حوار مع أستاذ مادة النظريات الموسيقي وعازف آلة الجوزة
ومؤسس فرقة المقام العراقي في العراق وهولندا،
الفنان محمد حسين كَمر (1/2)
حاوره حسين السكاف: العراقي الذي لا زال يمعن النظر في جراحه وهو يشم رائحة الدم الساخن العصي عن التوقف، كان أيضاً يستمع لتلك النغمات والكلمات التي تأخذه بعيداً بعض الشئ عن مسرح آلامه. لكن " القدر " المرسوم بريشة الدسائس والمخططات والأطماع والإجتهادات، استكثر عليه تلك اللحظات البسيطة التي يختلي بها العراقي مع روحه الحالمة. فالجيل العراقي الذي ولد أو عاش فترة الحكم الدكتاتوري، هو أكثر الأجيال حراماناً وأعمقهم جرحاً، بعد أن عاش الحروب وشاهد سيل الجثث المتدفق من " البوابة الشرقية " ومن ثم البوابة الجنوبية وبين هذه وتلك كان السيل يتدفق من السجون والمعتقلات وصولاً لتلك الأنفاس الأخيرة التي إمتزجت بتراب المقابر الجماعية. هذا الجيل تعرض إلى أكبر وأضخم سرقة عرفها التاريخ، فلقد سُرِقَتْ منه أحلامه، وأمنياته، والفرح الطفولي. سُرِقَ منه الزمن، والمتعتة بأبسط الأشياء جمالاً، حتى الأغنية الحالمة أُستُبدِلتْ بأغنيات الحروب وتمجيد الدكتاتور لتصبح بنوعها الرخيص الوحيدة على الساحة الفنية، ليصل في نهاية المطاف إلى سرقة الأرشيف الفني – الموسيقي والغنائي – من مبنى دار الإذاعة والتلفزيون. تلك الفترة من تاريخ العراق أصبحت من أهم الفترات التاريخية التي يجب أن نتوقف عندها دراسةً وتحليلاً من أجل أن نظهر الحقيقة وننصف التاريخ، وهذه مهمة الفنان والشاعر والكاتب والموسسات على حدٍ سواء.
واليوم أحاور شخصية موسيقية عراقية عاشت الفترة المعنية بكل ظروفها، شخصية تمتلك الذاكرة الأرشيفية بشكل دقيق، فنان أطلق عليه البعض " أرشيف الموسيقى العراقي المتحرك " إنه الفنان أستاذ مادة النظريات الموسيقي وعازف آلة الجوزة ومؤسس فرقة المقام العراقي في العراق وهولندا، الفنان محمد حسين كمر.
* لي قمرٌ في الرصافة
لي سمكٌ في الفراتِ ودجلة
ولي قارئٌ في الجنوب
ولي حجرُ الشمس في نينوى
ونوروز لي في ضفائر كردية
في شمال الشجر
ولي وردةٌ في حدائق بابل
لي شاعر في بويب
ولي جثتي تحت شمس العراق
ترى هل أغرتك رائحة الدم العراقي في قصيدة الشاعر محمود درويش " شمس العراق " كي تلحنها، فتصبح أغنية العراق القتيل؟
إن للصورة الشعرية الرائعة التي إحتوتها قصيدة درويش، سحر يغري الفنان ويدفعه إلى الخروج من لحظة الصمت الآني، فهي صورة تجمع ذلك الموزائيك العراقي الرائع والجميل والمتداخل في ثنايا الروح العراقية، حيث بغداد بدجلته وفراته و لياليه المقمرة، وسمكه الذي يذكرني بالمسكوف العراقي، وكردستان بجباله الشامخة والبصرة بشناشيلها وابنها الخالد السياب، و صورة جنائن بابل بعمق التاريخ والحضارة، كل هذه في بلدي، أضافة الى الحيف الذي وقع عليه طيلة الفترة البعثية المظلمة. كل ذلك أستفزتني كي أجمع مابين الصورة الشعرية والموسيقية المعبرة عن ذلك الأرث والعمق الحضاري لأعرق وأقدم حضارة عرفتها البشرية والتي أصبحت رهينة أو من ممتلكات الدكتاتور بغفلة من الزمن. فالموسيقى هي المعبر الحقيقي عن طبيعة وفلسفة المجتمعات، كما قال أحد الفلاسفة الصينين " إذا أردت التعرف على ثقافة وحضارة أي بلد فأستمع الى موسيقاه "، ولكنه نسي أن يشير إلى حجم السكين التي تتسلط على رقاب أبنائه.
