GMT 8:00 2006 الجمعة 10 مارس GMT 8:06 2006 الجمعة 10 مارس  :آخر تحديث

تشريف الأردن في الحديث الشريف

محمد ملكاوي

وردت العديد من الأحاديث النبوية الشريفة المروية عن فضائل الشام، لكن القليل منها تحدث تحديدا عن الأردن و أهلها، علما بكثرة المهتمين بأحاديث الملاحم و الفتن وأخبار النهاية، و التي ضمت ذكر الأردن، فهل العلة في الأحاديث؟ حاشى و كلا فهي مروية عن الحبيب المصطفى، أم هل تكون العلة في ندرة الأحاديث باعثا على التقليل من أهميتها؟ قد يكون، لكن هناك أحاديث أخرى قليلة ذات أهمية و شهرة، إذا هل العلة في الرواة؟ كيف تكون العلة في الرواة و من وثق هذه الأحاديث جمع من الكتب الموثوق في صحة نسبت أحاديثها للنبي الكريم؟، فماذا عن إشكالية تأولنا للدلالة المكانية للاسم؟ قد يكون هذا سببا، و قد لا يكون! لنرى.


جنان الأردن
يذكر ابن كثير في تفسيره للآية الثامنة من سورة (يس) " وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداًّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداًّ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ" قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب قال، قال أبو جهل وهم جلوس‏:‏ إن محمداً يزعم أنكم إن تبعتموه كنتم ملوكاً فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وإنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم ناراً تعذبون بها، وخرج عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك وفي يده حفنة من تراب، وقد اخذ اللّه تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرا‏:‏ ‏{‏يس * والقران الحكيم - حتى انتهى إلى قوله تعالى - وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فاغشيناهم فهم لا يبصرون‏}‏...أخرجه ابن جرير‏.‏
 
من هذا النص نتعرف إلى أن اسم الأردن كان معروفا عند عرب الجاهلية، ليطابق أبو جهل صفاتها بما ورده من وصف الجنة في الإسلام، و هذه إشارة إلى طبيعة الأردن في ذاك الوقت، دللت عليها الرسومات الأموية في قصير عمرة.


عبد الله الأردني
عبد الله هذا من ثقات الصحابة عند ابن حبان، اسمه عبد الله بن حوالة الحوالي الازدي الأردني و كنيته أبو محمد، توفي في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين للهجرة، عن اثنتين وسبعين سنة، نسب إلى الأردن لكونه سكنها على إثر أحاديث نبوية سمعها، و روى له عن النبي اثنين منها تختصان بالأردن.
 
الحديث الأول: "عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول وربيعة ابن يزيد عن عبد الله بن حوالة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستجندون أجناداً مجندة جنداً بالشام وجنداً بالعراق وجنداً باليمن. قال عبد الله: فقلت: اختر لي يا رسول الله. قال: عليك بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره فأن الله عز وجل قد تكفل لي بالشام وأهله. قال سعيد: قال ربيعة: فكان عبد الله بن حوالة ممن ينزل الأردن.
 
الحديث الثاني:"عن عبدالله بن حوالة رضي الله عنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدي على رأسي - أو هامتي - فقال: ( يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك) رواه أحمد". 

 
من خلال الحديثين الشريفين يعي ابن حوالة" عبد الله الأردني" أن الأردن هي من الأرض المقدسة، و من أهم أركان الشام في الأحاديث التي تذكر فضائلها، و لهذا نجده قد سارع إلى سكنى الأردن و الانتساب لها بناءا على استشارة الحبيب المصطفى و تخيره له.
 
منازل أهل الأردن
في الترتيب و التعقيب لأحداث النهاية يظهر الدجال، ليطوف الأرض جميعا فيما يحرم عليه دخول مكة و المدينة و القدس الشريف، و عند حصاره للمدينة المنورة " طيبة" كما أسماها سيدنا محمد صلوات الله عليه، تخرج المدينة خبثها، و تأوي المؤمنين، و لأهل الأردن شرف في هذا المقام لا يدانيه شرف، فلقد ورد في كتاب خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي من أخبار المدينة في وقت النهاية حديث ( للمرجاني عن جابر رضي الله عنه مرفوعا " ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدا منها حتى لا يكون إيمانا إلا بها" ولابن زبالة "كيف بك يا عائشة إذا رجع الناس بالمدينة وكانت كالرمانة المحشوة قالت فمن أين يأكلون يا نبي الله قال يطعمهم الله فوقهم ومن تحت أرجلهم ومن جنات عدن" وفي رواية له "وليوشكن أن يبلغ بنيانهم هيفا وله عقب ذكر شجرة ذي الحليفة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يبلغ البناء الشجرة وله أريتك شرف السيالة وشرف الروحاء فإنه منازل أهل الأردن إذا حيز الناس إلى المدينة ولمسلم تبلغ المساكن أهاب أو يهاب بكسر المثناة التحتية) و الروحاء و السيالة مواضع على بعد 75 كم من المدينة. مرت به الأنبياء في حجيجها البيت العتيق و مر بها الرسول الكريم في غزوة بدر، فما سبب تشريف أهل الأردن؟.
 
