بين تصوير رئيس إيران كبطل شعبي أو مناور يجيد دغدغة المشاعر
إنقسام حاد بين قراء إيلاف حول المستفيد من خطاب نجاد في جنيف
نبيل شرف الدين من القاهرة: بعد خطاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، خلا البيان الختامي لمؤتمر مناهضة العنصريَّة بجنيف من الإشارة إلى القضيَّة الفلسطينيَّة، فمن المستفيد؟ كان هذا هو نص السؤال الذي طرحه استفتاء "إيلاف" الأخير، وأتت النتائج لتكشف حالة متوقعة من الالتباس، حيال هذا النوع من القضايا المثيرة للجدل. الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ومنذ اليوم الأول لتوليه منصبه، جاء خلافًا لسلفه خاتمي الذي اتسمت تصريحاته بقدر كافٍ من اللين، ومساحة واسعة من الدبلوماسية، إذ بدا نجاد حريصًا على دغدغة عواطف الجماهير في العالم الإسلامي عمومًا، ولدى الشارع العربي على نحو خاص، لاستعادة شعبيته بعد أن كاد يفقدها في الآونة الأخيرة، خاصة بعد سلسلة التصريحات التي صدرت من كبار مساعديه استفزت مشاعر ملايين العرب، حين انزلق أحدهم ليكشف عن المطامع الإيرانية في مملكة البحرين على نحو سافر.
وجاء في هذا السياق أيضًا مقال نشره مستشار مرشد الثورة الإيرانية، ومدير صحيفة (كيهان) حسين شريعتمداري وكذا تصريحات رئيس دائرة التفتيش في مكتب المرشد علي أكبر ناطق نوري حول ملكية إيران على البحرين و التدخلات الإيرانية المستمرة في العراق والأراضي الفلسطينية. لكن في المقابل فإن هناك في الجانب الآخر من المشهد من يرى أن ما تضمنه خطاب أحمدي نجاد يمثل وجهة نظر رأي الغالبية العظمى من أعضاء منظمة الأمم المتحدة بشأن ممارسات إسرائيل والكل مطلع عليها بما فيهم الأمم المتحدة، حتى أن المنظمة الدولية ذاتها سبق لها أن أدانت عشرات الجرائم في تقاريرها وقراراتها المتعددة تحت عبارات "جرائم حرب" و"التطهير العرقي"، وما شابه ذلك، فلماذا إذن نلوم الرئيس الإيراني حين يسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة.
وهكذا يتضح بجلاء أن كلاً من وجهتي النظر الاثنتين لا تخلوان من وجاهة ومنطق متماسك، وهو ما انعكس بوضوح في نتائج الاستفتاء، إذ انقسم القراء بين الوجهتين، فرأت نسبة قوامها 46% يمثلون (2419) شخصًا أن إسرائيل هي المستفيد الأبرز من خطاب الرئيس الإيراني، بينما رأت نسبة متقاربة أن القضيَّة الفلسطينيَّة هي المستفيد، وهي نسبة بلغت 47% بما يساوي (2476) شخصًا، فيما ارتفعت نسبة من اختاروا (لا أعلم) ليصل عددهم إلى (392) شخصًا يمثلون 7% من مجموع الأصوات البالغ عددها حتى كتابة وقت التقرير 5287 شخصًا، ولعل ارتفاع نسبة من اختاروا التصويت بعدم المعرفة يؤكد حجم الانقسام وحالة الاستقطاب التي تحيط بالمسألة في الشارع العربي، الذي يعبر عنه إلى حد ما قراء إيلاف الذين شاركوا في الاستفتاء.
مؤيدون
وسعياً من (إيلاف) لقراءة مدى انعكاسات خطاب احمدي نجاد على القضية الفلسطينية، فإننا نرصد أبرز النقاط لدى الفريقين، فالأول المؤيد لنجاد رأى أنه كان أكثر شجاعة من كل نظرائه العرب وحكام الدول الإسلامية حين واجه الأوروبيين بحقيقتهم ودعمهم لإسرائيل رغم كل ما تمارسه بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، وأن مسؤولي الدول الغربية لم يحتملوا سماع كلمة الحق التي جاءت على لسان رئيس دولة مسلمة"، كما يقول مؤيدو نجاد.
ولم يتوقف نجاد عند تخوم الجغرافيا، بل استنجد بالتاريخ حين أشار إلى أنّ الحلفاءََََ في الحرب العالمية الثانية لجأوا إلى القوة العسكرية لانتزاع أراضٍ من أمّة تحت ذريعة معاناة اليهود من المحرقة، وهو ما رأى معه مؤيدو نجاد بأنه فضح ازدواجية الغرب حيال ممارسات إسرائيل بحق الفلسطينيين، وبرروا انسحاب الوزراء الأوروبيين وغادروا القاعة محتجين على الخطاب، كما قذف احد المشاركين نجاد بشيء ما، بينما نظم آخرون مظاهرات ضده في الخارج.
