تعرفت على مأساة الأقباط في مصر عام 1999 مع حادثة قرية الكشح عندما هاجمت الغوغاء بدعم وتحريض من المتطرفين إسلاميين منازل المواطنين المسيحيين وقتلوا 22 منهم وأصابوا العشرات، فضلاً عن نهب الدور والمتاجر وإضرام النيران فيها. وأتذكر أني حينذاك كتبت مقالاً في صحيفة "القدس العربي" اللندنية بعنوان (السيف التكفيري) بحثت فيه عن الأسباب التي وقفت وراء هجوم المئات والالاف من المسلمين على مواطنيهم الأقباط (المختلفين معهم في العقيدة فقط) بهذا الشكل الرهابي المسعور وإعمالهم للقتل والتخريب في صفوفهم. وعلمت بعد ذلك بأن الأسباب سياسية وعقيدية ناتجة عن جماعة "أصل البلاء"، والتي نشرت الإرهاب في عموم العالم لتفسيرها الحربي لنصوص الدين الإسلامي. فجماعة "الإخوان المسلمين" وضعت الأقباط على برامجها وإجتهدت لفعل كل شيء يؤدي بهم إلى الهجرة وترك البلد و"الطفشان" لخارج حدود مصر. تهجير الأقباط والإستحواذ على أموالهم واجب مقدس في عرف "الإخوان المسلمين" وإستكمال لعملية "فتح" مصر وأسلمة كل أهلها بالسيف والسياسية.
ولايتوقف الأمر فقط عند "الإخوان المسلمين" الذين يسيطرون على الشارع المسلم في مصر، وبشكل خاص في الصعيد حيث يتركز الثقل القبطي، لكن الأمر يتعدى إلى السلطة التي تمارس السياسة عينها، وإن بثوب آخر، حيال الأقباط وتستخدمهم كوسيلة للتقرب من الشعب. فمن أجل ان تصوّر السلطة نفسها مؤمنة وقريبة من مزاج الشارع المخدر، فهي تعمل إلى إبقاء وضع الأقباط على ماهو عليه. فلا إصلاحات ولاقوانين جديدة ترفع القوانين القديمة المجحفة بحق الملايين من أبناء الشعب المصري. فالخط الهمايوني العثماني العجيب مايزال معمولاً به في مصر. وبحسب هذا القانون فإن الأقباط ومجاميعهم الدينية محرومين وممنوع عليهم ترميم الكنائس والأديرة إلا بموافقة من رئاسة الجمهورية وعن طريق الجهات الأمنية حصراً!. فالحكومة ولكي تدفع عن نفسها التهم التي تكيلها لها جماعة الاخوان تلجأ إلى تشديد الخناق على الأقباط والمضي قدماً في إضطهادهم وقمع مطاليبهم. هذا فضلاً عن ان الجهاز الأمني والإداري المصري مخترق من الإسلام السياسي، والقبطي المعتدى عليه يصبح جلاداً وظالماً أمام حضرة المأمور والموظف الكبير في الأمن. إذ لايمكن أن ينصر هذا المسلم نصرانياًَ على أخاه المسلم مهما يكن. هو اذا فعل ذلك يكون قد طعن في أصل من إصول الإسلام، بحسب أدبيات "الجماعة المؤمنة" إياها..
نظرة في الحوادث التي تعرض لها أقباط مصر والنفير العام الذي سٌجل ضدهم في كل مرة يوضح مدى معاناة هؤلاء الناس في ظل دولة أمنية مخترقة من جناحي الإستبداد: الإسلام السياسي والطبقة الفاسدة الحاكمة. فجماعة "الإخوان المسلمون" يستغلون الشعور الديني في تثوير العامة ضد جيرانهم وأولاد بلدهم لخلق النزاعات وتوطئة الأرضية للتدخل وربط هؤلاء بمنظمات الإسلام السياسي التي تعرّف الإنسان وفق دينه ومذهبه وليس وفق مفهوم المواطنة. بينما تلجأ الحكومة إلى التضييق المقونن على الأقباط والمزايدة على الإخوان واللجوء إلى ربط المواطنين المسيحين وجمعياتهم الدينية والسياسية بالخارج واجندته التي "تحاول التضييق على الحكومة والبلد". وبين هذين الموقفين الجائرين تضيع حقوق الأقباط وهم هنا بالملايين، إذ أنهم أكبر كتلة مسيحية في الشرق الأوسط بقيت متشبثة بأرضها ومقدساتها بعد عمليات التهجير والتقتيل التي طالت مسيحي الأناضول ولبنان والعراق...
الصديق مدحت قلادة( المسؤول الإعلامي في منظمة أقباط متحدون) كتب مقالاً قيّماً في موقع "إيلاف" الإلكتروني بعنوان" اخوة قبل الحرب وأعداء بعدها" تحدث فيه عن تضحيات الأقباط ومشاركتهم في حرب أكتوبر. الحقيقة أن المعلومات التي وردت في المقال في غاية الأهمية، ولااعتقد أنها جديدة على شخص مثلي لايعلم من أمر معاناة الأقباط سوى العناوين البارزة والحوادث الكبيرة، لكنها كذلك جديدة على المواطنين المسلمين المصريين أنفسهم. ولااعتقد أن الحكومة المصرية( الحزب الوطني الحاكم) والمعارضة الدينية( الإخوان المسلمون) يرغبان في إطلاع المواطن المصري على مثل هذه المعلومات التي تثبت مشاركة الأقباط في بناء مصر والدفاع عنها بكل قوة. فالحكومة والمعارضة تعملان على صك مفهوم " مواطنة" خاص بهما يقتصر على المسلم ويستثني المسيحي، الذي يصبح هنا محل شبهة ومطعوناً في وطنيته وولاءه لأرض مصر.
الأقباط في مصر يطالبون بحقوق المواطنة وإحترام خصوصيتهم الدينية وبالتمثيل المناسب والعادل في مؤسسات الدولة دون التعرض للإقصاء بسبب معتقدهم، وعلى كل النخب الثقافية والسياسية في مصر والعالم العربي وعموم الشرق الأوسط دعمهم في سبيل تحقيق هذه الأهداف المشروعة. واي خلط للأوراق وتصوير المطاليب القبطية على أنها "تطرف ومحاولة للضغط على مصر في الخارج"، هي في واقع الحال تجنٍ واضح على الحقيقة ينطلق من نفس التصوير المرضي الخاطئ والذي يقول بأن المسلم هو المركز والآخر هو الطرف المشكوك في ولاءه للوطن ومصلحته. وهو تصور خاطئ ومدمر موجود في حالتنا الكردية أيضاً للأسف الشديد...
طارق حمو
tariqhemo@hotmail.com