هل العلمانية وصفة طبية أو قائمة نواميسٍ جاهزةٍ علينا إختيارُ تطبيقها من عدمهِ، أو هي مجموعة تحولاتٍ وعمليات موضوعية في التاريخ تستبطنُ منظومة فلسفية كامنة وراءَ الشرطِ الحضاري الذي كان سبباً في نجاحها في الفكر الغربي ؟
قبل الإجابة على التساؤل السابق لابد لنا أن نشيرَ الى أنَّ أيَّ كتابة عن العلمانية لابد لها أن تعترفَ بما لهذا المفهوم من إشكالات خلافية نابعة من مرجعيته الفلسفية التي تفرضُ علينا أن نتعاملَ معه دلالياً وليس قاموسياً كما يفعلُ الكثيرُ ممَّن يتداول هذا المصطلح في كلِّ ما له صلة بالواقع السياسي والثقافي العراقي، حتى بات يشكلُ ظاهرة في ثقلِ كثافته اللفظية وهشاشة قاعتده المفهوماتية، إذ أصبح يقحمُ في خطابات هلامية تفتقدُ لإدنياتِ الإنضباط المعرفي، ولاسيَّما تلك التي تُستدعى لنقاشات ذاتَ طبيعةٍ سجالية فرضتها ظروفٌ معقدة، أو ثرثرات إعلامية تتبناها كائناتٌ تلفزيونية مملة ثمة ظروف مرحلية أدّت الى التصاقها بالشاشة.
إن كثرة ما يقع فيه مصطلحُ العلمانية أسوة بغيره من المصطلحات التي تمَّ إستيرادها تحت تأثيرات مشدودة الى الحضارة الغربية و ما تركته على أحوالنا من آثار جعلت بعض المؤلفين العرب يتعاملون مع المصطلح وكأنه مخرج لتسريب الشحنة المكبوتة ضد بنية العقل الغربي. يكرر إبراهيم غليون في أكثر من موضع من كتابه (المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات) كون العلمانية إشكالية مصطنعة وهي منقولة عن عقل مرفوض، أمَّا د. محمد عابد الجابري فيدخل الى هذا المفهوم من بوابتهِ العتيقة المنسوبة في الإنجيل للسيد المسيح (مالله لله وما لقيصر لقيصر) ليبني عليها كون العلمانية جزء من تشكيل حضاري غربي يعني (فصل الكنيسة عن الدولة) ولهذا فهي مفهومٌ غريبٌ عن الإسلام لأنه ليسَ كنيسة لكي نفصلهُ عن الدولة. وهنا ثمة إشكالية في نظرة الجابري للتاريخ وعلاقته بالواقع لأنَّ تسليمَه بمقولةِ فصلِ الكنيسة عن الدولة يعني إفتراضه الضمني تواشجَ نصوصِ الإنجيل و واقعَ الحياة المسيحية. و كذا يدعو الجابري الى ضرورة إستبعاد مصطلح العلمانية من قاموس الفكر العربي لأنَّه لا يعبِّرعن الحاجات العربية الموضوعية و تعويضه بالديمقراطية والعقلانية لأنهما تعبران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي لسنا هنا بصدد نقد خطاب د.الجابري إلا إننا نتعجب من تجاهله لكون العلمانية هي النسق الجوَّاني للديمقراطية، إذ يتطابق سلوكُها مع الموازين الديمقراطية ولاسيَّما في أهم شواهدها مثل الرأي العام وأسلوب إدارة الحكم أو سلوك من يمثل السلطة. إنَّ تقصِّي أسس التفكير العلماني، المتمظهر بنبذ الحضارة الموروثة والجري وراء نماذج حضارية بديلة أو التحيِّز المغرض للثقافة الغربية، يشير الى غيابه التام داخل البنى الفكرية المكوِّنة للعقل السياسي العراقي، إذ لم يتشكل في العراق تيار سياسي علماني باسلوب واضح على مر التاريخ، أما التيار السياسي العروبي العراقي (حزب البعث) القريب من فكرة العلمنة فقد كان إمتداداً وظيفياً بليداً للمشروع الناصري، ولم يرسِ قواعد التفكير العلماني على أساس إبعاد الدين كتصورات قيمية عن حلبة صراعاته