ولد كانون الثاني من عام 1942 في بلدة سن الفيل الواقعة بين جبل لبنان ومدينة بيروت. احدثت المرحلة الجامعية تحوّلات أساسية في قناعاته الاجتماعية والسياسية والنقابية فأسهم في تأسيس "حركة الوعي اللبناني" في اواخر الستينات. عمل محررا ثقافيا في جرائد ومجلات "المستقبل" الاسبوعية، "السفير"، "النهار" وحاليا "المستقبل" اليومية. أسس مجلة "التحولات" (بيروت 1983)، ساهم في مهرجانات عديدة وترجمت أشعاره الى عدة لغات.
له في الشعر: "أيها الطاعن في الموت في الموت" (1974)، "بوصلة الدم" (1977)، "وجه يسقُط ولا يَصل" (1981)،"الهواء الشاغر" (1985)، "موت نرسيس" (1990)، "أوراق الغائب" (1992)، "كشهر طويل من العشق" (2001)، "عندما كانت الارض صلبة" (2002) و"منديل عطيل" (2002). في الترجمة: "كتاب الشعر الفرنسي الحديث" (1979 و 1985)، "مختارات من الشعر العالمي" (1989)، "في انتظار غودو" (1990) و" نهاية اللعبة" (1992). وفي المسرح: "المتمردة" (1975)، "ميتة تذكارية (1985)، "قناص يا قناص" (1985)، "الساعة خمسي" (1985)، "الزائر" (1995) ودراسة في "المسرح العربي الحديث" (1990).
الشعر وراءنا وأمامنا
ألوف السنوات من الشعر وراءنا. ولا ينتهي أمامنا. ولا يهرم. ولا يبدأ. ولم يكن يوماً "نوعاً" أو "جنساً" أو مجرّد تعبير أو لغة أو أسلوب، أو مجرّد مذهب، أو ايديولوجيا، أو وظيفة. دائماً يتحرّك في حريته اللامحدودة.
ذلك لأن الشعر لا يُحدّد. لا يسبق لا نفسه ولا الشاعر. دائماً في لحظة تجسّده. دائماً في لحظة الشاعر أو في زمنه. "أل" التعريف غريبة عنه. شقيّة به. خؤون. يتمرّد عليها، تعجز عن التقاطه. لأنه ليس "جوهراً" ثابتاً قبلياً. ليس نظرية مقننة معمّمة ينأسر بقوانينها، إنه مشروع متحوّل باستمرار. ورشة مستديمة، مادة ولغة وتجربة داخلية، لا تخضع لمفاهيم جماعية لتتقدّم كنشاط وممارسة فرديين.
فكلّ كتابة كتابة فردية. وكل قراءة قراءة فردية.
وعندما يعطي شاعر أو ناقد ما رأيه كأنه يقول "الشعر كذا وكذا..." فهو لا يتكلّم عن رأيه الخاص بالشعر، فليس للشعر من يمثله تمثيلاً مطلقاً.
والفردية هي التي تُخرج الشاعر من سواه. تُخرجه من قطيع التوتاليتاريات المذهبية، وهي التي تجعله يتميّز، ويتفرّد، ويحتل موقعاً لا يشبه أي موقع آخر.
وحدها الدموع العالية
3.
بعدما انحدر آفلاً مع الثلوج
راثياً أيام الضفاف والأجنحة
(لكم ارتفعت جبهته بين البروق
واللحظات)
(لكم انتصب بين الأوراق والدموع
العالية)
»تدجين الموت في الركض بين
الضفاف«
الثقب في الصخر كيف لا يفتح
السماء والكلمات
مدٌّ على وجه البحر
حفرٌ في النهر
أي عين تنسدل على إيقاع الجسد
بين الفصول
أي ثانية لا تشق الثمرة حتى الندامة
أي زمن لا يرفع بوق الظهيرة ويلمّ
الأطفال.
من "أيها الطاعن في الموت" (1974)
مقطع من "بوصلة الدم"
نحن القبائل الأزلية نهطل من السماء كاللعنة الغامضة
نحن القبائل الأزلية نرمي في الأشجار طلاسم الفصول
في الواحات السحر الأسود
نحن القبائل الأزلية أشعلنا المدن
أحرقنا الوجوه المفتوحة على المياه
ألقينا ليل الكنوز الطويل

