نصر المجالي من لندن: كشف النقاب عن أن ابني خال الرئيس السوري بشار الأسد كانا وراء تنظيم مظاهرات التأييد الحاشدة التي سارت في شوارع العاصمة دمشق وعدد من المدن السورية أمس، وقالت المصادر إن هذين الشخصين اللذين لم تذكر اسميهما شنا حملة واسعة وسط الشباب السوري عبر رسائل من خلال أجهزة التلفونات المحمولة، حيث مارس أحدهما صلاحياته كونه يرأس شركة الاتصالات السورية (سيريا تيل)، التي تحتكر الاتصالات في سورية، وذكرت مصادر أخرى قالت إنه قد يكون هذان هما إيهاب ورامي مخلوف. وأضافت أن طلاب المدارس الثانوية كانوا هم عماد تلك المظاهرات التأييدية حيث تركوا مدارسهم وتوجهوا إلى الشوارع التي سارت بها المظاهرات بناء على توجيهات كانت تصلهم عبر تلك الرسائل "تيكس ماسيجيز" الرسائل السريعة.

وعلى هذا الصعيد، فإن الصحافة البريطانية واصلت كعادتها منذ أسبوعين تداعيات الأوضاع في كل من سورية ولبنان، حيث أشارت بعض التقارير إلى أن هناك صراعا خفيا على السلطة يجري حاليا بين رجال الحرس القديم يدعمهم وزراء معنيون في الشؤون الاقتصادية والمالية ولهم طموحات خاصة وغالبيتهم متورط بالفساد، إضافة إلى دعم من جهاز الاستخبارات مقابل ليبراليون وأكاديميون طالما طالبوا بإجراء إصلاحات شاملة.

وقالت التقارير من جهة أخرى، إن الحكم السوري يلعب راهنا في الوقت الضائع، حيث يحاول التقاط الأنفاس من بعد الحملة الدولية المفاجئة ضده إثر اغتيال رئيس وزراء لبنان الشيخ رفيق الحريري قبل ثلاثة أسابيع وتصاعدها من جانب الولايات المتحدة وفرنسا وانضمت إليهما بريطانيا، مشيرة إلى أن دمشق تحاول من خلال التنازلات التي قدمتها بإعلان انسحاب القوات من لبنان يأتي في إطار الحملة المضادة لاختراق العزلة الدولية.

وقالت إن القيادة السورية تحاول أيضا استعادة زمام المبادرة من جديد وخصوصا في اتصالاتها الحثيثة مع البلدان العربية وعلى رأسها البلدين الكبيرين مصر والمملكة العربية السعودية التي عبرت عن انزعاجها الكبير لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأشارت إلى أن دمشق عازمة على ترتيب علاقاتها مع الجارات العربيات قبل انعقاد القمة العربية المقبلة في الجزائر مهما كلف الثمن، حتى تستطيع أن تحشد خلفها تيارا عربيا داعما لمواجهة الضغوط الغربية التي صارت تتنامى أكثر مع مرور الزمن.

وذكرت التقارير الصحف البريطانية، أنه في محاولة من الحكم السوري إظهار نيات طيبة وتقديم بوادر حسن نية، فإنه سيبدأ تدريجيا بالاستغتاء عن بعض رجاله الأقوياء، وهي أشارت في هذا الاتجاه إلى إقصاء رئيس جهاز الاستخبارات في لبنان اللواء رستم الغزالي، وتعيين اللواء منير جلود خلفا له، إضافة إلى النية لتغييرات واسعة في قيادات الجيش والاستخبارات، مع تجميد صلاحيات بعض المتشددين في الجهاز المدني والحزبي، حيث لوحظ في الأوان الأخير تحييد الوزير المتشدد فاروق الشرع وزير الخارجية ومنح صلاحياته للانفتاحي نائبه وليد المعلم.

ولاحظت المصادر الغربية أيضا أن سورية بدأت تضع خططا لسحب الأرصدة السورية من بعض البنوك الأميركية وتحويلها إلى بنوك في بلدان أوروبية غربية، وذلك خشية صدور قرارات أميركية بتجميدها في أي لحظة في إطار خطة إحكام الحصار، ونقلت الصحف البريطانية على سبيل المثال حول شعور سورية بهذا الحصار تصريحات لوزير الإعلام السوري الدكتور مهدي دخل الله، قال فيها "نعم سورية تواجه ضغوطا من كل جانب، ومن جميع الجهات، وكل شيء يحصل في العالم يجري تحميل تبعاته على عاتق سورية، وممكن أن يحملوها مسؤولية إعصار تسونامي الآسيوي".

ونقلت صحف بريطانية عن مستشار حكومي آخر قوله "اعتقد أن الولايات المتحدة لا تريد تغيير النظام ولكنها تسعى إلى أن يغير من أساليبه، إنهم يريدون أن تغير سورية جلدها". وقال أكاديمي ليبرالي من جهة أخرى "هنا في سورية توجد مافيا كبيرة، وبشار يهادن هذه المافيا، فهو ليس كوالده الراحل الذي كان عرابا حقيقيا لتلك المافيا، فالرئيس بشار الشاب يحاول محاباة الجميع، فما دامت الصخرة لم تنطح قاربه فهو بخير، لكنها إن نطحته بقوة فسينتهي إلى الأبد".

