في النهاية افضل ان أكون زبالاً في نيويورك على ان اكون زعيماً في لبنان... والسلام عليكم. كل هذا اليأس؟ لا لم يكن من حق وليد جنبلاط ان ينهي مقابلته مع مارسيل غانم في كلام الناس بهذه الخلاصة الفاجعة. ايضا لم يكن من حقه ان يبرم السكين في جروح كثيرين من المفجوعين في لبنان والمنطقة، بهذه الطريقة التي تجمع كل ما يمكن جمعه من المازوشية المفعمة بالسادية، انطلاقا من احساس دافق ومفاجئ بان لا مفر في النهاية من الوقوع في العجز المرعب عن التغيير، والاصطدام المروع بـ"اللاجدوى".
ثمة ما يذكّر هنا برواية فرانز كافكا: التحول التي تقوم على فكرة بسيطة لكنها مدهشة وصافعة لشدة ما هي حقيقية: عندما تستسلم الطريدة لبراثن الجلاد فانها تكون في قمة استمتاعها لانها تكون في حال تكفير عن عقدة الضعف فيها.
طبعا ليس المقصود سحب هذه النظرية التي تشكل مزيجا من الفلسفة وعلم النفس، على الاستخلاص اليائس والموجوع الذي عكسته كلمات وليد جنبلاط، اولا لانه عندما كاد ان يصرخ: حاكموني ، ردا على اوركسترا التخوين، لم يكن بالتأكيد واقفا وسط دائرة عقدة الضعف. وثانيا لانه في صراخه الداعي الى بت مسألة هذه المعزوفة الممجوجة التي تكررت دائما، كان كمن يشحذ سيف القوة المستمدة من الحقيقة في وجه ابواق الاتهام.
لكن المسألة في بُعدها السيكولوجي والفكري تتجاوز الحال الجنبلاطية ، اذا صح التعبير، الى السياسة المأسوية في كل هذه المنطقة العربية التي لم يقصر في نشر غسيلها الناصع في سياق حواره المتلفز.
ان المجازية في التعبير عن الفوارق الهائلة والمذلّة بين سلم القيم وثقافة العمل وفلسفة الحياة في هذا الشرق، والسلم المقابلة لها في الغرب، هي التي تكوّن محور هذا الاستخلاص الفاجع والاتهامي والعنيف واليائس لا الى حد الاستسلام، ولكن الى حدود الحض على الثورة.
ليس المقصود بالزبالة تحديدا وظيفيا، تماما كما ليس المقصود بالزعامة تحديدا لدور وفعل. كذلك ليس المقصود بـ نيويورك تحديدا في المكان والجغرافيا، تماما كما ليس من المقصود بـ لبنان تحديدا لامكنة الجدب والقحط وما وصلنا اليه من التصحر والبدائية والاستئثار المتوحش بمفاهيم العمل والسياسة والنقاء او الاتساخ... المقصود بكل هذه تسليط الضوء او التذكير، بفداحة الاعتلال العام والشامل في هذه المنطقة، وقد بات لبنان احد عناوين هذا الاعتلال السرطاني المقيت.
واذا كان من الجائز ان نجد في تبيان الفوارق الفاضحة بين ما نحن فيه وما صار العالم عليه، محاولة لتشخيص العلة وتحديد الاصابة، فان ذلك ينطوي استطرادا على رغبة صادقة في العلاج، ولكن ليس هناك من يسمع ولا من يحس ألماً، وقد كنتَ اسمعتَ لو ناديت حياً كما يقال.ان الخلاصة التي قدمها جنبلاط وتتألف من دزينة من الكلمات، تشكل حكما كاملا، او قرارا ظنيا او بيانا اتهاميا بنصف قرن من العمل السياسي و النضال القومي وشعارات الوطنية والحرية و خدمة الشعب ، واستجابة متطلبات القضايا والتحديات، والى ما هنالك في منظومة التثقيف او التلقين السياسي المبرمج الذي انشئت عليه الاجيال من المحيط الى الخليج.
انه حكم قاس لكنه حكم عادل، وهو لا يأتي ردا على المفاجآت والوقائع والتداعيات والنهايات التي حصلت انطلاقا من تعديل الدستور في لبنان فحسب، بل يأتي في جوهره وعمقه ردا على الوضع الكارثي الذي انتهت اليه الامة بعد نصف قرن من الهزائم والمآسي والاوهام والشعارات والطوباويات والفجائع.
انه حكم على شكل مرثية قومية، تقال على لسان مقاتل شرس وعنيد ابن مقاتل قائد وشهيد، وسليل بيت لم تكن له مزايا البيوت بمقدار ما كانت له مزايا المتاريس المتقدمة في الميدان، ليس من اجل الامة فحسب، بل من اجل الانسان في المطلق ومن اجل الحرية والكرامة.
طبعا، لا ندري ماذا سيقول تيمور ورفاقه. ولا نعلم بماذا نرد على اسئلة ابنائنا المصعوقين بكل هذه المأسوية في الاستنتاج، والذين يرمقوننا شذرا الآن، ونحن لا نكف عن المضي حدّائين نحثّهم وندعوهم الى رفع عربة الامة العالقة في وحول الانظمة بينما عصيّ القيادات في عجلاتها، والدم هدار من فلسطين الى العراق.
لا، لن نذهب الى نيويورك ولو لنكون زعماء. لن يذهب جنبلاط ورفاقه وابناؤه ورفاقهم.
سنبقى في لبنان وسوريا والعراق والاردن وفلسطين والخليج، وسنحاول على الاقل ان نجعل من الزعامة في هذه المنطقة شيئا لا يسمح بوجود ما يسمى الزبالة.












التعليقات