البرلمان العراقي اغرب ظاهرة في تاريخ السياسة
صلاح حسن
GMT 11:38:00 2009 الأحد 15 نوفمبر
يحفل العراق اليوم بالكثير من الظواهر الغريبة، منها ما كان من تركة النظام السابق ومنها ما جاء به الاحتلال عام 2003 ومنها ما خلفته الحرب الأهلية التي اشتد أوارها في العام 2006. هذه الظواهر تشمل الحياة العراقية من كل جوانبها ويبدو الخلل والعطب فيها واضحا بحيث أصبحت هذه الظواهر قانونا وسلوكا. احد اغرب هذه الظواهر ما يسمى بمجلس النواب العراقي الذي يعد اغرب ظاهرة في العالم لأنها غير مسبوقة منذ أول برلمان في التاريخ، ذلك البرلمان الذي سنه السومريون قبل خمسة ألاف سنة. لا نريد أن نتناول الظواهر الاجتماعية ألان فستكون لدينا وقفة عن تبلد الحس العراقي وظاهرة المثلية التي انفجرت بعد الاحتلال، لكننا نريد أن نلقي نظرة على مؤسسة سياسية في غاية الخطورة هي مجلس النواب المنتخب من قبل الشعب.
تأسس هذا البرلمان من اجل أعضائه البالغ عددهم 276 عضوا وكانت القرارات التي يتخذها في جلساته السرية والعلنية تتمحور حول حصول هؤلاء الأعضاء على اكبر الامتيازات في كل شيء بدءا بالراتب الذي يتقاضاه النواب وهو راتب يفوق راتب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ويصل إلى قرابة الأربعين ألف دولار شهريا وانتهاء بالموافقة على حصولهم على الجواز الدبلوماسي هم وأسرهم لمدة ثماني سنوات قادمة. الشعب الذي انتخب هذا المجلس هو أول المتضررين منه.
لنقرأ ما كتبه العلامة صومائيل كريمر عن البرلمان السومري في كتابه " التاريخ يبدأ من سومر " ولأجل أي شيء أسس ونقارنه فيما بعد بالبرلمان العراقي الحالي. يقول كريمر :
( أصبح بوسعنا الآن أن نقرأ سجل مجلس سياسي انعقد قبل نحو خمسة آلاف عام. أجل أن أول "برلمان" سياسي معروف في تاريخ الإنسان المدوّن قد التأم في جلسة خطيرة في حدود 3000 ق.م. كان البرلمان مؤلفاً من مجلسين، من مجلس الشيوخ ومن مجلس العموم المؤلف من المواطنين الذكور القادرين على حمل السلاح. وكان برلمان حرب دُعي للانعقاد ليتخذ قراراً في أمر خطير يخص الحرب والسلم. لقد كان عليه أن يختار بين " السلم بأي ثمن كان وبين الحرب مع الاستقلال " فأما مجلس الأعيان الذي كان مؤلفاً من الشيوخ المحافظين فانه أعلن قراره أنه بجانب السلم مهما كان الثمن. ولكن الملك اعترض على القرار ثم عرض الأمر بعد ذلك على مجلس العموم فأعلن هذا المجلس الحرب من أجل الحرية وصادق الملك على قراره ). لقد تأسس البرلمان السومري من اجل قضيتين في منتهى الخطورة هما الاستقلال والحرية، ولان المقارنة ألان بين البرلمان السومري والبرلمان العراقي الحالي ليست واردة مع فارق الخمسة آلاف سنة، فأن البرلمان الحالي يجلس تحت مظلة الاحتلال ولم يناقش في كل جلساته لا قضية الاستقلال ولا قضية الحرية. في المقابل يحارب هذا البرلمان من اجل امتيازاته ويخرق الدستور المليء بالثغرات من اجل ذلك إذ توجد مادة في الدستور مفادها إن مجلس الرئاسة لا يحق له الاعتراض ثلاث مرات على مشروع يقره البرلمان. وقد قام هذا البرلمان بتقديم مشروع غريب للغاية حول امتيازات أعضائه رفضه مجلس الرئاسة مرتين ولم يستطع الاعتراض عليه في المرة الثالثة وكان للنواب ما أرادوا طبقا للدستور.!