وذهب إلى أقصى درجة في تأييد نجاد الكاتب حسن هاني زاده خبير الشؤون الدولية بوكالة مهر الإيرانية للأنباء قائلاً: "إن الرئيس الإيراني ومن دون أي مجاملة انتصر على أعداء الأمة من خلال خطابه الذي فضح فيه الغرب والكيان الصهيوني، في وقت يخشى فيه قادة الأنظمة العربية المتخاذلة أن يوجهوا أي انتقاد ضد العنصرية الصهيونية، ومن هذا المنطلق ومن خلال الصمت المريب الذي ينتهجه قادة الأنظمة العربية، فقد كان الرئيس الإيراني هو الفارس الوحيد الذي شهر سيفه بكل شجاعة في وجه أعداء الأمة الإسلامية وانتصر عليهم بفضل خطابه الشجاع"، على حد تعبير الكاتب الإيراني.
يمضي قائلاً "كان بوسع الرئيس الإيراني أن يضع مصلحة بلده فوق مصالح الأمة العربية ويقول "ما دخلنا نحن الإيرانيين بقضايا العالم العربي وهمومه، ما دخلنا بالقضية الفلسطينية في الزمن الذي تخلى فيه الجميع عن قضية الشعب الفلسطيني وفتحت الأبواب على مصراعيها مع إسرائيل، وكان بوسع نجاد ان ينتهج خطابًا أكثر ملاءمة مع سياسات لغرب ويبني علاقات مميزة مع الاتحاد الأوروبي، لكنه آثر أن يتحمل مسؤوليته كحاكم لبلد إسلامي كبير ويسجل موقفًا أمام العالم أسره"، كما يقول مؤيدوه، ومعهم الذين يقفون في خندق ما يسمى بدول الممانعة العربية.
معارضون
أما المعارضون لسياسات طهران وتصريحات نجاد ومعاونيه فيرون أن السلطة الإيرانية تمارس التمييز ضد البهائيين وأهل السنة والنساء، وإذا كان ذلك المؤتمر الدولي في جنيف خصص للتمييز العنصري، فإن الحكومة الإيرانية متهمة بممارسة هذا التمييز، فحرمان الشعوب غير الفارسية في إيران كالأتراك والعرب والأكراد والبلوش والتركمان من حقوقهم الأساسية، كالتعليم بلغة آبائهم في المدارس، يعد تمييزًا واضحًا كان ينبغي أن يواجه به نجاد صراحة.
الوزير الأردني السابق صالح القلاب يقول "إن تدخل إيران في شؤون الفلسطينيين الداخلية أصبح سافرا وتجاوز كل الحدود التي من يمكن التغاضي عنها، ولا يمكن إنكار الدعم بالمال والسلاح وبالسياسة الذي قدمته إيران لحركة "حماس"، ولبعض الفصائل الفلسطينية الأخرى، لكن ما لا يمكن إنكاره أيضا أن الحرب الأخيرة كشفت النقاب عن أن هذا الدعم لم يكن من أجل القضية الفلسطينية، وإنما من اجل الدور الذي يسعى إليه الإيرانيون في المنطقة، ومن أجل استعادة نفوذهم في الإقليم"، كما يقول الكاتب الأردني في معرض تعليقه حينذاك على الحدث الذي شغل الناس وتصدر نشرات الأخبار في حينها.
أما إيلي فيزل الحائز على جائزة نوبل للسلام فقال "إنّ أحمدي نجاد ينتهك حقوق الإنسان، ويثير الكراهية وبالتالي فمكانه الحقيقي هو محكمة لاهاي بتهمة التحريض على الإبادة الجماعية، لأنّ خطابه جريمة ضدّ الإنسانية"، على حد تعبيره. ويتساءل معارضو نجاد مستنكرين: ألا تعد المذابح التي ارتكبت بحق اللغات والثقافات غير الفارسية والتي تشكل شعوبها نحو نصف سكان إيران، تمييزا ؟
وألا يعد التضييق على العنصر الآري ولثقافة الفارسية في إيران لمحو الثقافات الآذرية والعربية والكردية والبلوشية في مناطق سكانها تمييزًا عنصريًا؟ ويخلص هذا الفريق إلى نتيجة مفادها أن أحمدي نجاد عندما تحدث عن عنصرية الدولة الإسرائيلية ـ وهي حقيقة لا يمكن نفيها ـ أراد أن يقفز إلى الأمام كي يعفي نفسه من عناء مواجهة أسئلة كان من الممكن أن تطرح حول التمييز العنصري والطائفي في إيران؛ خاصة وان العالم كله بدأ يتعرف على ملامح هذا التمييز، وبدأ الملايين في شتى أنحاء العالم يغيرون نظرتهم القديمة حيال الأكذوبة الكبرى، والتي تقول إن إيران شعب واحد، وعنصر واحد، ولغة واحدة.