وكيف تأكدوا ان هو صدام حسين في ذلك الوقت؟
لم يتم الانتظار لحين ظهور الفحص. فجلبوا أشخاصاً من أقربائه ومن مقربيه. فجلبوا طارق عزيز من السجن وقد تعرف عليه واخبرهم أنه هو صدام حسين. بعد ذلك ذهبنا أنا والدكتور عادل عبد الهدي والدكتور عدنان الباجه جي والدكتور أحمد الجلبي حيث تمت دعوتنا من قبل الحاكم المدني وقتئذ بريمر. زلم نكن نعلم لماذا دعونا. فركبنا الطائرة للمطار ثم أخذنا سيارة خاصة لمنزل كان فيه بريمر فوجدنا الجنرال سانتشيس الذي كان مع بريمر. وسألني هل تريدون مشاهدة صدام من خلف زجاج وتتأكدون أنه هو؟ وكانوا يريدوننا أن نخرج ونعلن نحن وليس هم أن صدام حسين هو نفسه تم اعتقاله. لانهم لن يعلنوا الخبر حتى يتم التأكد من الفحص الطبي.
فقلت: بل نريد محادثته فدخلنا الغرفة. فوجدناه جالساً على حافة سرير حديدي من أسرة الجيش التي تطوى. وكان واضعاً رجلاً على رجل، ويدرتدي دشداشة بيضاء وقمصلة زرقاء هي نفسها الملابس التي تم اعتقاله بها. فقال الدكتور أحمد الجلبي ساقدم لك الاخوان؛ هذا الدكتور الباجه جي. فقال صدام: الاستاذ الباجه جي؟ شجابك ويه ذول العملاء؟ ثم قال الجلبي: وهذا دكتور عادل عبد المهدي. ولم يعلق لاننا سمعنا بتلك اللحطة ضوضواء قريبة لم يسمع اسم عبد المهدي. قم قال الدكتور الجلبي: وهذا دكتور موفق الربيعي فرفع رأسه ونزله. فقلت وهذا دكتور أحمد الجلبي. و قلت له: صدام حسين، فرفع رأسه نحوي. فقلت له: لعنة الله عليك.. شسويت بينا.. أكو واحد يسوي هكذا بشعبه؟ فقال: لعنة الله عليك وعلى والديك. فقلت له: ليش عدمت الصدر؟ هذا العالم الكبير. فسألني يا صدر؟ قلت محمد باقر الصدر ومحمد محمد صادق الصدر.. ليش قتلتوهم؟ فقال وهو يهز يده سخرية: صدر رجل..
ثم قلت له: أكو رئيس بالدينا يستخدم الكيماوي ضد شعبة؟ ويقتل 5000 واحد؟ فقال ذول الايرانيين ضربوهم كييماي. فقلت له نصف الشعب العراقي بالمقابر الجماعية.. هل سألت ذوي الشهداء؟ قال هؤلاء خانوا خدمة العلم.. وقلت لماذا ورطتنا بحرب ثمان سنوات مع إيران؟ وراح منا نصف مليون قتيل ومعوق..؟ ورحت أسرد مافعله. الى أن قلت: أكو واحد يغتصب بلد مثل الكويت ويبتلعه..؟
وقال له الدكتور عدنان الباجه جي: كان ممكن تنسحب من الكويت، وتنقذ بلدك. فقال له صدام: أنت تعرف وأنا أعرف أن الكويت حق تاريخي لنا، لايمكن أن نتنازل عنه. وشرح كيف أن الكويت تآمرت على العراق. وأنه أراد بناء عراق متقدم، وبلد عصري بمساعدة فرنسا، لكنها، تحت الضغوط الاسرائيلية، تراجعت. ودار نقاش ليقنع نفسه ويقنعنا أن غزو الكويت كان لصالح العراق والامة العربية وانها تامرت ضد العراق.
ثم سأله الدكتور عادل عبد المهدي ساله عن إعدامه لعبد الخالق السامرائي ومحمد عايش وعدنان الحمداني، وبقية رفاق صدام في حزب البعث. فانتفض بشكل غريب، وقال وانت شعليك بيهم؟ هؤلاء بعثية. ثم قال الجلبي لنغادر. وكان سانشيس وبريمر يستمعان للحوار من خلال مترجم. فقال بريمر: أوكي. فقال صدام، متعجباً: هذا هو؟ خلصت؟!
