لعله من المفيد أن نأتي الاغتراب في الثقافة والفكر أسبابا ونتائج للوصول إلى حالة المغترب داخليا أو خارجيا وحين ذاك سنطل من زاوية الارتباط بالوطن والحنين إليه من نافذة الخارج المطلة على حافات الوطن، أو النفوذ إلى أعماق ذلك المغترب في داخله وهو يفتح نافذة إلى الخارج فكرا وثقافة ربما لولوج نمط من الحرية وهروبا في أحيان كثيرة من ملابسات الرقيب والسلطة والإقصاء عله يجد عالما مغايرا يوفر مساحة أوسع للذات أو الرؤيا.
إن فكرة الاغتراب فكرة قديمة، تناولها الكتاب والفلاسفة منذ القدم إلى عصرنا هذا من زاويتين:
إحداهما الاغتراب عن المكان سواء كان ذلك الاغتراب عن الوطن اختيارياً أو قسراً، ووقفوا على ما يصاحبه من أمور تمس النفس الإنسانية وعلاقتها بطبيعة الحكم والنظام السياسي في الوطن الأم من جهة وبينها وبين النظام الاجتماعي وما تصبو إليه من علاقات مغايرة.
ومن زاوية أخرى التفتوا إلى ذلك الإحساس بالاغتراب الذي ينشأ بين الأهل وعلى أرض الوطن لأسباب اجتماعية أو سياسية قسرية تقوم بها الدولة في الإبعاد أو النفي أو الترحيل وما يترتب على ذلك من هجرة داخلية وتغييرات مهمة في جوهر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ولعل أكثر حالات الاغتراب الداخلي شيوعا هو الذي ينتشر في أوساط المثقفين عموما والأدباء والمفكرين والإعلاميين والفنانين بشكل خاص تحت هيمنة أنظمة سياسية أو اجتماعية مستبدة وظالمة، من خلال عمليات الإبعاد والترحيل ألقسري والنفي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب في بلاد تعج بالمكونات العرقية والدينية والمذهبية كما حصل مع مئات السياسيين أو المثقفين على حد سواء أثناء نفيهم وإبعادهم إلى مناطق مختلفة تماما عن مناطقهم في اللغة والثقافة والتقاليد، أو ربما كان الاغتراب من خلال البحث والاندفاع وراء تجارب عالمية في غرب الأرض وشرقها في حقول الأدب والفن والموسيقى حتى عجت ساحتنا الثقافية والاجتماعية بأنماط و( موديلات ) غربية وأمريكية تخطت في كثير من الأوقات محاورها الأدبية والفنية إلى حيث الشكل والسلوك والممارسة.
أما الاغتراب الذي تسببه السلطات القمعية في بلداننا عموما في الشرق الأوسط أو العالم الثالث حيث تنفرد الأنظمة السياسية الشمولية في تجربتها المتميزة مع الرأي الآخر عموما والمفكرين والمثقفين بشكل خاص وفي مقدمتهم الكتاب والفنانين والصحفيين سواء ممن يعارضونهم أو حتى الذين يستخدمون ترددات تلك الأنظمة في إرسال إنتاجهم، وربما هنا يسأل البعض:
حتى هؤلاء؟
نعم؛ ربما يكون هؤلاء أكثر مأساة في صراعاتهم مع أنفسهم ومع النظام السياسي، فهم بالتالي أناس غير الآخرين في مشاعرهم ولكنهم ربما لا يملكون قضية معينة أو لا يتبنون موقفا سياسيا أو فكريا بحد ذاته إلى الحد الذي يجعل منهم موظفين حكوميين ليس إلا، وتتحول مواهبهم وطاقاتهم الفنية والفكرية إلى سلعة للمقايضة أو ربما للاستلاب والمصادرة كما حصل في غسل أدمغة ومواهب العشرات أو المئات منهم طيلة عقود الدكتاتورية المقيتة في كافة حقول الإبداع ولمراحل مهمة من تاريخ كثير من أدبائنا وفنانينا العاملين في مجالات الفن الغنائي والموسيقي أو المسرحي والتشكيلي حيث تزدحم الساحة بأسماء العشرات منهم وفيهم الكبار ممن رفدوا الثقافة العراقية وحقولها الأدبية والفنية والعلمية.
إذن نحن أمام صنفين مهمين من حالات الاغتراب وهما الاغتراب الداخلي الواقع تحت هيمنة السلطة وما ينتج عن ذلك من تشويهات كبيرة في الأداء الثقافي ونوعيته ومن ثم نشوء شكل آخر من أشكال الأعمال الثقافية التي تخدم النظام السياسي بحد ذاته ولا علاقة لها بقضايا الشعب الأساسية كما حصل خلال عقود من النظام الشمولي في ما يتعلق بالنتاجات الأدبية والفنية والفكرية والإعلامية، ونوع آخر ذاتي يندرج تحت توصيفات الانكفاء في زوايا تجارب خارجية ومحاولة تحقيق الذات من خلالها ويعمل المغترب في هذا النوع من أجل تسلق تجارب بعيدة ربما لا تمت بأية صلة بواقع ثقافته مما ينتج هو الآخر أنماطا ثقافية لا تلقى مساحة واسعة لانتشارها وربما تعاني هي الأخرى من غربة؟.
ويأتي الذين اختاروا المنافي قسرا في طليعة من أسسوا نهجا متميزا في الثقافة الوطنية المغمسة بتجارب الآخرين من خلال التداخل الميداني بين نتاج المغترب وبين حضارات الدول والشعوب التي اغترب فيها مضافا إليها ذلك الكم الهائل من مشاعر الاغتراب ومقاومة الانصهار والذوبان المفعمة بالوعي الوطني لقضية بلده، ويبدو ذلك واضحا في أعمال معظم المغتربين ونتاجاتهم الفكرية والفنية والأدبية التي تعكس تلك الرؤيا الشديدة التركيز على مشاهد الوطن وقضاياه.