السياسية، وإنما كان متخندقاً بالتاريخ حريصاً على ديمومة الإرتهان للخطاب الإصولي وللمرجعية القومية، وما فتئت مواقفه تتجه نحو مشتركات، الأمة/العروبة/الإسلام لتبني منها آيدلوجيا خاصة تتغلب فيها ضرورات اللحظة السياسية على المنظور التاريخي المكون لهذه المفاهيم، حتى إنَّ صدام حسين دعا لإعادة كتابة التاريخ بالشكل المُكرِّس لهذه الإيدلوجيا، ومارس السلطة باسم الدين ولاسيَّما بعد العام 1991 إذ كان يخاطب الناس وكأنه المتحدث الرسمي باسم السماوات. لم تشتمل علمانية البعث على أهم ما يمكن أن يحسب لمفهوم العلمانية غير الشاملة، وهو الأساس المعنوي أولا (مدنية حضارية)، والأساس المادي ثانياً المشكل لبنى تحتية قانونية يمكنها صهر المجتمع في مفهوم المواطنة بوصفه عقداً إجتماعياً بين الناس لا ينحصر بالقومية أو القطر، ولذا لم تكن سوى علمانية بربرية سعت بشكل دؤوب لإزالة كل مظاهر التمدن ففككت المجتمع العراقي الى قوميات وطوائف و جعلته يعاني تحت وطأة إفرازاتها، ثمَّ أنشأت أجيال قلقة مكبوتة بالإغتراب والعدوانية سرعان ما تفجَّرَ قيحُها لمجرد توفر المناسبة (فوضى الإحتلال الأمريكي).
أما علمانيو السياسية العراقية الجدد فقد إنشغلوا بالدفاع عن أنفسهم، كذوات لا تدعو الى تحرير السلوك البشري من بعدي العيب والحرام، أكثر من إنشغالهم بالإسس المعرفية لقراءة الواقع العراقي إجتماعياً و سياسياً، وكانت صياغاتهم لمقولة العلمانية وموقفها من المؤسسة الدينية، كوحدة إجتماعية وسياسية، سطحية لا تثبت ما يعاكس غربة العلمانية عن العقل الجمعي العراقي الذي يعدها في أحسن الحالات لوثة عقلية هدفها زعزعة ثقة المسلم بدينه، ثمَّ إنَّ عناصر خطابهم السياسي لم تلتئم لكي تكون جسداً دلالياً واضح المعالم ولاسيما في مناقشة قضايا فكرية هامة من قبيل رؤيتهم لمفاهيم كبرى كالدولة، المواطنة، القانون في ظل التخبط والتشظي الثقافي الذي حدث بعد الإحتلال الأمريكي للعراق. إنهم بأمس الحاجة الى الإنفتاح الأفقي على الواقع الإجتماعي العراقي لإعادة شرح وتعريف المعنى المادي والروحي الكامن وراء الإتجاه العلماني وماهية علاقته بالمؤسسة الدينية، كخطوة تسبق التصاعد العمودي للبحث عن الفرشة النظرية التي يستند إليها مفهومهم للعلمانية وهل هو رؤية إجرائية ترى فصل الدين عن الدولة ولا تنكر وجود مطلقات وكليات دينية، أو هو عقلانية مادية تنبني على تفكيك العلاقة بين الدين والحياة من جهة والإيمان والإلتزام من جهة أخرى بحيث لايعد أحدهما شرطاً للآخر. إن التنافر شبه التام/إختلاف المرجعيات/تبادل الإتهامات وتقاذف الشتائم، بين الخطاب السياسي الديني المتمترس بالتراث والخطاب العلماني ربما كان سبباً لعدم تحدد ملامح هوية الأخير في العراق إن كان مقلِّداً لتجارب منجزة كما فعل أتاتورك حين نقل النسخة الفرنسية للعلمانية والتي لا تعني فصل الدين عن السياسة وحسب وإنما تعني بناء مجتمع علماني يختفي الدين فيه من حياة الناس، أي نقل مفهوم العلمانية من المجال الفلسفي والسياسي الى المجال الإجتماعي بصرف النظر عن كونها ليست مطلباً سياسياً جماهيرياً ولا خياراً شعبياً، وهنا قضى أتاتورك على سيميائية