بموجب هذا المشروع يكون من حق رئيس المجلس أن يتمتع بسلطة رئيس الجمهورية ويكون لنائبيه الحق بالتمتع بسلطة نائب رئيس الجمهورية، أما الأعضاء فلهم الحق بالتمتع بسلطة رئيس الوزراء ويمنحون كل الحقوق والامتيازات الممنوحة لهذه السلطات. أما ما يتعلق بالبلد وأهله فمنسي وتمر النقاشات في البرلمان باتفاق الاحزاب وتبويس اللحى. لقد فشل هذا البرلمان الملفق إحدى عشرة مرة في انجاز قانون الانتخابات على سبيل المثال، وفي النهاية عندما تم الأمر كان بخرق للدستور وللديمقراطية الناشئة يحرم الأحزاب الصغيرة من جمع أصواتها في الدوائر المختلفة لتحسب هذه الأصوات في النهاية لصالح الكتل الكبيرة.
قلص البرلمان في المادة الأولى من القانون عدد المقاعد التعويضية المخصصة أصلا للقوائم التي لا تحقق القاسم الانتخابي على صعيد المحافظات وتحققه على المستوى الوطني من 45 في القانون الأصلي إلى حوالي 15 مقعدا فقط ! وحين نعلم إن هذه المقاعد ستخصص منها حصص لبعض المكونات القومية والطوائف (8 مقاعد) وللنواب الذين ينتخبهم العراقيون المقيمون في الخارج والذين تزيد نسبتهم على 10 في المائة من سكان العراق يتبين لنا كم هو اعتباطي هذا التقليص وغير مسؤول، فالمقاعد السبعة أو الثمانية المتبقية لن تكفي حتى لتغطية أصوات الناخبين في الخارج.
وفي المادة الثالثة من القانون ذهبت الكتل البرلمانية الكبيرة ابعد كثيرا في انتهاك الديمقراطية والاستهانة السافرة بالناخبين وتحديهم، فقد فرضت مجددا منح المقاعد الشاغرة للقوائم الفائزة بدل وضعها – كما تقضي الديمقراطية ويقتضي المنطق والعدل - تحت تصرف القوائم الحاصلة على أعلى الأصوات المتبقية. وبذلك فتحت الأبواب مجددا أمام تكرار التجربة سيئة الذكر في انتخابات مجالس المحافظات أوائل السنة الحالية عندما ارتكبت الكتل الكبيرة الخطيئة بسلبها أصوات ما يزيد على مليونين وربع المليون ناخب اقترعوا لقوائم أخرى واستخدمتها في انتزاع مقاعد إضافية في مجالس المحافظات دون وجه حق.
من المهم جدا أن يعرف الناخب العراقي ألان إن النواب الذين انتخبهم قبل أربع سنوات كما تنتخب الأشباح بسبب القوائم المغلقة إن هؤلاء النواب اللصوص لهم مرجعيات لم تعد خافية على الناس، وإذا أردنا أن نحدد هذه المرجعيات ونعيد تفكيكها فينبغي أن نحصرها في مجاميع لكي لا يفلت من العقاب في المستقبل احد من هؤلاء اللصوص.
يأتي النائب إلى جلسة البرلمان ويكون قبل ذلك قد تلقى تعليمات حزبه أو الأحزاب المتحالفة مع بعضها وبذلك يكون القرار ناجزا ومطبوخا ليصب في مصالح هذه الأحزاب وليس في مصلحة المواطن او الوطن. المضحك في الأمر هو التصويت الذي يجري بعد مناقشة أي مشروع حيث يتحول البرلمان إلى مقهى شعبي للعب الدومينو، ومن يعرف الخلفيات الثقافية لأعضاء البرلمان لن يصاب بالدهشة فنصف هؤلاء كانوا يعملون في إيران في بيع الخضر والفواكه وفي أحسن حال في الحوزات التي تخرٌج أئمة راديكاليين. أما النصف الأخر من الأعضاء فمنهم ألبعثي واللص والإرهابي وقلة قليلة جدا من الوطنيين.
ينبغي إخضاع هؤلاء النواب إلى التحليل النفسي لمعرفة عاهاتهم النفسية وعقدهم الثاوية في اللاشعور، فليس من المعقول أن يتحول الشخص المنتدب لخدمة الناس إلى لص لسرقة قوتهم اليومي والى عصابي يدمر علاقاتهم الاجتماعية والى إرهابي يقتل أطفالهم بالشاحنات المفخخة.
* شاعر عراقي مقيم في هولندا