***

نحن القبائل الأزلية الزاحفة من الرمال إلى الرمال
نطل بأحلامنا على البحار المسكونة بالثقوب
ننهب على صهواتنا حجارة الرياح
يرفعنا نداء الدم بين الملامح والأساطير
ها نحن تتلألأ في أيدينا بوصلة الدم مهما خانتنا الجهات أو غمر فجاجنا الغبارُ
ها نحن تُبذر في وجوهنا أبدية النار ما تنفع المرآة فوق الشفاه ما تنفع ساقية تعكس
السماء
تتكرر الهاوية تتخبّط فيها دورات الدم المسفوكة على كرِّ اللهيب تتكدّس فيها الوجوه الألفية الداجنة تحت هطول الجراد والذكرى ولكم رصدنا من الهضاب وبطون الأودية
سقوط النهر في الحاضر عندما تتكرر الهاوية أمام لحظات الغياب الخاسف ونحن في
صباحاتنا قامات واقفة في الحريق عندما يسري الهشيم إلى الرؤوس الموتورة عندما تنفذ الرياح إلى أصواتنا المتلجلجة في حضرة الآلهة المزروعة بين الأرض والسماء.
"بوصلة الدم" (1977)
خطواتك المسبوقة

بياض الطريق الآخر
كما
لا يعود الينبوع
أجدُّ
ثم لا شيء
خطواتك المسبوقة.

بياض الطريق الآخر
كما
في نهاية الصوت
الجبلُ
أجدُّ
ثم لا شيء
خطواتك الآتية...
"وجه يسقط ولا يصل" (1980)
النسيان
النسيان
على طرف الشفة

(من
يغمض عينيه
قبل
الكلام)

النسيان
أمام الجسد
(من
يذكر
صوته
قبل
الكلام)
النسيانُ
في اليدين
(من
يحمل
الوردة
الأولى).
وجه يسقط ولا يصل« (1980)
المصابيح
إلى
حيث قلنا: الماء
إلى
حيث
تُفتحُ المصابيح
فوق
الجروح
وتنكسر.
كشهر طويل من العشق
1.
هكذا تقبلين عليّ كشهر طويل من العشق، مضمّخةً بعرقك القاطر عليّ، وبأنفاسك حرّى من ضيق الأسرّة، ومن هبّاتك الورد الشبقة على جسمك، وفتيته المتناثر على عري صبور، صبور كمرآة، وفاسق كبياض من الياسمين، ومنتفض بأنينه كتبتّل قديسات في الدغل وفوق القصب والينابيع.
كشهر طويل من العشاق والمأسورين والخطأة أرفعك من شهواتك كشتلة من ترابها ومائها وورقها، وأهتزّك، بأجسامك السابقة، والمقبلة، والحيّة، والخفرة، والمقتولة والقاتلة، وأراك عبرها، كمن يحضن زغباً حاراً في يديه، أو كمن يفتح النافذة على سنوات طويلة من الأرق المشمس، واليقظة المحرورة. وترينني بحواس من دغل كثيف، ومن أقمار حمر عمياء ومن ارتطام أنّات أنات من قعر الحفر، ومن حرائق، ومن اجتمار الأصابع، والعنق، ونثار ما يَمَّلسُ على التمدد، والخروج بلا مقابل.
آه! وككدس بلا وزن، ولا شفقة، ولا ترهات، ولا إدماع، أنهدم عليك، شهراً طويلاً من العشق، أنهدم عليك كسنوات طويلة من الأسرار، كوكباً انتثر بلا تاريخه، على ما استسلم له، على ما حضر كغبش حيّ، ككسور مهيأة، كالتماعات معسولة، على فجوة، ولا كالفجوات، فجوة ليلية من برديها الورديّ الفاقع إذا تفتّحت وأملست، والوردي المائع إذا انطوت على خفر، أو على وهن، آه! وكعتمة على هاوية، أو هاوية ترتطم بها بكل بدنك، وبكل سهلك، وبكل مناقيرك، تقرعها، تقرعها، حتى الأنات المسلولة، حتى الأنّات المنفلشة عليك، وعلى بهاء ما لا ينطفئ باكراً.
كشهر طويل من الوله، والولع، والخبل، والشبق، والألوهة، والقداسة، والجحيم، والرماد، والقهر، والاستنفار، والحقد والحنان والقسوة، والذلّ، أضمك> إليّّ، بما استبقيته مني، وما استبقيَ منك، فلا أهمس كلاماً في أذنيك، ولا أنثر تمتمة على امتداد جسمك، ولكن، شيئاً مما يمسحه المنقار، ومما يحييه الجسدان، ومما يستثيره الشمّ، واللمسُ، ورصد الفراغ في عمق الرغبات المفوّفة، الفوارة، وغزّ ما لا ينهرق ساخناً بين الخلاء والشهقات. وعندها كأني لا أذكرك أو أذكرك ولا أعرفك، أمسّك كمن يعدّ النجوم من بصيص الشفاه في العتمة، ويترك النجوم كمن يتمدّد تحت المطر...
"كشهر طويل من العشق" (2002)
صورة الشاعر التقطتها سلوى النعيمي