* ترى ما هي الأسباب التي دفعتك إلى دخول معهد الدراسات النغمية؟
- شغفي بالموسيقى وعلاقتي الخاصة بها منذ طفولتي كان الدافع الأول، والدافع الثاني كان إيماني وأنا في عمر الصبا بأن الموسيقى فن الرقي والحضارة. فالموسيقى هي من أقدم وأرقى الفنون التي ولدت وأرتبطت مع الأنسان منذ بدايات الخليقة، حيث كانت المُعبِّر الحقيقي عن الأحاسيس الإنسانية، من فرح وحزن وخوف ومشاعر أنسانية متعددة. أما الموهبة الفنية وفي كل مجالاتها فهي تولد مع الأنسان لتنمو وتتطور بنموه وتطوره، ومن أجل هذا دخلت عالم الموسيقى الأكاديمي.
* هل كان للمدينة التي ولدت وعشت فيها طفولتك تأثيراً مباشراً في شغفك بالموسيقى؟
- عشت مرحلة الطفولة بداية الستينات في مدينة الحبانية والتي كانت عبارة عن عراق مصغر شأنها بذلك شأن أغلب المدن العراقية، حيث الموزائيك العراقي المتنوع في الثقافات واللغات والتقاليد والموروث. في تلك المدينة تجد الكردي والعربي والأثوري والتركماني في روابط وعلاقات أجتماعية متينة مبنية على المحبة والعلاقات الطيبة والأصيلة وكان يجاورنا عائلة موسيقية معروفة في تلك الفترة هي عائلة عازف السكسفون المبدع " خننيا " وشقيقه " يوخنا " وكان يجذبني كثيرا صوت موسيقاهم حين يمارسون التمرينات، كنت أذهب الى جوار الشباك كي أسترق السمع الى تلك الموسيقى التي كانت تبكيني وأنا أستمع إلى صوت السكسفون الحزين، وكثيراً ما كنت أنام وأنا أستمع لموسيقاهم.
* الكثير من الفنانيين يذكرون الحياة المدرسية بحنين واضح لما خلفت تلك الفترة من ذكريات جميلة، فهل كانت للحياة المدرسية تأثيرها عليك؟
- في المدرسة أكتشف معلم النشيد الذي أذكر أسمه لغاية الآن وهو الأستاذ " عبد الاحد " حبي للموسيقى والغناء وشجعني كثيرا ورشحني لكي أغني أناشيد الصباح، في تلك الفترة وفي أيام رمضان كنت أترأس مجموعة منطقتنا وأنا أغني معهم الأغاني الرمضانية وأعزف على (الدم بك) أي الطبلة الصغيرة، وبالمناسبة كلمة دم بك كلمة فارسية تعني الظغوط الأيقاعية المعروفة عربيا بالـ(لدم والـ تك). كنت أجمع مصروفي اليومي كي أتمكن من شراء طبلة أعزف عليها.
في تلك المرحلة، مرحلة الصبى، كنت مولعاً في الترديدات الحسينية حيث كنت أحفظ الكثير كي أقرأه لأبناء منطقتي حين نمارس شعائر أيام عاشوراء،- تصور كان أصحابنا من المسيحيين يشاركوننا في ذلك-. وهنا تجدر بي الإشارة إلى ذلك الأثر الروحي الكبير الذي خطه والدي (رحمة الله عليه) في تلك المرحلة، فقد عمل على صقل صوتي بشكل علمي ودقيق من خلال تعليمي التجويد القرآني حتى أصبحت أجوده في أماكن مهمة وأمام أنظار ومسامع الكثيرين.
