حوار شامل مع تركي الدخيل(2-3)

حاوره عبدالله المغلوث: لايحمل حقيبة سوداء خشنة ، لكن يخبئنا في جيوبه، نصغي إلى أصواتنا عبر أسئلته التي تـُعبر عن مايتخللنا. ليس بعيدا، نمد أيدينا فقط لنصل إليه، مذيع برنامج (اضاءات) تركي الدخيل حقق اتشارا واسعا أخيرا بسبب لقاءات مثيرة أجراها عبر برنامجه الذي يذاع على قناة العربية واذاعة بانوراما اف ام. عمل في صحيفة الرياض السعودية أثناء المرحلة الثانوية، والتحق بـ جريدة (عكاظ) ثم انتقل إلى مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، عبر (الشرق الاوسط)، (المجلة)، (الصباحية)، (الظهيرة)، و(المسلمون). يقول مذيع العربية عن فترة مضت : " كنتُ تركي الذي يختار له آخرون ماذا يقرأ، ولمن يقرأ، ومن يصاحب، ومن يحب، ومن يكره". يروي تركي لـ (ايلاف) في الجزء الثاني ظروف انتقاله من الصحافة الى الاذاعة، طقوسه التي يمارسها بعد اذاعة حلقاته، ودور زوجته في نجاحه.

تسلل

يعترف تركي بأنه لم يتسكع في الأسواق، ولم يرم رقماً على فتيات، ولم يقض الساعات على سماعة الهاتف، يبوح: "تزوجت صغيراً وأنا في العشرين من عمري، وأعتقد أن زوجتي حافظت على شبابي إذ أغنتني بها عن التردد على الغواني، والتسكع في الطرقات، واضاعة الوقت في البحث عن هدف، لا يمكن ان يحتسب، لأن من يسعى لتسجيله في موقف المتسلل!".
يمتدح دور زوجته في نشاطه وحيويته: "عندما أغنت ملهمتي وزوجتي عاطفتي، وأثرت بيتي بثلاث شمعات، وتولت اعدادهم وتربيتهم وتهيئتهم، أحسست وخلفي هذا الطود الشامخ وجبل الثقة والصمود والامنيات المتمثل بها، ان من لا يسير وهذه خلفيته، حقيق بأن يتوقف على الدوام عن السير، وأنا رجل أعشق الحركة، فمضيت لا ألوي على شيء".
هجرة


لماذا هجرت الالتزام، وتمدد الثوب؟ يجيب على (ايلاف ): "لم أهجر شيئاً، عدتُ الى حيث كنت، انساناً عادياً، مسلماً مسالماً، لا ألوى على شيء،كنت تركي الذي يختار له آخرون ماذا يقرأ، ولمن يقرأ، ومن يصاحب، ومن يحب، ومن يكره، ووجدت أني رغم ضعف قدراتي، الا ان لدي الحد الادنى من القدرة على الاختيار، وتحديد مواقفي من الأشياء، فآثرت أن اكون انا انا، لا أنا غيري، هذا باختصار كل ما هنالك". أين الدخيل عن رفاق الماضي؟ يعلق: "يجب ان أقول أني لا أحمل زملائي واصدقائي في تلك المرحلة اي ذنب أو أصمهم بسوء، لكني وجدت أني لا أناسبهم، واخترت لي طريقاً آخر. بقي أن أقول أن العديد من أصدقاء تلك المرحلة لا زالوا على صلة بي، وأنا على صلة بهم، وبيننا محبة وتواصل مثل كل خلق الله".
خلفية تركي الدينية، تقفز أمام من يحاوره، تشعرك أنه ملتح سابق، مازل دهن العود والبخور يعلق في صوته : " تلك المرحلة أثرتني كثيراً وساهمت في بناء لبنة مهمة من نسيجي وتكويني، ربما تشعر بها،وأنا مدين لها بالكثير من الفضل، وفي الأثر: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)".