الأردن و الدجال
في نص حديث نقله لنا ابن حجر الهيتمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد مرويا عن نهيك بن صريم السكوني أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه"، ولا أدري أين الأردن يومئذ، رواه الطبراني والبزار ورجال البزار ثقات، و يبدو أن هذا الحديث قد كان قبل الانتهاء من قتال المشركين حيث أورد حتمية قتال المسلمين إياهم، ثم أكد على حتمية أخرى، هي قتال اكبر فتنة حذر منها جميع الأنبياء، و المكان على نهر الأردن!، علما بأن هذا الحديث يروى بقتال اليهود غربي النهر دون تحديد لاسم النهر، فيما تورد أحاديث أخرى بأن من أتباع يهود خراسان أجد أن لا تنافر بين النصين أبدا، كما و يتبين لنا أيضا أن الصحابي نهيك لم تكن له سابق معرفة بالأردن حتى أتى عليها الحديث الشريف، و مع المقارنة العاجلة مع النص السابق يتبين أن الفارق بين معرفة أبا جهل بالأردن وعدمها عند نهيك، قد تعزى إلى العامل الطبقي بين الرجلين، و هو الحديث الوحيد المروي عن طريق نهيك يورده كنز العمال برقم 38827 فيما تختلف الرواية قليلا في الحديث رقم 38814.
 
والحديث الطويل؛ و الصحيح على شرط مسلم، و الذي أورده عدد من كتب الأحاديث مثل مستدرك الحاكم من كتاب الفتن و الملاحم حديث برقم8507 و كتاب كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال حديث برقم 38791 و كتاب الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي في تفسيره لسورة الكهف، نقتبس منه ما يلي: " حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن شاذان الجوهري، ثنا سعيد بن سليمان الوسطي، ثنا خلف بن خليفة الأشجعي، ثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حازم الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أنا أعلم بما مع الدجال منه نهران أحدهما نار تأجج في عين من رآه و الآخر ماء أبيض فإن أدركه منكم أحد فليغمض و ليشرب من الذي يراه ناراً فإنه ماء بارد، و إياكم و الآخر فإنه الفتنة، و اعلموا أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه من يكتب و من لا يكتب، و أن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة أنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيق و كل واحد يؤمن بالله و اليوم الآخر ببطن الأردن". و بطن الشيء كما نعلم منتصفه.
 
هذا النص يدعمه نص آخر يؤكد على تفضيل الأردن و مكانتها في الإسلام و ملحمة النهاية ففي كتاب المعرفة والتاريخ للفسوي، ذكر حديث عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فاتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى ظننت إنه مذهوب به فعمد به إلى الشام، وإني أولت أن الفتن إذا وقعت أن الإيمان بالشام. قال: وحدثنا الوليد قال: حدثني عفير بن معدان أنه سمع سليم ابن عامر يحدث عن أبي أُمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. فإذا قدر في الآخرة أن تكون ارض الأردن مجمعا للمؤمنين على محك أعظم فتنة وضعت للبشر، فليس اقل من أن تكون هي الشام المقصودة بحديث عمود الكتاب.
 
 
و يورد معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري توكيدا على ذلك ( في حديث كعب: إن الله عز وجل بارك في الشام من الفرات إلى العريش، وخص بالتقديس من فحص الأردن إلى رفح. قال أبو محمد: فحص الأردن: حيث بسط منها ولين وكشف، وذلك كأن الله فعل ذلك بهذا المكان، ومنه قيل: فحصت عن الأمر، أي كشفتُ عنه، و أفحوص القطاة: مجثمها، لأنها تفحص عنه). 
 
و حين نسترجع سبب تسمية الشام عند العرب بهذا الاسم، نجد العلة متمثلة في كون أرض قريش الحجاز، هي الحد الفاصل" الحاجز" بين اليمن، "اليمين" في رحلة الشتاء، و "الشمال"، الشام في رحلة الصيف، اللتان ذكرتا في سورة قريش. و الله اعلم.

محمد ملكاوي
باحث مستقل
sadoog2@yahoo.com

في أخبار