* بعد أن تولعت بالغناء وأنت إبن المدينة الصغيرة البعيدة عن العاصمة، شأنك بذلك شان أغلب المبدعين الموسيقيين العراقيين، هل كانت بغداد والوصول لها حلماً؟
- ليس تماماً، فلم ينضج عندي حلم العاصمة بعد، حتى رُحِلّنا من منطقة الحبانية عنوةً الى بغداد بعد قدوم النظام البعثي البائد، كون أن المنطقة كانت منطقة عسكرية، لقد أرادوها أن تكون منطقة مغلقة خاصة بهم، وهذا ما فعلوه بكثير من المناطق العراقية الجميلة، فلقد قتلوا هؤلاء الأوباش كل شي جميل في بلادي.
* كيف أصبحت بغداد المساهم المباشر في دخولك لعام الموسيقى وأنت لا تزال في عمر الصبا؟
- في بغداد ألتقيت بعازف الناي والزرنة في الفرقة القومية للفنون الشعبية الفنان " محمد مهدي " وهو من أقرباء والدتي، حيث أستمع لي بالصدفة، فوجد بداخلي موهبة موسيقية، حينها نصحني بالدخول الى معهد الدراسات النغمية وكنت آنذاك قد أنهيت الدراسة المتوسطة وكان من المفروض أن أدخل اعدادية التجارة المركزية للعام الدراسي 1974. ولكن ومن أجل دعم الموهبة التي أمتلكها بالدراسة الأكاديمية والعلمية للموسيقى قررت الدخول الى معهد الدراسات النغمية حيث كان الدوام فيه مسائي، فذهبت الى الأختبار حيث أختبرت على يد خيرة الأساتذة المعروفين في المجال الموسيقي وكانت لجنة الأختبار تتكون من:
الموسيقار منير بشير والأستاذ الكبير الفنان روحي الخماش الذي درست عليه علوم نظريات الموسيقى الشرقية (والذي رشحني بعد تخرجي لتدريس هذه المادة في معهد الدراسات النغمية خلفا له) وعبد الرزاق العزاوي وشعوبي ابراهيم وهما من أهم أساتذة مادة المقام العراقي، والأستاذ سهيل عباس الذي اعتبره من أحسن اساتذة الصولفيج في العراق، والأستاذ حميد البصري الذي كان مشرفا على العزف والغناء الجماعي والشيخ جلال الحنفي أستاذ مادتي العروض والتجويد والدكتورة شهرزاد قاسم حسن أستاذة مادة البحوث، ود. صبحي أنور رشيد أستاذ مادة التاريخ الموسيقى.
في الأختبار قدمت مقام مخالف وأغنية " مو بدينة " للفنان فؤاد سالم مما حدى بالفنان الكبير منير بشير على قبولي مباشرة حين سألني عن أحب الألوان الغنائية لي وأجبت " المقام العراقي ". تم قبولي ضمن الدورة الخامسة، وبهذا أصبحت معاصراً لأغلب الدورات التي دخلت المعهد، كون أن الدورة الأولى لم تتخرج، وبعد تخرجي تم تعييني معيداً ثم أستاذا في المعهد نفسه.
* هل عرف الجمهور العراقي بعضاً من زملائك الطلبة الذي دخلوا معك المعهد لنفس الدورة كفنانيين محترفين؟
- من الفنانين الذين عرفهم الجمهور العراقي والذين كانوا ضمن الدورة، الفنان الراحل عارف محسن والفنان فاضل عواد الذي لم يستمر في الدراسة، والفنانة الراحلة صاحبة الصوت الأسمهاني الرائع (لطيفة) التي فازت بالجائزة الثانية لمهرجان أم كلثوم الأول عام 1976 في تونس حيث كانت الجائزة الأولى من نصيب عزيزة جلال، إضافة الى الملحن مضر قاسم وعازف الكيتار علاء الدين محمد شاكر وقارئ المقام محمود حسين وعازف الناي محمد مهدي الذي شجعني للتقديم الى المعهد إضافة الى مجموعة من الفنانين كانوا ضمن فرقة الأنشاد العراقية، لذلك أجد نفسي محظوظا جدا في قبولي ضمن هذه المجموعة وكنت في حينها أصغر طالب ينتمي الى المعهد.
