فهو يعيب في نصه السالف ظاهرة "البكاء" التي يجيدها الكاتب العربي، فما إن يموت كاتب أو شاعر حتى تسيل الأقلام صارخة باكية بعد طول جفاف، يذرفون الدموع والأحزان، تنقلب الصحف إلى "حسينيات" وتبقى القنوات حبيسة "الموت" يعيب أدونيس على الكاتب العربي وقوعه المستمر في فخ الخوف البشع من "المصير" الذي يترجم على هيئة "رثاء" لميّت بينما هو رثاء للذات. يذكرني كلامه هذا بكلام لعبد الرحمن بدوي حينما وصف الشعب العربي بأنه "مغرم بالسير وراء الجنائز" وقد أحسن الروائي "حنّا مينة" إذ طلب من العرب أن يتقبلوا موته بهدوء إن هو مات، لقد خاف على آذاننا من "الصراخ".إن الموت هو "المصير" المحتوم فلماذا هذا الصراخ المستمر كلما مات كاتب أو شاعر؟ في ثقافتنا العربية يكتسب الشاعر صفات "النبوة" فيصبح توجيه النقد له، أو لشخصه من "الكبائر" وانتقاد فيلسوف أو كاتب أو صحافي أهون من انتقاد شاعر، لقد منح "اللاوعي" العربي كل "الشعراء" صفة النبوة، فأصبح كل نقدٍ يوجه إلى "الشاعر" من "الكبائر" وأحيل هنا إلى فكرة الكاتب السعودي عبد الله الغذامي حول "شعْرنة الثقافة العربية" فهي من الأفكار الهامة في تحليل هذا الوضع البائس، (انظر كتابه النقد الثقافي).
في نصٍ آخر يكتب أدونيس: [عجباً يزدهي بمجرّد التوقيع على بيانٍ ضد سلطة، دفاعاً عن مضطهد أو انتصاراً لمعتقل. لكنه لا يفعل شيئاً، أيّ شيء، من أجل تفكيك بنية الحياة ذاتها، الحياة المعتقلة على جميع الأصعدة، من الألف إلى الياء].
في نصه هذا يشرح حجم التوتر السائد والمرَضي بين "المثقف" وبين "السلطة" والتوتر هذا لم يُبن على تصوّر علمي لمعاني سياسية، وإنما يأتي في إطارٍ "نضالي" ضيّق، حيث يضجّ المثقف إذلالاً لمجتمعه، كلما وقّع من أجلهم على بيان! وكأن توقيعه للدفاع عنهم يخوّله لاستعبادهم، وهذا هو واقع المثقف العربي المسكون بالنضال حدّ الهوس، وهي نضالات مفرّغة من الأبعاد المعرفية والجذرية، لذا تأتي محدودة وغير مستوعبة للواقع والعصر، فهو عدوان صبياني على سلطة تتمتع بتأييد الأغلبية، ثم يأتي ليناضل سياسياً ضد "ثقافة" تتمتع أيضاً بشعبية كبيرة.
الخطأ أن المثقف يريد هدم الثقافة بمعاول "السياسة" وهذا استبداد وانقلاب على الأدبيات المعرفية والثقافية، حيث تفرض بعض الأفكار على مجتمعات لا تعرف "طبيعة تلك الأفكار" ومن دون حتى أن يوسعها شرحاً وإيضاحاً، وكل ممارسة لفرض أي فكر عبر البوابة السياسية فعل "استبدادي". وكتابة أدونيس تصب في إطار ضرورة "تفكيك" البنى المغلقة من جوانبها الثقافية، أما الممارسات النضالية ضد "السلطات" فهي "فتوة" من الجانب الاجتماعي، لكنها ممارسة استبدادية من الجانب الأهم وهو جانب "المعرفي" الذي يجب أن يكون هو الهاجس لدى المثقف. وهو ما يمكن أن يجنيه المثقف حينما يعكف على "أبحاث علمية" تساهم في فك المستغلقات بدل الانشغال بالشتائم ضد السلطة والسياسة، كما أن الفلسفات الحديثة وبالذات فلسفة الفرنسي "ميشيل فوكو" أثبتت أن السلطات ليست سياسية فحسب، بل تتوزع، فالسلطة موجودة في كل الطبقات الاجتماعية والحياتية. أدونيس يعيد ترتيب الأولويات التي نشأ عليها المثقف من دون أن يراجعها، ربما يكون الخلل في "ذواتنا" وفي "وسائل التفكير" تلك هي المراجعة الأهم.