إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2965 السبت 4 يوليو 2009 آخر تحديث  GMT 11:00:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات>> لقاء إيلاف   
    

كمر: للنجومية واجبات لا تقبل المساومة

GMT 16:45:00 2005 الأربعاء 13 أبريل

حسين السكاف


حوار مع أستاذ مادة النظريات الموسيقي وعازف آلة الجوزة

ومؤسس فرقة المقام العراقي في العراق وهولندا،

الفنان محمد حسين كَمر. (2/2)

حاوره حسين السكاف: العراقي الذي لا زال يمعن النظر في جراحه وهو يشم رائحة الدم الساخن العصي عن التوقف، كان أيضاً يستمع لتلك النغمات والكلمات التي تأخذه بعيداً بعض الشئ عن مسرح آلامه. لكن " القدر " المرسوم بريشة الدسائس والمخططات والأطماع والإجتهادات، استكثر عليه تلك اللحظات البسيطة التي يختلي بها العراقي مع روحه الحالمة. فالجيل العراقي الذي ولد أو عاش فترة الحكم الدكتاتوري، هو أكثر الأجيال حراماناً وأعمقهم جرحاً، بعد أن عاش الحروب وشاهد سيل الجثث المتدفق من " البوابة الشرقية " ومن ثم البوابة الجنوبية وبين هذه وتلك كان السيل يتدفق من السجون والمعتقلات وصولاً لتلك الأنفاس الأخيرة التي إمتزجت بتراب المقابر الجماعية. هذا الجيل تعرض إلى أكبر وأضخم سرقة عرفها التاريخ، فلقد سُرِقَتْ منه أحلامه، وأمنياته، والفرح الطفولي.  سُرِقَ منه الزمن، والمتعتة بأبسط الأشياء جمالاً، حتى الأغنية الحالمة أُستُبدِلتْ بأغنيات الحروب وتمجيد الدكتاتور لتصبح بنوعها الرخيص الوحيدة على الساحة الفنية، ليصل في نهاية المطاف إلى سرقة الأرشيف الفني – الموسيقي والغنائي – من مبنى دار الإذاعة والتلفزيون. تلك الفترة من تاريخ العراق أصبحت من أهم الفترات التاريخية التي يجب أن نتوقف عندها دراسةً وتحليلاً من أجل أن نظهر الحقيقة وننصف التاريخ، وهذه مهمة الفنان والشاعر والكاتب والموسسات على حدٍ سواء.
واليوم أحاور شخصية موسيقية عراقية عاشت الفترة المعنية بكل ظروفها، شخصية تمتلك الذاكرة الأرشيفية بشكل دقيق، فنان أطلق عليه البعض " أرشيف الموسيقى العراقي المتحرك " إنه الفنان أستاذ مادة النظريات الموسيقي وعازف آلة الجوزة ومؤسس فرقة المقام العراقي في العراق وهولندا، الفنان محمد حسين كمر. وها هنا الحلقة الثانية والأخيرة من حوارنا معه:

