الدول العربية برمتها، لاسيما المجاورة لإيران أي دول الخليج والعراق، وإسرائيل بالطبع، ومعها دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ترتاب من نوايا إيران وبرامجها النووية التي تدعي أنها سلمية لكنها لاتقدم أية ضمانات عن عدم تحويلها وبالسر إلى برامج نووية عسكرية. الحجة التي تتذرع بها طهران هي أن إيران باتت مطوقة عسكرياً بقوات أمريكية وقوات تابعة لحلف الناتو من كل حدب وصوب. من جهة الجنوب في الخليج وقطر والبحرين والكويت والعربية السعودية من خلال القواعد العسكرية المنتشرة في هذه الدول، ومن الغرب في أفغانستان والباكستان وتركيا، ومن الشمال في آذربيجان، مما يثير لديها قلقاً مشروعاً من النوايا العدوانية الأمريكية والإسرائيلية لأن استراتيجية هاتين الدولتين المتحالفتين هي منع أية دولة أخرى في الشرق الأوسط من امتلاك السلاح النووي عدا إسرائيل، وبالتالي فهما تسعيان لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم وامتلاك تكنولوجيا الدورة النووية الكاملة بأي ثمن وبكل الوسائل الممكنة ومنها القوة العسكرية ولا يمكنهما تصديق تصريحات طهران حول سلمية مشروعها النووي.
يتساءل الغرب كيف أمكن للنظام الإسلامي في إيران البقاء في السلطة رغم الأزمات والحروب التي توالت على إيران طيلة ثلاث عقود سيما وأنه يفتقد لدعم القواعد الشعبية التي تعاني من البطالة وانعدام الخدمات والقيود الأخلاقية الصارمة والقاسية المفروضة على المجتمع وبشكل خاص على النساء والشباب وفرض نمط مجتمعي لا يتواءم مع أذواق ومتطلبات المجتمع العصري المطبق في دول الغرب والذي يرغب به ويتمنى العيش فيه قطاع واسع من مكونات المجتمع الإيراني اليوم للهروب من العقلية الظلامية التي يفرضها الملالي على المجتمع الإيراني.
الحقيقة هي أن العقوبات والمقاطعة والحصار الاقتصادي والتطويق العسكري لإيران بعد حربي أفغانستان والعراق والتهديد بالضربة العسكرية ووضعها على قائمة دول محور الشر الداعمة للإرهاب العالمي قد ساهم في تدعيم مواقع سلطة الملالي وإضعاف خصومهم الديموقراطيين والعلمانيين وتقوية صفوف المحافظين المتشددين، أي حدث تأثير معاكس لما كان يأمل به المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية، إلى جانب نجاح الإسلاميين الشيعة في إيران في ابتكار نظام مؤسسي قادر على تفريخ الكوادر اللازمة لإدامته حتى بعد وفاة أو اختفاء الرواد الأوائل المؤسسين له. وبالرغم من ذلك نشأت في إيران في السنوات الأخيرة نواة لمجتمع مدني متطور وواعي ينشد التغيير السلمي رغم وحشية آلة القمع الإسلاموية التي تستخدمها سلطة الحكومة الإسلامية.
بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة سيحدد الغرب الاستراتيجية الأنجع الواجب إتباعها حبال لإيران. فإذا فاز التيار المتشدد وأعاد اختيار محمود أحمدي نجاد أو أي وجه آخر من معسكره وله نفس المنهج والتوجه، حينها ستكون المواجهة حتمية بين المعسكر الغربي الذي يتوجس ويخشى من إيران نووية وبين الجمهورية الإسلامية التي تحلم بالتزود بالسلاح النووي وفرضه كأمر واقع. أما إذا فاز مرشح التيار الإصلاحي المعتدل فربما ستنجح الضغوط العالمية في إنصياع إيران وإذعانها للمناشدات الدولية وتقبلها لفكرة تعليق تخصيب اليورانيوم والموافقة على مبدأ الرقابة التفتيش الدولي من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية على منشآتها النووية مما سيفتح الطريق أمام مفاوضات وحوارات ودية قد تقود نحو عودة إيران لأحضان المجتمع الدولي وتطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية معها والتعاون في كافة المجالات وعلى جميع المستويات ماعدا النووية العسكرية بالطبع وعند ذلك فقط سيفلت العراق من دائرة الخطر الإيراني المباشر وإلا فالكارثة تلوح في الأفق لاسمح الله.