* أرجو أن تحدثنا أكثر عن زميلتك الفنانة الراحلة " لطيفة "، وهل كان لرحيها المبكر السبب في عدم شهرتها؟
- هي الفنانة " لطيفة أحمد " التي لو قدر لتلك الموهبة الغنائية أن تكون بيننا في وقتنا الحاضر لإستطاعت أن تترك بصمة متميزة في تأريخ الغناء وتاريخ الأصوات الغنائية النسائية العراقية والعربية. تميزت بأمكانيات أدائية ومساحة صوتية واسعة، وقدرة عالية على التحكم والتصرف بأمكانيتها الصوتية، وكان حصولها على المرتبة الثانية في مسابقة أم كلثوم الأولى في تونس عام 1976 الدليل الواضح على قدراتها الفنية العالية، ولا بد هنا من ذكر دور الفنان الراحل روحي الخماش في صقل موهبة الفنانة لطيفة ولكن يد القدر كان بأنتظارها وهي في بداية صعود نجمها في الوسط الفني العراقي والعربي حيث قدمت روائع من الغناء العراقي والعربي وبالأخص أغاني أسمهان وأم كلثوم وسليمة مراد ونرجس شوقي أضافة الى مجموعة من الألحان الصعبة والموشحات للفنان روحي الخماش.
* المعروف بأنك تمتلك خزيناً موسيقياً أرشيفياً في ذاكرتك، فهل تحدثنا عن طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين الطلبة من جهة، وبين الأساتذة من جهة أخرى، ومن هم خريجي الدورات الأولى من الفنانيين؟
- العلاقات التي كانت تربط الكادر التدريسي بالطلبة إضافة الى العلاقات بين الطلبة أنفسهم علاقات إنسانية رائعة جداً، علاقات مبنية على المحبة، وكنا نشعر كوننا عائلة واحدة، وكان التنافس بيننا تنافسا شريفا، وبالمناسبة المجموع الكلي لطلبة المعهد في تلك الفترة – فترة إنتسابي للمعهد في دورته الخامسة- كان لا يتجاوز الثمانين طالباً، كان بيننا الطبيب والمهندس والمحامي وأساتذة جامعيين وفئات متعددة جمعهم حب الموسيقى، ومن أهم هذه الأسماء ولغرض التوثيق، أذكر أن خريجي الدورة الأولى كانوا سبعة، وهم:
حبيب ظاهر العباس الذي أصبح عميد المعهد فيما بعد، وهو مؤلف كتاب قيم في النظريات الموسيقية، وعازف الجوزة المبدع داخل أحمد، وعازف العود رزكار خوشناو، وعازف القانون جودت عبد الستار، وعازف الكمان محمد عبد الجبار – تم إلغاء آلة الكمان من منهاج المعهد إعتباراً من دورته الثالثة - وعازف الجوزة كاظم جاسم، والفنان حمودي عزيز شربة. ومن خرجي الدورة الثانية أذكر: المطرب صلاح عبد الغفور، وعازف السنطور محمد زكي. ومن الدورة الثالثة عازف العود المبدع سالم عبد الكريم ، وصفوت محمد علي، وعازف السنطور سعد عبد اللطيف، ومن الدورة الرابعة قارئ المقام وصديقي العزيز الفنان حسين الأعظمي والمطرب صلاح حميد.