* كما أعلم أن فرقة الثراث الموسيقي العراقي التي تأسست عام 1973 من قبل الموسيقار منير بشير، كان لها صدى واسع في العراق وخارجه، ولكن هذه الفرقة سرعان ما غابت عن الساحة الفنية، ترى ماهي أسباب إختفاء فرقة موسيقية مهمة كتلك الفرقة؟
- كان الغرض من تأسيس الفرقة احياء المقام العراقي وبقية الألوان الغنائية والموسيقية التراثية العراقية وتقديمها في المحافل والمهرجانات العربية والدولية، وكان الإنتماء اليها حلم الفنانين الشباب، وأعتقد اني كنت محظوظاً بالأنتماء لها، فلقد صقلت موهبتي وزادتني خبرة من خلال الأحتكاك بفنانين من مختلف أنحاء العالم، وكانت تلك الفرقة من الفرق الموسيقية المهمة في العالم كونها تختص بمجال التراث الموسيقي العراقي. انتميت لها منذ عام 1976 ولغاية 1988 اي حتى بداية النهاية، حيث بدأت الفرقة تتلاشى شيئا فشيئا نتيجة تدهور الحياة الثقافية والفنية جراء الحكم السياسي المتخلف والمستبد الذي بدأ بتسييس الثقافة والفنون لخدمة الدكتاتور، ونتيجة لقلة إهتمام أصحاب القرار الذين كانوا يسيرون الأعلام لصالحهم.
ولكن، ونتيجة للخبرة التي أكتسبتها في عملي مع الفنان الكبير منير بشير وإيماني بأهمية التراث في حياة الشعوب، باشرت بتأسيس فرقة المقام العراقي أواخر عام 198، حيث ضمت مجموعة من الفنانين الأكاديمين والمهتمين بالتراث الموسيقي العراقي، وأنا فخور بتلك المجوعة التي كانت تضم الأستاذ باهر هاشم الرجب الذي التحق بالفرقة في الفترة الأخيرة وهو شرف كبير أن يكون ضمن فرقتنا فهو الخبير في شؤون المقام كوالده المرحوم هاشم الرجب وكذلك شقيق السيدة فريدة الفنان جميل الأسدي على آلة القانون وعدنان شنان آلة الناي وولدنا عبد اللطيف على مجموعة الأيقاعات وآلة العود الذي يضاهي بعزفه كبار عازفي العود في العالم العربي روحاً وتكنيكاً إضافة الى الفنانين سالار أسيد وكريم درويش وساهر السناطي وفنانين آخرين عملوا معنا منهم آزاد عمر على آلة الناي ووسام أيوب على السنطور وستار الساعدي على الطبلة والخشبة .

* بعد تخرجك من معهد الدراسات النغمية، انفتحت أمامك آفاق فنية وأكاديمية كبيرة، كانت محط طموحات أغلب زملائك، فهل قربك من الموسيقار الراحل روحي الخماش وإعجابه بك، هو ما دفعه إلى ترشيحك لتنوب عنه في تدريس طلبة المعهد؟
- تخرجت من المعهد عام 1981 وكنت الأول على دورتي حيث حزت على درجة الأمتياز في مادة النظريات الموسيقية، ودرجة جيد جداً في التطبيقات العملية، ونظراً للمسؤليات الكبيرة التي كانت على عاتق الأستاذ الكبير روحي الخماش في تلك الفترة سواء على مستوى المعهد أو الأذاعة، حيث كان يتولى الأشراف على فرقة الأنشاد العراقية إضافة الى التدريس في معهد الفنون الجميلة، كل تلك الأسباب دفعته إلى أن يرشحني كوني معيداً في المعهد لأكون خلفا له في تدريس مادة النظريات الموسيقية أضافة الى التدريس العملي لآلة الجوزة، وفعلاً بدأت بتدريس طلبة المعهد لجميع المراحل، وأذكر من الفنانين المعروفين الذين كانوا من تلاميذي المطرب محمود أنور وأحمد نعمة وعلاء مجيد وكريم عاشور وفارس خليل شوقي ونجاح عبد الغفور ومالك محسن ووسام أيوب وكريم محمد وأنيتا واحسان الأمام وكثيرين من الطلبة الذين أصبحوا فنانين معروفين فيما بعد، وكان من ضمنهم أيضاً زوجتي الفنانة فريدة محمد علي وعازف الجوزة أنور ابو دراغ وغيرهم. وفي تلك الفترة كنت أقوم بالتدريس في مدرسة الموسيقى والباليه. وفي عام 1987 حصلت على أجازة دراسية لأكمال دراستي الأكاديمية، فدخلت أكاديمية الفنون الجميلة، أنا وزميلي الفنان حسين الأعظمي، كنا أول طالبين من معهد الدراسات النغمية يحصلون على شهادة البكلوريوس في العلوم الموسيقية، وبعد تخرجي عدت الى المعهد لأكون رئيسا لقسم الغناء ومشرفا على العزف والغناء الجماعي، أضافة الى القاء محاضرات في قسم الفنون الموسيقية التابع لأكاديمية الفنون الجميلة في النظريات وعلوم التحليل الموسيقي وكذلك مشرفا على العزف والغناء الجماعي في الأكاديمية أضافة الى مهامي في القسم الشرقي في مدرسة الموسيقى والباليه.