أضعف الايمان

داود الشريان، صحافي سعودي مهم، زاويته (أضعف الايمان) التي سافرت كثيرا، برفقة أمتعتها وقلقها، مازالت تزور الذاكرة وصورة داود معتمرا شماغ ( كوفية ) وعقال مائل،أذكر جيدا كيف يتكدس القراء في مكاتب صحيفة اليوم بحي البادية-شرق السعودية-عام1996 للاطلاع على زاويته اللاذعة طازجة، تركي عاصر الشريان في (الحياة) ماذا يقول عنه؟: "ابو محمد رجل فاضل. لا أصدق من هذا الوصف في تقديري يمكن أن يليق به.قد يغضب منك داود الشريان احياناً بلا سبب يبدو لك، ثم يرضى عنك بعدها بساعات، ربما يغضب البعض من ذلك، لكن كل من يعرف داود جيداً يدرك أن قلبه الابيض لا يجعله يعرف للحقد مكاناً، ولو بدا مغضباً، أو متجهماً".
يشرح الدخيل داود بإسهاب: "يمكن لداود ان يمارس معك في البداية قسوة، حتى تظهر معدنك، لكنه والشهادة لله، يدعم كل مجتهد ويدافع عن كل من يريد العمل" .ويتابع تركي: " لم أر داود الشريان يوماً يخاف من منافسة موظفيه، وغيره يقحم اسمه مع الاخبار المتميزة التي يأتي بها من هم تحته ادارياً، ولو لم يدر عن الخبر، أو يسعى اليه، لكنها النفوس الصغيرة. انا متأكد ان مثل هؤلاء لم يسمع ببيت أبي الطيب: واذا كانت النفوس كبارا*** تعبت في مرادها الاجسام".
كعينيه الواسعتين، كان تركي كريماً: "عملت مع داود الشريان في المسلمون قبل الحياة بسنوات. وبقي هو هو صارماً جميلاً، مهنياً، انساناً... انساناً... انساناً...".

ايقونات

الرابع عشر من تشرين الأول(اكتوبر)، عام2000، تلقيتُ اتصالا من الصديق عائض الحربي(صحافي في جريدة الحياة بالسعودية)بعد شهر من انتقالي للدراسة في ولاية يوتاه (غرب اميركا)، أرسلني الاتصال الأخير إلى الضفة، إلى الزميل تركي الذي سبقني إلى أميركا وتحديدا أورقن، أخبرني عائض عن وجود صديقنا المشترك في الجوار، قطفتُ رقمه،هاتفته على جناح السرعة، صنعنا زوارق من أصواتنا وأنهار من أسلاك تربطنا، شيد موقع جسد الثقافة http://www.jsad.net/ زرع في يومه الأول 3 ابتسامات وزعها في أنحائه ورابعة على وجهي، يقول: " أواه، أي قطاف أعظم من رسم الفرح على الوجوه؟كانت فكرة جسد الثقافة ولا تزال انه منتدى للتحريض على الابداع، يقوم على تشجيع الفن، وتدريب الراغبين لتطوير تنفسهم جمالاً. اعتقد انها غاية سامية. لذا انا استمتع بالفكرة في اصلها، وبنتائجها".
وجود تركي في أميركا، لم يمنعه من مزاولة موهبة تنزلق من أصابعه، شارك في تأسيس جريدة ومنتديات إيلاف، يضع تركي يده على جبينه، يتذكر:" إيلاف مشروع طلائعي، فعندما يقرر صحافي قضى حياته بين جنبات المطابع ورائحة الألوان والاوراق، أن يجازف بأعوامه الخمسين في مشروع الكتروني، فهو ينتصر لجيلنا الذي يعاقر التقنية منذ نعومة أظفاره. هذا النوع من التحدي يستهويني، فأنبريت له. أعتقد ان عثمان العمير أتاح لي فرصة أن أكون أصغر واحد ضمن فريق من الكبار ساهم في تأسيس ايلاف ومنتدياتها بطبيعة الحال".
يتساءل: "لا زالت ايلاف تعني لي الكثير، كما عثمان. ولا أدري هل يجذبني نحوهما الريادة أم المهنية أم المحبة، أم كل ذلك؟".