كانه كان يتوقع مثل مافعلوا مع عبد الكريم قاسم (الزعيم العراقي السابق) حيث حوكم بخمس دقائق وأعدم.. وكان يظن بأننا سنفعل به مثل ذلك. فخرجنا وكنت الأخير، ففكرت أن أنقض عليه. فقلت ماهو الفرق بيني وبينه لو فعلت ذلك؟
وهل التقيته بعد ذلك؟
حصلت لقاءات أثناء المحاكمة وبعدها. وخلال جميع لقاءاتي معه الى الإعدام، لم أشعر من قبله بأي ندم، أو تغيير أو مراجعة لمواقفه. وبقى على نفس الصلافة والقناعة وعدم الاعتذار أو الاسف.
وكيف كانت معاملته داخل السجن؟ وماقصة الشيكولاته التي كان يفضل اكلها داخل السجن؟
كانت معامله جيدة ولم تتم اهانته أبداً. أما الشيكولاته فهو كان يطلبها ويجلبها الأميركان له، ربما محاولة منهم كي يتعاون معهم. وكانت شهيتة مفتوحة للشيكولاته وبماركات معينة يطلبها وتجلب له بالإسم من الخارج.
وماذا حصل أثناء الإعدام؟ وكيف تسرب فيلم الإعدام الذي تحول لفضيحة؟
الحقيقة لما غادرنا مكتب دولة رئيس الوزراء نوري المالكي، تم تفتيشنا بمطار المنطقة الخضراء بعدم اصطحاب أي سلاح أو هاتف. فغادرنا بدون لاسلاح ولا هواتف. لكن وجدنا هناك موظفي الاصلاح المشرفين على الإعدامات في سجن الكاظمية الذي يسمى اليوم سجن النساء وكان في زمن صدام دائرة للاستخبارات.. وكان مع هؤلاء الموظفين هوتف نقاله.
لكن الهتاف الذي سمع خلال الفيلم الذي تسرب هو هتاف يردده أتباع تيار معين؟
أود ان أقول شيئاً هنا: أول دخول لصدام حسين لمكان الإعدام استلمته أنا كمستشار أمن قومي وكطبيب. لانه حين يعدم سيحتاج لشهادة وفاة وللتوقيع على سبب الوفاة.
وكيف كان حين استلمته؟
كان يرتدي معطفا أزرق، ويداها مقيدتان للامام ومعه قرآن. فأخذناه لغرفة. وطلبوا أن يستمع للائحة الاتهام وقرار الإعدام من قبل القاضي بحضور المدعي العام. وهو كان يردد مع صوت القاضي: عاشت فلسطين.. والموت لأميركا.. عاشت المقاومة.. عاش العراق.. ثم أخذناه لغرفة الإعدام. فتم قص طوق اليد وكان طوقا من البلاستيك. فقلت للحارس الذي يقص القيد: دير بالك. لأني سمعته يقولك آخ. فأعطاني القرآن. وقلت له: ماهذا؟ قال هذه أمانة اعطيها لأهلي. فقلت له اعطيه للمدعي العام. فأعطاه له وساله: لمن أعطيه فقال أما لأهلي أو للمحامي خليل الدليمي. ثم أخذ ينظر لي نظره حادة. فبادلته بمثلها. ثم قال دكتور لاتخاف. فقلت: أنا لست محكوما بالإعدام، لماذا أخاف؟ فقال هذه للرجال. يقصد المشنقة. فشدوا يديه للخلف وشدوا قدميه وصعدوا به الدرج. والقصة معروفة من خلال الفيلم الذي تسرب.
ومن الذي سربه برأيك؟
أظن أن أحد الحراس في السجن هو من سربه. لكن الشي المهم الذي أود قوله، وإقسم عليه أن صدام حسن لم يهان أبدا في حياته قبل الإعدام.
وبعد الإعدام؟
بعد الإعدام لم يعد صدام حسين. وبقي جثة ويجب أن تكون للجثة كرامة وقد أهينت الجثة.
من قبل مَن؟
لا أريد قول ذلك. لانه أمر معيب، ولا يشرف الإنسان ذكره. وذكر تفاصيله ومن قام به.
ومن نقله من مكان الإعدام؟
كنت في الأسفل حين نزلت جثته من المشنقة. وكنا نخشى أن تنقطع رقبته؛ لأن عظم الرقبة كسر وشق الجانب الأيمن من الرقبة. فوضعناه في كيس أبيض وجلبناه معنا للمنطقة الخضراء بالطائرة. وتم تسليمه لمحافظ صلاح الدين بعد ذلك.