* بعد تخرجك من معهد الدراسات النغمية وعملك فية كأستاذ لعدة سنوات، دخلت أكاديمية الفنون الجميلة، ترى هل وجدت هناك شئ مختلف عن دراستك السابقة؟
- بالطبع وجدت أختلافاً كبيراً في المناهج المتخصصة، وخصوصاً في مادة بالبحوث والتحليل الأكاديمي العالمي للأستاذ الدكتور طارق حسون فريد، والتعرف على أمكانيات البحث العلمي من خلال البحوث الميدانية والمختبرية أضافة الى التعرف والتخصص في دراسة الموسيقى العالمية ودراسة مواد التوزيع والهارموني والكونترابوينط على يد الأستاذ حمدي قدوري والتي أفادتني كثيراً في مجال التلحين والتوزيع الموسيقي العلمي بعيدا عن العشوائية التي نسمعها وللأسف لدى بعض أشباه الموسيقيين اليوم، هذا إضافة الى دراستي لآلة الكمان على الأستاذ د. طارق أسماعيل.

* النظرة السائدة في العراق – أقصد الشارع العراقي – تقول بأن مدرسة الموسيقى والبالية كانت مدرسة خاصة لإبناء الطبقة الغنية وأبناء رجالات النظام، فهل هذا صحيح؟ .. وهل باعتقادك أن الذوق الفني العراقي كان يستسيغ فن الباليه؟
- الفكرة التي تأسست عليها مدرسة الموسيقى والباليه، هي إنشاء مدرسة نموذجية تستقطب كافة المواهب الفنية في مجال الموسيقى والباليه ولكافة شرائح المجتمع العراقي، ولم تكن محددة بطبقة أجتماعية معينة، وأصبح لتلك المدرسة صيتاً كبيراً في المجتمع العراقي المتحضر والمتذوق للفن، وهي نتيجة طبيعية لتلك الجهود الجبارة التي كان يبذلها الأساتذة الكبار من العراقيين والأجانب. وكان توفر الإمكانات والمستلزمات المهمة لتلك المرسة على درجة عالية من الجاهزية، فتوفير الوسائل والسبل المطلوبة لتطوير المناهج العلمية والفنية والغير متوفرة في المدارس الأخرى، أضافة الى توفير وسائل نقل وتغذية وأهتمام قلما تجده في المدارس العادية الأخرى، كان له الأثر الفاعل والكبير في تطوير نظام تلك المدرسة والمواهب التي تحتضنها بشكل سريع ملفت للنظر. في تلك الفترة، أي بداية السبعينيات، كان إقبال الجمهور كبيراً على حفلات الفرقة السمفونية العراقية للإستماع الى فن موسيقي راقي من الموسيقى العالمية، وهذا دليل رغبة وميول وذوق رفيع يتمع به دائماً الجمهور العراقي.
وللحقيقة أقول أن أغلب المتفوقين في المجال الموسيقى ضمن طلبة مدرسة الموسيقى والباليه لم يكونوا من أولاد المسؤولين، بل كان غالبيتهم من أصحاب المواهب الفنية الحقيقية ومن هؤلاء الموهوبين والمبدعين في المجال الموسيقي والذين شكلوا عناصر مهمة في الفرقة السمفونية العراقية في ما بعد أذكر:
محمد عثمان - حاليا قائد الأوركسترا الأردنية - وعلي خليل شوقي، وآرام زارسيان، وليث عبد الغني وعطيل غانم حداد، وقصي حسين قدوري، وحسن المفتي وهؤلاء هم الرعيل الاول لطلبة مدرسة الموسيقى والباليه. ولكن، وللحقيقة حقها علينا في هذا الحوار، تجدر بي الإشارة إلى أن تلك النظرة التي تقول بان أغلب طلبة المدرسة من أولاد رجالات السلطة فيها شئ من الصحة، فهذه النظرة سادت كثيرا في فترة محددة وهي بداية الثمانينات حيث تم قبول قسماً من أولاد المسؤولين (من قرية العوجة والبعيدين عن أي توجه أو مخزون ذي صلة بالثقافة والتقدم الحضاري، والذين لم تكن لديهم الموهبة الفنية والموسيقية المطلوبة لقبولهم في هذه المدرسة النموذجية)، بل كانت لديهم القوة والسلطة للدخول في أي مجال والفترة تلك كانت بداية تدهور الحياة الثقافية والفنية على جميع الأصعدة. كانت مدرسة الموسيقى والبالية تضم خيرة الأساتذة من الموسيقيين والباحثين، الذين سرعان ما أُصيبوا بالحيرة وضعف الحيلة أمام تدفق الطلبة الجدد من أبناء الأميين الكتبة الذين أبتلينا بهم على مدى خمسة وثلاثين عاماً. ومن هؤلاء الأساتذة أذكر:
الأستاذ عدنان محمد صالح وأستاذي حسن النقيب وسالم عبد الكريم وصفوت محمد علي ومحمد صالح وعبد الكريم بنيان وجمال عبد العزيز ومن ثم بعد منتصف الثمانينات علي كامل ووسام أيوب وسعاد علي وأيمان عدنان وذكرى عدنان وجنان عبد الرحمن وماجد عبد الرزاق.