الحياة


هل هناك حرب ضد الكفاءات السعودية في جريدة (الحياة)؟ غادرها تركي ورهط من الرفاق بعد أن ضخوا في شرايينها موادا لافتة، يصفع تركي علامة الاستفهام السابقة، تنحني: " مللت هذا السؤال. يخوض كل انسان منا حرباً مع نفسه، هل لديه ما يستحق البقاء والظهور ام لا؟ تمتد هذه الحرب أحياناً عندما تقل قدراتك ويقينك بما لديك فتصيب شظاياك الآخرين، أما بدوافع اقليمية او عرقية، أو حتى شخصية. غني عن القول أنك حينها تلبس كل ذلك لبوس المهنية وتغلفة بأغلفة الموضوعية، هذا يحدث في كل المؤسسات الصحافية والمناخات الابداعية، والحياة ليست استثناءاً في ذلك".
ويسترسل الدخيل: "لكني لم أخرج من الحياة لأني حوربت. لو فعلت ذلك لكنت منهزماً وأنا أكره الانسحابات والهزائم، لو بقيت في الحياة لما أجريت معي هذا اللقاء، ولما تعرفت على هذا الجمهور الجميل العريض الذين ساهمت شاشة العربية ومايكرفون بانوراما في تقديمي لهم ".

لاءات و اضاءات

لم يخطط تركي للعمل مذيعا، يفسر: " نحن قوم لاءاتنا كثيرة، فمن (لا توسط عندنا) الا (لا تخطيط لدينا) يا قلب لا تحزن.قليلة هي الاشياء التي خططت لها.خططت أن أكون اعلامياً، لكني لم انتق الوظيفة ولا المسمى الوظيفي، ولا المهام التي يجب ان اضطلع بها.وكذا كوني مذيعاً".
يرجع سبب نجاحه الى خلفيته الصحافية: " أفضل أن أقدم نفسي على اعتبار كوني صحافي، لا مذيع. لا انتقص من زملائي المذيعين، لكني لم اتقدم لاختبار مذيعين، بل جئت للمايكروفون من بلاط صاحبة الجلالة، واعتقد اني اضفت بخلفيتي الصحافية شيئاً. لو كنت مذيعاً فحسب، لما اثرت نقعاً".
مايكرفون، نام على كتفه قلق تركي،يروي الصحافي الدخيل لـ (ايلاف) لحظاته الأولى مع الأثير: "بدت المحاولة في (اضاءات) في بدايتها، تحمل شيئاً من التوجس، فأنا أقدم على تجربة جديدة، بالنظر إلى كون خبرتي السابقة إعلامياً، كلها كانت في صحافة الورق، جرائد ومجلات، أما الآن فأنا أمام مصطلحات جديدة. بث على الهواء، ومايكرفون، وكاميرات، وصوت، ومخرج ومهندس، وفي هؤلاء من يأمرك وينهاك، وان تلطف اكتفى بالإشارة دون امر ونهي.
ويردف: "لا أريد أن يبدو الموضوع اختراعاً، لكنه في البداية يحتاج الى بعض الجهد، ثم يتحول روتيناً. هذا فيما يتعلق بالجوانب الفنية".
ولكن كيف انتقل من الاعلام المقروء الى المسموع؟يستدعي تركي الذكريات: "استمرت علاقتي مع الحياة طيلة سبع سنوات وانتهت في صيف العام 2002، حيث انتقلت للعمل مع ام بي سي و العربية في دبي رئيساً لقسم الخليج في غرفة الأخبار،كانت ام بي سي تنوي تدشين اذاعة جديدة مع اطلاق قناة العربية الاخبارية، لتبث على موجات اف ام، الى جانب شقيقتها ام بي سي اف ام".
يكمل: " خلال بدايات عملي تجولت على رؤساء الأقسام في العربية وام بي سي، وام بي سي اف ام، ومررت على حسن معوض مدير اذاعة ام بي سي اف ام، والاذاعة الجديدة التي اصبح اسمها الآن بانوراما اف ام، فقال لي أن الزملاء الذين تعاملوا معي في العام 1997 يوم كنت مراسلاً سياسياً للاذاعة في السعودية، يرشحونك لتقديم برنامج، فما رأيك؟".
استمتع بعرض مدير اذاعة ام بي سي: "راقت لي الفكرة، وكنت أفكر بها من قبل، لكني كنت أريد ان أعطي الأمر مداه الطبيعي وأن اجعل الزملاء في مكاني الجديد يقتنعون بقدراتي ثم يمكن الحديث عن أفكار يمكن لي أن اقدمها، فوافقت على الفور".
