جولة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة في كردستان لم تكن بعيدة عن مثل هذا النمط من التفكير والتدبير. أردوغان دخل كردستان فاتحاً هذه المرة، مدججاً بالسلاح وآلاف الحرس ورجال الشرطة والإستخبارات. وأردوغان، اعتاد على معايرة رؤوساء الأحزاب التركية الكبيرة، بانهم لايستطيعون مغادرة منطقة " قيصيرية" والتوجه صوب مناطق "جنوب الشرق"، أي كردستان...
وثمة نوع من المصداقية في كلام أردوغان هذا. لقد نجح الرجل في السنوات الماضية في خداع الشعب الكردي وتسويق نفسه كمخلص وصاحب ضمير إسلامي، لايفرق بين التركي والكردي، ويريد من صميم فؤاده حل القضية الكردية. هذا الكلام كان في السابق. الآن الأكراد عرفوا حقيقة سياسة هذا الرجل، وبدأوا ينفضون من حوله وحداناً وزرافاً..
دخل أردوغان 4 ولايات كردستانية على ظهر الآلة العسكرية وهو يخال نفسه فاتحاً. لكنه هناك، اصطدم بالتظاهرات والعصيان المدني من جانب من إنتخبوه في الأمس القريب. التظاهرات واغلاق ابواب المحال التجارية جعلا أردوغان يوقن تماماً بان الناس عرفوا حقيقة طويته وملوا من أكاذيبه حول الحل، وعلم، تالياً، بان نجم حزبه بدأ يأفل لدى الأكراد، كما أفل نجم الكثير من الأحزاب قبله، من التي وعدت بحل القضية الكردية ووضع حد للحرب الدائرة في اقاليم كردستان الشمالية.
أردوغان الذي ظن نفسه فاتحاً يجوب مناطق الكرد على ظهر حصان أبيض، تبين انه راكب على ظهر حمار والناس من حوله تضحك وتتقاذفه باالطماطم العفنة واللعنات...
لم يتمالك أردوغان نفسه امام هذه الحقيقة المرة، فاطلق تصريحه القنبلة" من يريد ان يعيش في هذه البلاد في ظل السياسة الرسمية، فأهلاً به، ومن لايريد فليس أمامه سوى الرحيل". وهذا التصريح أدى إلى إستعار الغضب الكردي وخسران حزب أردوغان البقية الباقية من الذخيرة الأخلاقية له في مناطق الكرد.
أردوغان الذي لايملك من أمره شيئاً أمام سياسة الحرب والتصعيد التي يقودها الجيش صار الآن يتخبط في سياسته الكردية ويترك التهديد تلو التهديد، بحيث أمسى لايختلف عن بقية قادة الحرب ورؤوساء الأحزاب الشوفينية التركية، من التي ترى في تأليب الشارع التركي ضد الكرد فناً من فنون كسب الأصوات والنجاح في الإنتخابات.
عندما يتحدث رئيس الوزراء التركي عن التوافق و" قدسية أراضي الدولة التركية" فلماذا أذن يظلم الأكراد ويمضي في نكران حقوقهم؟. لماذا وبأي حق يتحدث عن كركوك، التي تقع في قلب منطقة بعيدة، تابعة رسمياً لدولة أخرى؟.
آلاف اليافعين والأطفال الكرد خرجوا في وجه أردوغان متظاهرين. حتى أطفال كردستان عرفوا حقيقة هذا الرجل ولم يعودوا ينخدعون بوعوده المعسولة حول "الإخوة" و"الحل الديمقراطي". جولة أردوغان وطاقم حزبه في كردستان جاءت لتظهر علامات الفشل الأكيد لسياسته الكردية، ورغم أن رئيس الوزراء أراد لهذه الجولة ان ترمم جدار الثقة المنهار بينه وبين الشعب الكردي، لكنها جاءت بعكس ذلك، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير حقاً.
ريشاد سورغول
resadsorgul@hotmail.com