ماكشفته مباراة مصر والجزائر من حقيقة
سليمان بوصوفه
GMT 17:35:00 2009 الأحد 15 نوفمبر
بوس الواوا ياروراوة.. هكذا كانت شعارات مناصري المنتخب المصري بعد هزيمة الجزائر في ستاد القاهرة أمام أشبال حسن شحاتة بهدفين لصفر(روراوة هو رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم). المصريون لم يُصدقوا تسجيل اللاعب عماد متعب لهدف في الوقت الضائع والجزائريون صمتوا وتأجلت فرحة تأهلهم للمونديال. مباراة مصر والجزائر كشفت عن خبايا كثيرة كانت تختبئ في الصدور وطالما غلّفتها الأعراف الديبلوماسية لتنفجر في ساعات الحسم والشّدة. المناصرون الجزائريون في استاد القاهرة رددوا شعار (إيمازيغن) أي الجزائريون أمازيغ، ردا على الهتافات الفرعونية المستفزة، في إشارة إلى الأمازيغ الذين حكموا شمال إفريقيا وهزموا الفراعنة. أما مسلسل الاعتداءات على المشجعين الجزائريين وإجبارهم على المبيت في ستاد القاهرة فهي قصة أخرى من قصص التضامن القومي العربي.
الاحتفال بفوز المنتخب المصري لم يقتصر على المشجعين المصريين بل امتد إلى غزة حيث خرج المئات هاتفين بفوز حليف اليوم وعدو الأمس الذي أغلق معبر رفح وجوّعهم على حد وصفهم. ونسوا أن الجزائر حسب تصريحات الرئيس أبو مازن هي الدولة العربية الأولى التي تفي بالتزاماتها وتدفع للشعب الفلسطيني خمسين مليون دولار شهريا. والجزائريون من أولى الشعوب التي تتحرك وتتضامن مع غزة رغم أنها تعيش كل الأزمات تحت حكم الاستبداد.
في غرف الأخبار يستطيع المرء أن يتابع تفاصيل تلك المعركة الإعلامية التي استعرت بين مصر والجزائر. فاللاعبون الجزائريون الذين اعتدت عليهم الجماهير المصرية بالحجارة في الطريق المؤدية إلى فندق المطار، دخلوا ستاد القاهرة معصوبي الرؤوس ومنفوخي الأعين، لكن الفضائيات المصرية وغرف صناعة الأخبار قالت، إنها مجرد مسرحية جزائرية واللاعبون هم الذين مرغوا رؤوسهم في الزجاج، وهذا سيناريو سينيمائي مصري بامتياز، سرعان ما نقله الإعلام العالمي مشككا في الرواية الجزائرية الموثقة بالصوت والصورة. وهذا ما انعكس على الأخبار التي تناقلتها وكالة الأنباء الفرنسية ووكالة رويترز البريطانية، فالأولى نقلت وجهة النظر الجزائرية والثانية انحازت إلى الإعلام المصري. وهذه الحالة طبيعية بمجرد العلم بأن المحرر الذي يتقن الفرنسية ينتمي إلى دول مثل الجزائر والمغرب وتونس، فيما تعتمد الوكالة البريطانية على المصريين غالبا.
اللوم هنا لا يقع على الإعلام المصري الذي دافع عن بلده بشراسة وإنما يقع على تلفزيون الجزائر اليتيم والمئة والثلاثين صحافي جزائري الذين انتقلوا إلى القاهرة ولم يتمكنوا من تصوير وقائع الاعتداء. فالصور التي وصلت إلى وكالات الأنباء العالمية صورها جزائري هاو يدعى (صالح) وقد انتقل من لندن إلى القاهرة لتشجيع فريقه وتقاسم السبق الصحفي مع تلفزيون كنال بلوس الفرنسي الذي كان يصوّر هجوم الجماهير من داخل الحافلة.
الديبلوماسية الجزائرية أيضا فشلت في حمل المسؤولين المصريين على الاعتذار أمام كاميرات العالم، واكتفت بالكلام المعسول الذي تردد بأن الجزائريين ضيوف أشقاء وسنسهر على سلامتهم. أما وزير الخارجية الجزائري فلم يكن أبدا في المكان المناسب ولم يحظ حتى بلقاء نظيره المصري واكتفى بلقاء مسؤولين رياضيين من الدرجة العاشرة.
الجزائر اكتشفت أخيرا بأن أشقاءها الحقيقيين ليسوا بعيدين جغرافيا عنها، بل يوجدون في المغرب وتونس وليبيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وستتأكد من هذه الحقيقة المُرّة عند نزول لاعبيها ومشجعيها مطار السودان. والجزائريون اكتشفوا بأن الحديث عن الأخوة والعروبة والقومية والتضامن ماهو إلا شعارات جوفاء، وأنهم في نظر الكثير من المشارقة مجرد فرنسيين علموهم العربي وساعدوهم في الحرب ومايزالون صغارا وعليهم الرضوخ لحسابات الكبار. بالرغم من أن ثورة الجزائر وتاريخها في مساندة الشعوب المستعمرة يغني عن كل جدال وأن مدخول الجزائر سنويا من النفط يمكن أن يشتري الكبار وإعلامهم بجرة قلم. لكن ماذا عسانا نقول، لقد ابتُلينا بمسؤولين لم يكونوا حتى في مستوى لاعبي كرة القدم الذين استماتوا في الدفاع عن الألوان الوطنية فكيف بهم أن يكونوا في مستوى شعب الجزائر!