* كيف كان تأثير ظرف الحرب العراقية الإيرانية ومن بعدها حرب تحرير الكويت – خراب العراق - على المستوى الفني في ساحة الموسيقى العراقية؟
- مما لا يخفى على الجميع أن الحياة الأجتماعية العراقية قد تأثرت وتدهورت على كافة الأصعدة والمستويات، وعلى وجه الخصوص النتاج الثقافي والفني الذي جرى تسييسه لصالح الحرب والنظام الدكتاتوري، وبدأت ملامح الإنهيار بعد أول سنتين من الحرب على إيران حيث جند النظام خيرة الشباب والمثقفين الأكاديميين كي يكونوا حطباً لحرب الطاغية، وبالتالي فأن جميع الملاكات الأكاديمية والتي من المفترض أن تقوم بدور البناء والنهوض الحضاري والتقدم لبناء البلد أصبحوا جنوداً في سوح القتال وبذلك فقدت المعاهد والكليات والمعامل والدوائر خيرة العقول والأمكانيات التي كان العراق بحاجتها من أجل استمرار عجلة التطور والتقدم. وشأن الموسيقى العراقية لا يختلف عن غيرها، فلقد سيق غالبية خريجي المعاهد والأكاديمية الموسيقية ومدرسة الموسيقى والباليه بعد تخرجهم إلى الخدمة العسكرية وبالتالي إلى جبهات القتال وبذلك فقدنا وفقدت المؤسسات الأكاديمية العراقية الكثير من مقومات الأبداع والتطور، وبهذا ومن الطبيعي نجد أن المستوى التعليمي والفني قد تدهور لدى أغلب أساتذة المعاهد والجامعات.

* كنت عضو فرقة الكندي ألتي ضمت نخبة من ألمع الموسيقيين العراقيين والعرب بقيادة العازف الفرنسي جوليان فايس، أتمنى عليك أن تحدثنا عن تلك الفرقة، مكانها .. مكانتها .. عام تأسيسها .. وأهم ما قدمته.
- ممكن أعتبار فرقة الكندي فرقة تراثية عربية مصغرة، كونها ضمت موسيقيين من سوريا والعراق ومصر وتونس ويعود الفضل في تأسيسها الى المستشرق الفرنسي جوليان جلال الدين فايس. تأسست هذه الفرقة عام 1989 في مدينة حلب السورية، وكانت الغاية منها، نشر التراث العربي المتمثل بالتراث الحلبي السوري والمقام العراقي والمزموم والمالوف لشمال أفريقيا، والفرقة تعتمد في بنائها الموسيقي على الآلات التراثية العربية مثل القانون والعود والناي والجوزة، أضافة للإيقاعات العربية والرق والمزهر الكبير. وكانت الفرقة تظم خيرة المؤدين في مجال غناء التراث مثل شيخ الموشحات والقدود الحلبية صبري المدلل والفنان عمر السرميني وشيخ الغناء الصوفي حمزة شكور والمطرب السوري الراحل أديب الدايخ ومطرب المقامات العراقية الفنان القدير حسين الأعظمي والفنان التونسي لطفي بوشناق. لعبت فرقة الكندي دورا كبيرا في نشر التراث العربي الى العالم من خلال تقديم عروضها على أكبر المسارح في العالم، وكانت تقف وراء هذه الفرقة مؤسسة زمزم الفرنسية وهي مؤسسة كبيرة مقرها باريس تقوم بتنظيم حفلات الفرقة وبعض الفرق الأخرى، وأذكر أني تعرفت على الفنان جوليان فايس من خلال الأستاذ منير بشير عام 1988 في بغداد وأستمرت علاقتي به خلال زياراته المتكررة الى العراق، وبعد أن استقريت في هولندا باشرت في العمل مع الفرقة وكان أول عمل موسيقي أقدمه من خلالها عام 1993 عندما سجلنا أول أسطوانة ليزر للفنان حسين الأعظمي.