كيف تنفذت الفكرة على أرض الواقع؟ يجب على (ايلاف) الدخيل:"قال لي حسن معوض، بأني يجب أن أعمل حلقة تجربة لاكتشاف ملائمتي المهنية والفنية لتقديم برنامج. كان الزملاء عادة ما يجرون التجربة ، باستضافة زميل واعتباره الضيف الحقيقي، ثم يطرحون عليه الاسئلة في الموضوع الذي يجربون فيه، لكني آثرت ان اتعامل مع التجربة كما لو كانت حلقة حقيقية".
يتابع تركي: "كانت ذكرى مرور احداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على الأبواب، وكان تقريراً صادراً عن معهد ابحاث يتعامل مع وزارة الدفاع الاميركية يتهم السعودية بأنها عدو حقيقي للولايات المتحدة الاميركية، فلم أجد أنسب موضوعاً للحلقة من: أثر الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على العلاقات السعودية الأميركية، فبدأت أبحث بعدها عن الضيوف الأنسب لهذا الموضوع".
يسترجع مذيع برنامج (اضاءات) تفاصيل الحلقة الأولى: "كنت أدرك أن تيارين سعوديين متباينين في الموقف تجاه أميركا بدأ في التبلور، فرأيت أن انسب اثنين يمكن أن يمثلا التيار هما عبدالرحمن الراشد، رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط آنذاك، و الدكتور أحمد بن راشد بن سعيّد، استاذ الإعلام في جامعة الملك سعود. كان الأول ليبرالياً، والآخر اسلامياً، والأول بطبيعة الحال يميل الى اميركا، والثاني يعاديها تماماً، مع أنه تخرج من احدى جامعاتها".
يضيف: "كما استضفت هشام ملحم ليبين لنا باعتباره اميركياً من أصل عربي، وجهة النظر الاميركية، بالاضافة الى صالح الفريح رئيس نادي الطلبة السعوديين في كاليفورنيا، ليكون شاهداً على وضع الطلاب السعوديين في اميركا، ابان الحادي عشر من سبتمبر، وبعدها. دور صالح الفريح كنت استطيع أن أقوم به على أكمل وجه، فقد كنت وزوجتي واطفالي ندرس في اميركا، قبل واثناء وبعد كارثة سبتمبر، لكني كنت سأدير الحوار، ولم أشأ بدافع مهني ان اكون طرفاً فيه، ولا يجب ان اكون كذلك".
هل عُرضت الحلقة؟ يرد تركي: "سجلت الحلقة ووفق عليها، وبثت مع الذكرى الأولى لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم بدأت بعدها في تقديم البرنامج بشكل أسبوعي، من مقر اقامتي في دبي، الى أن انتقلت في مطلع العام 2003 الى السعودية، فأصبحت أقدمه من الرياض، أو جدة".
وعن اختيار اسم البرنامج، يقول: "كان حسن معوض يريد أن يكون البرنامج بعنوان العالم في أسبوع، او الخليج في أسبوع، لكني رفضت وآثرت أن يكون عنوانه (اضاءات) كي لا يكون محدوداً في التعاطي مع الموضوعات السياسية فقط، بل يتناول الديني، والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، الى جانب السياسي، وكان لي ما أردت".

رقص

مذيع قناة فوكس الصحافي نيل كافوتو(37عاما)، يستمتع بمطالعة حلقاته وحيدا، يغلق مكتبه جيدا، يخفض صوت التلفاز حتى يصمت، يتأمل في وجهه بشدة وهو يحاور ضيوفه: "أتابع حركة أصابعي، ارتعاشة أهدابي، ملامح الضيوف وهي تفترس اسئلتي، شعور عظيم يفسده صوت زملاءي وهم ينهشون حلقتي خلف الباب الصغير الذي يفصلنا". (من مقابلة أجرتها روكي ماونتنز). تركي، ماهي طقوسه، كيف يحتفل بحلقاته؟ يجيب على (ايلاف): " أتراقص في داخلي وأتمايل كالأطفال بلعبهم الجديدة. أود أحياناً لو أقفز وان كان هذا متعذراً بسبب حجمي الكبير. لكن المتعة التي تجتاحني تحرضني على أشياء يمكن وصفها بالجنون، وابشرك انها لا تتجاوز الافكار.
(في الحلقة الأخيرة تركي الدخيل يرد على خطيب الجمعة و وزير سعودي)

يتبع


[email protected]