* من هم أول الأساتذة الذين تعلمت عليهم؟
- في السنة الأولى من دراستي تعلمت آلة الجوزة على يد الأستاذ الفنان الراحل حسن النقيب لمدة سنة دراسية كاملة، بعدها تم دعوة مجموعة من الأساتذة الأجانب من طاجاكستان لتدريس آلتي الجوزة والسنطور لأمكانياتهم التكنيكية العالية وطرقهم الأكاديمية في العزف والتدريس لهاتين الآلتين التراثيتين فكنت من أوائل الطلبة الذين درسوا على الخبير محمودوف (1976- 1979) وفي بداية التدريس نصحني بأن أبدا معه من البداية أي أن أنسى الطريقة القديمة كونها كانت طريقة بدائية جدا، وكذلك كون طريقة الدوزان الغربية تختلف عن الطريقة العراقية وكذلك مسك الآلة وحركة القوس حيث انهم يستخدمون الطرق المبنية على الدراسة العلمية والأكاديمية متوافقا مع استخدام النوتة الموسيقية مع حركة وكيفية استخدام القوس، اضافة الى أستخدام منهج علمي خاص لهذه الآلة، وقد أستفدت كثيرا في تنمية قدراتي على القراءة والكتابة الموسيقية (التدوين الموسيقي) والسنوات الثلاث التي درستها على الأستاذ محمودوف كانت كافية لتطوير قابلياتي التكنيكية وأكتساب الخبرة في الطرق العلمية للتدريس والعمل على بناء منهج جديد أستخدمته بعد ذلك في تدريسي لطلبة المعهد وطلبة مدرسة الموسيقى والباليه.
* ترى لماذا تخصصت بآلة الجوزة وليس غيرها.. هل أتت بالصدفة أم بنصيحة من أحدهم؟
- تخصصي على آلة الجوزة جاءت بالصدفة. لقد كنت متيماً بآلة الكمان وآلة القانون، وكنت من المعجبين بعازف القانون حسن الشكرجي الذي اصبح زميلي في دراستي الجامعية، ولكن ونظراً لشحة الآلات الموسيقية المتوفرة في المعهد آنذاك وغلاء ثمن آلة القانون وقبول العدد المطلوب من الطلبة لدراسة تلك الآلة، كل تلك الأسباب جعلت من اللجنة أن تقرر ترشحي لدراسة آلة الجوزة لتوافق طبيعة أصابعي وطبيعة تلك الآلة كما جاء في كلام اللجنة. شكل ذلك القرار صدمة كبيرة في نفسي، كان عمري وقت ذاك خمسة عشر عاماً، حتى بكيت، فأثارت دموعي إنتباه الأستاذ شعوبي أبراهيم والأستاذ عبد الرزاق العزاوي - هو الآن في منصب رئيس أتحاد الموسيقيين العراقيين – حينها قال لي الأستاذ شعوبي بأسلوبه البغدادي مازحاً: (هاي الجوزة مفيدة جداً، لأنه من تجوع تقدر تأكلها) وبتوجيهه الأبوي قال لي: " هل تعلم كم من عازفي القانون والكمان يوجد في الوطن العربي وفي العراق؟ ولكن هنالك فقط ثلاثة عازفين جوزة في العراق، أنا وحسن النقيب وداخل أحمد، ألا تريد أن تكون متميزاً؟، ولي حدس كبير بأنك ستتميز في هذه الآلة وهذا ما قاله أيضا الأستاذ عبد الرزاق. كان وقع كلاهما علي كالسحر وكانت البداية.
* كيف تقَيِّم المنهاج الدراسي الموسيقي بشكل عام في المعهد؟
- لم يكن لدينا منهاجاً ثابتاً، حيث كان يتغير بتغيير الأساتذة (وهي طريقة تعليمة حديثة مستخدمة في أوربا) وكما تعلم أن لكل أستاذ طريقته الخاصة، وهذا الموضوع كان في بعض الاحيان يشتت تفكير الطالب، ولكننا في أحيان كثيرة نجده ايجابياً، حيث تعدد المعلومات الموسيقية وتنوع مدارسها.