* في عملك المهني كأستاذ لمادة النظريات الموسيقية وفي أكثر من معهد ومؤسسة، مَنْ هم أبرز طلابك، ومن هم الذين أصبحوا أسماء في عالم الفن؟
- مارست مهنة التدريس قرابة الستة عشر عاماً في أبرز المؤسسات الموسيقية العراقية، وخلال تلك الفترة حاضرت لكثير من الطلبة الذين أصبحو نجوما وفنانين بارزين، ومن أبرز هؤلاء، ولأبدأ من معهد الدراسات النغمية سابقا والموسيقية حاليا : الفنان كاظم الساهر و الفنانة فريدة محمد علي (زوجتي) ونصير شمة ومحمود أنور وأحمد نعمة ورياض كريم وأحسان الأمام و كريم محمد وأنيتا وأكرم الرحال ووسام أيوب وستار جدوع ورائد خوشابا وجميل الأسدي وأنور أبو دراغ وعلي حسن وباسم محمود ومسعود أبلحد وكثيرين غيرهم، وفي مدرسة الموسيقى والباليه: كان من ضمن الطلبة عمر منير بشير وفرات حسين قدوري ووسيم فارس وداليا سيف وأحمد يوسف، أما في أكاديمة الفنون الجميلة، فكل من أسماعيل الفروجي وحسن علي غالي أضافة الى الفنان مهند محسن الذي درس لمدة سنتين على تقنيات آلة الجوزة وعذراً لمن فاتني ذكر أسمه.

* هل كان كاظم الساهر أونصير شمة من أفضل تلاميذك؟
أن معهد الدراسات النغمية هو صرح موسيقي أكاديمي شامخ في العراق، وهو من أكثر المؤسسات الفنية التي أنتجت الطاقات والأبداعات الغناسيقية - مصطلح للدكتور طارق حسون فريد يعني الغنائي والموسيقي - لأكثر من ثلاثة عقود، وهنالك طاقات فنية لم يحالفها الحظ بالظهور على الساحة الفنية حيث لم تُخْدَم من قبل الأعلام، وأنت تعرف أن فترة الأنحطاط الثقافي والفني التي حكم فيها الدكتاتور ومحاولة تسييس كل شي من أجل خدمته وأفكاره المتخلفة، أوصل العراق الى حالة من التردي والتخلف يرثى لها. وبالنسبة إلى الفنانين كاظم الساهر ونصير شمة، فالفنان كاظم الساهر وكما أعرف عنه إجتهاده وكافحه الطويل، حيث حاربه الكثير في بداية مسيرته الفنية وعانى كثيراً في هذا المجال الى أن أبتسم له الحظ، وهو فنان مجتهد ويمتلك طاقة أبداعية وأمكانية صوتية واسعة وثقافة موسيقية أخذته الى ما وصل اليه من نجومية في العالم. ولكني وفي نفس الوقت أطلب من العزيز "أبو وسام" كونه إسماً لامعاً يمتلك قاعدة جماهيرية وعربية كبيرة أن يكون في ظل هذه الظروف التي يمر به عراقنا العزيز وهو يتعرض الى أجحاف متعمد من الإعلام العربي الذي ساند الطاغية المقبور، أتمنى أن يكون صوتاً لكل العراقيين المظلومين بفضح جرائم النظام الذي التي راح ضحيتها الملايين من العراقيين، وأنا أعرف جيداً أن في جعبة الساهر الكثير من الحقائق والأدلة التي تدين النظام المقبور بشكل لا يقبل الشك.

