مصالحة: لماذا التّرجمة، وكيف؟




التعليقات