* ما هي الدروس الغير موسيقية التي كنتم تدرسونها في المعهد؟
- اضافة الى الدروس الموسيقية كنا ندرس علوم العروض والتجويد واللغة الأنكليزية وطرق التدريس والبحوث وكلها لها صلة في عالم الموسيقى.
* ولكنكم كنتم تدرسون مادة " الثقافة القومية " كذلك، فهل لهذه المادة علاقة بالموسيقى كسابقاتها؟
- كانت لدروس العروض والتجويد واللغة الأنكليزية علاقة بالمادة الموسيقية، فلمادة العروض ومثلها التجويد فائدة كبيرة وعلاقة وثيقة مع علم الغناء، من حيث الإستخدام الصحيح لمخارج الحروف والمد والقطع والأدغام وغيرذلك لما له صلة باصول الغناء، وكذلك مادة اللغة الإنكليزية وعلاقتها بدراسة الموسيقى الأوربية. أما المستغرب، هو فرض المادة الكريهة والغير مستساغة لدى غالبية الطلبة، وهنا أقصد مادة " الثقافة القومية " التي كان حالها حال حزب العبث، بغيض وغير مقبول لدى الشعب العراقي، كانت مادة اجبارية تدرس في الكليات والمعاهد، وكان غالبية ممتهنين هذه المادة ولا أقول مدرسين، لأن كلمة الأستاذ المعلم والمدرس كلمة مرموقة ومحترمة، أما ممتهنين مادة الثقافة العبثية القومجية، فهؤلاء كانوا من وكلاء أجهزة المخابرات البعثية السيئة الصيت.
* كيف أصبحت عضو جمعية الموسيقيين العراقيين عام 1976، وأنت لا تزال طالباً في المعهد؟
- كنت في المرحلة الثانية من المعهد وأتهيأ للدخول الى المرحلة الثالثة عندما قدمنا الحفل السنوي في قاعة الشعب عام 1976 بمناسبة تخرج الدورة الأولى التي بلغ عدد خريجيها سبعة كما أسلفت، حينها سمعني الموسيقار منير بشير وأنا أعزف على آلة الجوزة وآلة الرق والطبل الكبير خصوصاً في مقطوعة " سولاف " للفنان غانم حداد. بعد نهاية الحفل جاء منير بشير خلف الكواليس وهنأنا وقال لي: " عليك أن تأتي غداً الى دائرة الفنون الموسيقية كي تنتمي الى فرقة التراث الموسيقي العراقي ". كانت فرحتي كبيرة، فذلك يعني السفر الى العالم من خلال الفرقة. كانت أول سفرة لي الى باريس وأذكر التارخ، 19-10-1977 حيث زرنا مدينة آرل الفرنسية وقدمنا حفلاً رائعاً حضره عمدة المدينة الذي منحنا ميدالية المدينة، وكانت هذه هي الجائزة الاولى في حياتي والتي أعتز بها كثيراً وكانت معنا الفنانة الكبيرة مائدة نزهت والفنان حسين الأعظمي عميد المعهد حالياً والأستاذ حسن علي النقيب وسعد عبد اللطيف وسامي عبد الأحد وجبار سلمان ومحمد مهدي والفنانين الأكراد عيسى برواري و الفنانة فاطمة كلبهار وأحمد شيخاني وجمال شادان، بالإضافة إلى الفنان الراحل رياض أحمد وصلاح عبد الغفور وأبراهيم العبدالله وأولاد هربود المعروفين في تخصصهم بصناعة أجود أنواع الألأت الأيقاعية كالطبل الكبير والنقارة بشكل خاص . كانت فرقة التراث من الفرق الرسمية والمحترفة، وعضويتي في تلك الفرقة ساعدتني على الحصول على عضوية جمعية الموسيقين العراقيين تلك الفترة، أضافة الى كوني عضواً في فرقة قصر الثقافة والفنون التابعة لوزارة الشباب حينذاك.
الحلقة الثانية