* هذا يعني أنك تريد أن تقول بأن الفنان كاظم الساهر يلتزم الصمت في غير أوانه، فالفنان الضمير هو صوت الشارع ومرآة معاناته؟
- تماماً.. فالنجومية لها واجباتها التي لا تقبل المساومة. الفنان يصبح نجماً بفعل الجمهور، وكلما إتسعت القاعدة الجماهرية للفنان علا نجمه، وأعتقد أن نجومية كاظم الساهر تجعله في موقع المسؤولية إتجاه معانات الشعب العراقي الذي كابد الكثير.
أما الفنان نصير شمة، فلا أنكرعليه أنه أمكانية موسيقية جيدة في مجال العزف على آلة العود، ولكنه ليس الأفضل، فهنالك عازفون متميزون على آلة العود أمثال خالد محمد علي وسالم عبد الكريم وعمر منير بشير وجعفر صادق ورائد خوشابا وغيرهم كثيرين، لأن المدرسة العراقية لآلة العود هي الأبرز في العالم العربي لكن نصيرشمة خدمه الأعلام كثيراً، وهو يعرف كيف يتعامل مع الأعلام من خلال علاقاته التي ساعدته كثيراً في الأنتشار وهذا الكلام ليس تقليل من شأنه.

* هل حازت الفترة الممتدة من ثلاثينيات القرن المنصرم حتى الخمسينيات منه في تاريخ الموسيقى العراقية على مساحة في المناهج التعليمية الأكاديمية، أقصد بذلك أعمال العمالقة مثل صالح الكويتي وشقيقه داود الكويتي وغيرهم؟
- تلك الأسماء الكبيرة لعمالقة الموسيقى العراقية التي ظهرت في فترة شهدت تحول كبير في تاريخ الموسيقى والغناء العراقيين، كانت محضورة علينا، فذكرها كان يعني العقاب، كان ذلك بقرار سياسي واضح المعالم. كانت كل أعمال داود وصالح الكويتيين وسليم زبلي ويوسف زعرور وغيرهم، تُدَرّس في المعاهد والأكاديميات الموسيقية تحت إسم التراث الموسيقي العراقي، وأستطيع هنا أن أجزم بأن الكثير من خرجي تلك المؤسسات لا يعروف أصحاب تلك الأعمال. والمصيبة تكمن في أن بعض هؤلاء الخريجين أصبحوا أساتذة لمادة الموسيقى. وللحقيقة أقول بأنها جريمة لا تغتفر بحق تاريخ الموسيقى العراقية.

* متى يموت الفنان المبدع؟
حين يكون بعيداً عن الواقع المعاش، وحين يبتعد عن هموم الناس وآرائهم، وحين يصنع لنفسه قصراً عاجياً يضعه فوق متطلبات الشارع الذي خرج منه. فالأبداع هو العمل والإنجاز الذي يأخذ صورة تشكل إضافة جديدة في مجال العمل الفني، صورة تنم على الخلق والأبتكار إضافة الى دمج وترجمة الأفكار والمعارف بشكل جديد، وهذا لا ياتي عبثاً، انما هي نتيجة الخبرة والتعايش والأطلاع والأحتكاك والتعرف على كل ما هو جديد يطرحه الواقع. وبرايي الشخصي أيضا أن الأستسلام لليأس أو الأنقطاع عن ما يدور حولنا من تجديد وأبتكار، أو الغرق في حالة التكرار، هو الذي يقتل الإبداع عند الفنان، والفنان المبدع يموت حين ينقطع عن جذوره.