وإذ ذاك، فإن القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية هو الآخر واصل كعادته نقل بعض مقتطفات مما جاءت به الصحف البريطانية عن واقع الحال في سورية ولبنان، ففي مقال بعنوان "ما يجتاح الشرق الأوسط ليس ديمقراطية" تتشكك صحيفة الغارديان في حقيقة تلك النغمة التي يرددها الغرب في الآونة الأخيرة حول بزوغ فجر الحرية في الشرق الأوسط بفضل الحرب على العراق كما يزعم الغرب. وتقول الصحيفة إن النغمة تعدد أوجه موجة الحرية تلك بدءا بالانتخابات الفلسطينية ثم العراقية ومرورا باتجاه مصر والمملكة العربية السعودية نحو الديمقراطية، ثم تصل الموجة الى لبنان التي تشهد منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري احتجاجات عارمة مطالبة بانسحاب سورية من لبنان.

غير أن الصحيفة تقول إن التكذيب الأول لتلك القصة الخيالية التي يروق للغرب ترديدها هي ما شهدته العاصمة اللبنانية بيروت يوم الثلاثاء عندما تظاهر أكثر من نصف مليون شخص تضامنا مع الوجود السوري في لبنان ورفض التدخل الأميركي والأوروبي. وتضيف الصحيفة أن مظاهرة حزب الله لم تدحض فقط مزاعم الوحدة الوطنية خلف مطالبة سورية بالانسحاب الفوري من لبنان، وإنما كشفت أيضا فساد ما يسمى بالحركة المؤيدة للديمقراطية في لبنان.

فالمظاهرات المناهضة لسورية في لبنان والتي يتزعمها المسيحيون والدروز لا تطالب، حسب المقال، بديمقراطية وإنما بانتخابات في ظل النظام الفاسد السائد منذ القدم والذي يمنح المسيحيين نصف المقاعد في البرلمان ويعني عدم إتاحة الفرصة أمام أي مسلم لتولي منصب الرئيس. ويرى المقال أن تهميش حزب الله الذي اكتسب شعبيته بعد طرد القوات الإسرائيلية من لبنان في 2000، هو أحد الأهداف الرئيسية وراء الحملة الأميركية لإخراج سورية من لبنان.

كما يضيف أن الضغوط على سورية وراءها دوافع عديدة من بينها: إضعاف واحدة من آخر الأنظمة العربية المستقلة، وفتح الباب أمام عودة النفوذ الغربي والإسرائيلي في لبنان. كما أن ما تتجاهله الحملة الأميركية بلا شك، كما يقول المقال، هو دعم الديمقراطية في كل من سورية أو لبنان على حد سواء، "فقد أصر بوش على أنه يتعين على سورية الانسحاب من لبنان قبل انتخابات مايو/ آيار حتى تصبح تلك الانتخابات "حرة وعادلة". ويتساءل كاتب المقال عن السبب وراء عدم تطبيق المنطق ذاته أثناء انتخابات العراق حيث يبلغ قوام القوات الأميركية في العراق 140 ألف جندي بينما لا يتجاوز عدد القوات السورية في لبنان 14 ألف جندي"..

كما يتساءل عن السبب وراء المطالب بالالتزام الفوري بقرار الأمم المتحدة بانسحاب القوات السورية من لبنان في حين أن القرارات المطالبة بانسحاب إسرائيل من فلسطين وسورية أمكن تجاهلها 38 عاما.


وتتناول صحيفة التايمز مظاهرات حزب الله من زاوية أخرى في مقال بعنوان "مظاهرات حزب الله تلطخ الصورة الوردية التي يراها البيت الأبيض". ويقول المقال إن حزب الله يقف في مفترق طرق حيث يضع أحد قدميه داخل البرلمان والأخرى على طريق الإرهاب. فالحزب لن يتمكن من المضي قدما في العملية السياسية دون التنازل عن بعض مبادئه الأساسية وهي التحالف مع سورية وإيران والعداء لإسرائيل والولايات المتحدة.

ويستطرد المقال أن استمرار دفاع الحزب عن سورية يعني وقوفه في وجه العديد من اللبنانيين والأمم المتحدة . وهو ما يعني بدوره أن يفقد وضعه في الخريطة السياسية والذي سعي كثيرا لتحقيقه. ويشير المقال إلى أنه مع انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، وهو ما أكسب الحزب شعبيته، لم يعد باستطاعة حزب الله الزعم بأنه المقاومة الوطنية التي تدافع عن البلاد ضد العدو الأجنبي "غير أن الحزب أثبت استمرار شعبيته في الاحتجاجات الأخيرة والتي مارس فيها قدرته على حشد الجماهير الغفيرة. غير أن دفاعه عن سورية يعني اختياره لجانب التشدد الذي لم يعد يحظى بتأييد قوي في لبنان ويضعه في مأزق الاختيار بين العملية السياسية ومبادئه المتشددة".

واخيرًا تشير صحيفة (ديلي تليغراف) إلى استعراض القوة الذي أظهرته دمشق تأييدا لبشار الأسد. حيث خرج عشرات الآلاف إلى الطرقات ملوحين بالأعلام إظهارا لولائهم لبشار. ويقول المقال إن الاستعراض أخفى في مناخ أشبه بحقبة صدام حسين الضعف الذي يشهده النظام السوري. ويضيف أن بشار خلف والده حافظ الأسد وسط آمال بإصلاح النظام البعثي في سورية غير أنه سرعان ما فقد العديد من الأصدقاء والحلفاء ذوي النفوذ"فقد أثار بشار غضب كل من الولايات المتحدة بسبب مزاعم إيوائه للمسلحين العراقيين، وفرنسا بعد تعديل الدستور، وحتى المملكة العربية السعودية لفشله في منع اغتيال رفيق الحريري". ويشير المقال إلى أن سورية بدأت من منطلق وضعها المتردي في القيام بتنازلات ما كانت ستقدم على التفكير فيها قبل عدة أسابيع.