الإسلام في المجتمع (إلغاء الحرف العربي،التقويم الهجري،الإحتفالات الدينية،الحجاب والطربوش، فن العمارة.. وغيرها) أو خطاباً مجدداً يبني تجربته بمحاولات دائبة عبر مسيرة الإكتشاف، وهذا التنافر أدَّى كذلك الى غياب الحوار المجدي بين الطرفين وتحوله الى صراع عنيف تنامت داخله فكرة التسقيط السياسي والإجتماعي والذي كانت إحدى أهم نتائجه أن حوَّل الفكرالعلماني عامة الى كفر وإلحاد أو جملة من الموبقات، والفكر الإسلامي الى إرهاب وعنف، ومن هنا وباتساع مساحة القطيعة بين النقيضين نتساءل عن ماهية التيار السياسي العلماني في العراق، وهل هو فعلا فكرة مستوردة، أو خيار إيدلوجي، واقعي و موضوعي يتساوق مع إيقاع المجتمع العراقي ؟
نحن نعتقد أن النهج العلماني السياسي العراقي لم يزل فكرة باردة محايدة خاضعة لقوانين برانيِّة بحاجة للكثير من التأصيل لكي تكتسب شرعيتها ولذا فهو نهجٌ صادمٌ للذائقة العراقية ومشروعٌ سياسي غامض بالنسبة للمجتمع، ولم يكن كافياً توسلُ بعض الداعين للإتجاه العلماني في العراق بمواقف إصلاحيين كبار مثَّلوا صورة حضارية للإسلام (جمال الدين الإفغاني، محمد عبده، مالك بن نبي، محمد باقر الصدر، محمد إقبال، محمد مهدي شمس الدين، محمد حسين فضل الله) في محاولة منهم لتحريرمشروعهم السياسي من (التغريب) وتخليصه من تهمة الدعوة المستترة الرامية لفصل الإسلام عن الحياة وإثبات إنه يستنهض روحاً ثقافية شعبية بما فيها من تسامح وسلم إجتماعي، ولا يبطن إستبعاد الدين عن العقول، بل يقدم نفسه على أساس أنه مسارٌ سياسي إصلاحي أصيل، وليس فكرة مستوردة ولا في خدمة أفكار مستوردة.
إن إستقراء تاريخ الدكتاتوريات في العالم يؤكد بما لا يقبل الشك أنَّ زوالها يؤدي الى تحولات ضخمة في النظم والبنى السياسية المهيمنة في بلد ما، إلا إن هذا لا يعني بالضرورة تبدل السنن السياسية التي يقع العمل السياسي في إطارها فقد تبقى من دون تغيّر ملحوظ، وهذا ما حدث في العراق حيث لا يكشف إستقصاء المناخ السياسي العراقي بعد سقوط الدكتاتور عن تنوع و إكتناز آيدلوجي قادر على إنتاج أجندة سياسية متمكنة من خلق اللبنات الضرورية لبناء عراقٍ سليمٍ معافى. هناك عقل سياسي قادر على تفكيك الأنساق ولكنه للأسف قاصرعن توليد بدائلها. ربما توجد قيود نفسية وإجتماعية تحول دون تطور الفكر السياسي ولذا بقي يراوح في إشكالية إسلامي/علماني، المعادلة الوحيدة التي تُتبادل داخل حلقة الفكر، والتي برغم إختلاف طرفيها إلا إننا يمكن أن نلحظ إشتراكهما في موقف واحد وهو الإرهاب الفكري الذي يمارسه كلُ طرفٍ منها على الآخر، وعدم القدرة على إحتمال الآخر لا فكراً ولا ممارسة سياسية، وربما هذا مما يختص به العراقيون بإمتياز. من نافل القول أنَّ محمد خاتمي دعى الى رؤى سياسية كونية والى مجتمع بظواهر مدنية تتقبل الكثير من أنماط وأساليب الحياة الغربية، على الرغم من كون النظام الإيراني مؤسسٌ على دعائم إسلامية، ولكن هذا لم يمنح أحداً من الإيرانيين الحق لأن ينظر لفكر خاتمي على إنه أباحية أو عملية طواف حول كعبة العقل الغربي، كما يغمغم إسلاميو العراق واصفين الإتجاه العلماني العراقي.
a-usama1971@hotmail.com