* هل توافقني الرأي بأن آلة الجوزة هي آلة مظلومة إعلامياً ً؟
- آلة الجوزة من الآلات التراثية العريقة ويعود تأريخها الى 2350 ق .م، أي الى العصر الأكدي، وهي تعتبر الآلة الأم لبقية الآلات الوترية الأخرى التي تفرعت منها لاحقا، وكما تفضلت فأنها مظلومة كثيراً على المستوى الأعلامي، فهي معروفة في العراق بمرافقتها لغناء المقام العراقي وأصبح هذا التصور وللأسف راسخا في ذهنية المتلقي، أي أن هذه الألة لا تصلح الا لمصاحبة المقام، إضافة الى ان الفترة الماضية أي في بدايات القرن الماضي لم يكن هناك عازفي كثر لهذه الآلة، كان عددهم لايتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وكان من أبرزهم العازف ياحوم بن يونا، ولكن وبعد تهجير اليهود العراقيين وإسقاط الجنسية العراقية عنهم بتوجيه وأهتمام رئيس وزراء العراق الأسبق نوري السعيد ووزيره صالح جبر، إستطاعت الجهود الفنية الجبارة التي بذلها الأستاذ الحاج هاشم الرجب والأستاذ شعوبي ابراهيم في الحافظ على تخت الجالغي البغدادي حيث شكلا أول فرقة للجالغي البغدادي في عام 1952 ولم يكن هناك من عازفين لهاتين الآلتين سواهما، وجاء من بعدهم حسن النقيب على الجوزة وعبدالله علي وحمودي الوردي على السنطور، ولغاية عام 1971 لم يكن هنالك سوى هؤلاء، حتى تأسس معهد الدراسات النغمية العراقي، وكانت من أهم أهدافه الحفاظ على هاتين الآلتين أضافة الى الآلات العراقية الأخرى وتعليم المقام العراقي. وهنا يأتي دور الجيل الجديد ومنهم الأستاذ داخل أحمد وكاظم جاسم في الدورة الأولى على آلة الجوزة ثم سعد عبد اللطيف ومحمد زكي الدورة الثانية على السنطور حيث درس هؤلاء الموسيقى بشكل أكاديمي الى أن حضر الى بغداد الخبراء من طاجاكستان كل من "محمودوف" على آلة الجوزة و "المازوف" آلة السنطور، وكان لهما الدور الباز في تطوير ملكات هاتين الآلتين من حيث التكنيك والقدرة على عزف أصعب المقطوعات الموسيقية العالمية والعربية والعراقية وهنا جاء دورنا – نحن الطلبة - في المزج بين الطريقتين العراقية من حيث الروح والغربية من حيث التكيك العالي. وحين صبحت أحد الكادر التدريسي في المعهد، وضعت لنفسي أسلوب خاص لتدريس آلة الجوزة، أمتزج بين الروح العراقية والتكنيك الغربي المتقدم. حيث عملت على تأليف ميثود خاص للتمارين المهمة لهذه الألة التراثية العريقة سار على أثرها أغلب طلبتي مثل ستار جدوع و أنور أبو دراغ ومسعود أبلحد وباسم محمود ووسيم فارس ومحمد أمين ومصطفى عباس وداليا سيف وسونيا فارس وكثيرين غيرهم.

* لو طلب منك تأسيس فرقة موسيقية عراقية شاملة، فمن من العازفين ترشح للإنظمام لتلك الفرقة؟
- هذا سؤال محرج، والسبب يعود إلى الكثير من الطاقات العراقية المبدعة التي تستحق أن تكون ضمن هذه التشكيلة. ولكن لا بأس بمقترحك، على شرط أن نتفق بأن لا يمكن أن نؤسس فرقة يتجاوز عدد أعضاءها الستين عازف، هذا إذا أردناها فرقة عراقية على غرار الفرق السمفونية العالمية. الفرقة التي سأقترحها ستكون خليطا من الجيل الذين عاصرتهم وعملت معهم ومن الذين قمت بتدريسهم، والأسماء التي سأقترحها هي أسماء الفنانيين الذين لم ينقطعوا عن ممارسة العمل الموسيقي. إذاً فأعضاء الفرقة العراقية النموذجية حسب أعتقادي هم:
آلة القانون : حسن الشكرجي، باهر الرجب، حسن فالح، عبد الكريم بنيان، نجاح عبد الغفور، علي كامل، جميل الأسدي، فرات حسين قدوري.
آلة العود : علي الأمام، سالم عبد الكريم، خالد محمد علي، نصير شمة، عمر منير بشير، رائد خوشابا، علي حسن، صادق جعفر، سعد محمود، أمال ابراهيم، غادة المقدسي، محمد علي الأمام . 
آلة الناي : علاء مجيد، عدنان شنان، سعيد فريح، محمد مرزوك، وليد حسن، ذكرى عدنان، عبد السميع عبد الحق.
آلة الجوزة: داخل أحمد، محمد كمر، أنور أبو دراغ، مسعود أبلحد، باسم محمود، محمد أمين، نوبار عدنان، مصطفى عباس، حسام عيسى، محمد عبد نعمة، داليا سيف.
آلة السنطور : محمد زكي، وسام أيوب، جنان عبد الرحمن، هلة بسام، أزهر كبة، مصطفى عبد القادر، قاسم محمد، هندرين حكمت .
الأيقاعات : سامي عبد الأحد، محمد خميس، محمد لفتة، حازم جاسم، عبد اللطيف سعد، بهاء جوزي، علي مبدر. وهنالك الكثيرين من المبدعين في المجال الموسيقي لم تحضرني أسمائهم اللحظة.

* أعرف جيداً أن الحوار قد استغرق وقتاً طويلاً، ولكن دعني أسألك سؤال أخير،هل قدمت بعض من ألحانك إلى مطربين آخرين غير الفنانة فريدة محمد علي؟
- نعم، فقد لحنت للفنان الراحل عارف محسن أغنية " غلطتي " من كلمات الشاعر داوود الغنام وأغنية " حيو منتخبنا " وهي أغنية رياضية، وللفنان حسين الأعظمي من كلمات حامد العبيدي أغنية " بالصبر والأنتظار " واغنية " صفي نيتك " كلمات الشاعر نزار جواد، وللفنان أحمد نعمة أغنية " خط رجعة " للشاعر طاهر سلمان، كما لحنت قصيدة للفنانة أمل خضير من كلمات الشاعر أسعد الغريري بعنوان " العرس " لكنها لم تسجل حيث قررت الهجرة، وبالمناسبة بداياتي كانت في التأليف الموسيقي أضافة الى عملي في كتابة النوطة و صياغة التوزيع الموسيقي لمجموعة من الأغاني للفنانين الشباب الذين برزوا بداية التسعينات منهم الفنان ماجد المهندس وقاسم جواد وآخرين، إضافة الى الإعداد الموسيقي والتوزيع للألبوم الغنائي للفنانة المبدعة أنوار عبد الوهاب. وعلى صعيد الأعمال التلفزيونية والمسرحية قمت بتأليف موسيقى وألحان مسرحية " أسواق وأشواق " للفرقة القومية للتمثيل، التي كانت من تأليف قاسم محمد وإخراج محسن العزاوي، حازت هذه المسرحية عام 1994 في يوم المسرح العالمي على جائزة أفضل عمل موسيقي. وكذلك قمت بتأليف موسيقى مسرحية " مغني الحي " من تأليف عدنان شلال، وإخراج فخري العقيدي. واشترك مع الملحن طالب القرغولي في تلحين أغني المسلسل التلفزيوني " بشائر "، وهناك أعمال أخرى.

* أستاذ محمد كَمر أشكرك جداً على صبرك وصراحتك وحرصك على إعطاء المعلومة الدقيقة والمفصلة للقارئ، شكراً جزيلاً.
- الشكر لك، وإلى إيلاف التي أتاحت لي هذه الفرصة، وأريد أن يعرف القارئ بأن هذه المرة الأولى التي أجري فيها لقاءً مطولاً أدلي به معلومات أرشيفية بهذا الكم... أشكركم.

halsagaaf@hotmail.com

 

 

الحلقة الأولى

 

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By