من إبداعات ديمقراطية التوحش الطائفي في العراق
داود البصري
GMT 15:19:00 2009 الإثنين 16 نوفمبر
الظواهر السياسية الغريبة و النظريات الخرافية، و الأساليب الديماغوغية في حل المشاكل و الصعوبات، جميعها من الأشكال الرائجة في العراق لإدارة الملفات السياسية و الإقتصادية و الأمنية، وهو ما جعل دوامة الأزمات هناك تتضخم و تنمو بمتواليات حسابية كبيرة جدا و خارجة عن أية مقاييس منطقية، فالديمقراطية الشكلية بشكلها الرث التي نشأت بعد الإحتلال في العراق كان قوامها الأساس عقلية العصابة و العشيرة!
وهي ديمقراطية مشوهة تعتمد الإرهاب ضد الآخرين من أجل فرض الوجود! وذلك بحكم طبائع الأمور، فدولة فاشلة مثل العراق، و مجتمع متأزم و متفرق و مشتت مثل المجتمع العراقي كان لا بد له أن ينتج التوليفة الغريبة السائدة حاليا في العراق، فمنذ إنقلاب 14 تموز / يوليو الأسود عام 1958 فقد العراق بوصلة التوجه الصحيح لشواطيء الأمان، وتحول منذ وثوب الضباط الأغبياء على السلطة لحقل تجارب لكل النماذج السياسية الفاشلة و الخائبة، فصراع الضباط على السلطة و على تحقيق الوحدة العربية أو الإتحاد العربي قد أغرق العراق في مستنقعات من الدماء، ثم جاءت التجربة البعثية الأولى عام 1963 و التي إستمرت لتسعة شهور دموية مريعة إنتهت بإنقلاب عسكري على النمط القومي الناصري لم يستطع تحقيق الوحدة مع نظام جمال عبد الناصر الذي يدعي النظام الجديد وصلا به، بل تحول الحكم لمؤسسة عسكرية عشائرية متخلفة فالأخ يرث أخيه حتى جاء الإنقلاب الأكبر في 17 تموز 1968 الذي رسخ الوجود البعثي في السياسة العراقية وخلق نظاما كان متأزما منذ أيامه الأولى بعمليات الغدر و الإنقلابات و صناعة الأعداء و تميز بإنجازاته التاريخية في توسيع السجون السرية و المقرات الإستخبارية و في تعدد الوجوه و الأسماء و التيارات المتصارعة على السلطة و عاش العراق في توتر دموي و أمني شامل حتى لحظة إنفراد الحلقة الأكثر فاشية و دموية في حزب البعث ممثلة بجماعة وخط صدام حسين بعد الإنقضاض الدموي على السلطة في 16 تموز / يوليو 1979 ليدخل العراق واحدا من أكبر أنفاقه التاريخية التي لم يخرج منها إلا بعد دخول دبابات المارينز لبغداد و التي أنهت فصلا دمويا شديد القتامة لتشيد مرحلة دموية جديدة و لكنها مختلفة، إذ أنها وفرت المجال لأجيال جديدة من الذين عاشوا و تربوا في الحقب الماضية و تسربت الفاشية و القمع لدمائهم و حتى جيناتهم ليمارسوا الديمقراطية الوافدة مع الإحتلال بأسلوب بعثي قمعي إستئصالي و تلك هي المشكلة.. و لعل المشهد الدموي الأول في بواكير أيام الإحتلال و الذي تفوق في دمويته على كل المشاهد كان بروز التيارات الدينية و الطائفية المتشددة و الذي تجسد تحديدا في مدية النجف يوم التاسع من نيسان / إبريل 2003 حينما هجمت جموع هائجة و متوحشة لتفتك برجل الدين العراقي المنفتح المرحوم السيد عبد المجيد الخوئي و لتقطعه إربا!!
و أين؟ في ضريح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام!! وفي لقطة كربلائية حافلة بالغدر و الوحشية تعيدنا لذكريات معركة (الطف) و إستشهاد سيدنا الحسين عليه السلام و أهل بيته على يد الطغام الأجلاف و القتلة.. و كان خلف كربلاء الجديدة و العصرية شاب تثقف على قيم الفاشية و الوحشية حتى أدمنها وهو مقتدى الصدر الذي ظهرت سيرته و سطع نجمه وسط الأشلاء البشرية التي أمر أتباعه من ( فدائيي صدام ) السابقين بتقطيعها!!، وقتها إختلطت كل الأمور وجرت مياه ودماء عديدة تحت كل الجسور، وذهبت دماء السيد الخوئي و رفاقه هدرا مستباحا في لجة الفوضى بعد أن طبقت شهرة مقتدى الصدر الآفاق و حاول إظهار نفسه بصفة المقاوم للإحتلال وهو الذي كان خانعا في بلاط الفاشية البعثية الراحلة بل كان من مؤيديها، و طبعا في بلد متخلف كالعراق لا قيمة للقانون فالقاضي ( رائد جوحي ) و لا أدري أين هو الآن كان قد أصدر مذكرة قضائية بإلقاء القبض على مقتدى الصدر و التحقيق معه بشأن جريمة مقتل السيد عبد المجيد الخوئي و رفاقه!! و لكن لم يتسن أبدا لأحد تنفيذ أمر إلقاء القبض لكون الصدر قد إكتسب ( العصمة )!!
و تحول ( لولي مقدس ) لا يمسه الباطل من أي إتجاه!! بل تحول لبطل قومي و ديني لا يشق له غبار و أستطاع بغوغائيته و مصالح الآخرين أن يحدث فتنة طائفية كبرى في الشارع العراقي بتأسيسه للنسخة الجديدة من تنظيم فدائئي صدام أو الجيش الشعبي و هو ( جيش المهدي ) الذي كانت له صولات وجولات دموية طائفية ساخنة و غيرها بعد تعميق الصراع الطائفي في العراق وحدثت مجازر يشرية بشعة ساهمت فيها مختلف الأطراف و تميز فيها أهل التيار الصدري الذين جعلوا من مقبرة ( النجف ) أكبر مقبرة في العالم!! ساحة حرب مع الدولة الجديدة الناشئة!! و برغم تلك الجرائم لم يحاسب مقتدى أحد بل ترك على راحته حتى تهريبه لإيران التي تبنته في النهاية لأنه يحقق مصالحها البعيدة المدى وحيث سحبته لمدينة ( قم ) ليتعلم و يتثقف و يتخرج بدورة سلق فقهية سريعة أشبه بالدورات البعثية السابقة لتخريج الضباط برتبة آية الله العظمى قريبا جدا!! رغم أن إمكانياته العقلية و الفقهية لا يمكن أن تصل لتلك الدرجة إلا بعد 500 عام! إلا أن للإيرانيين نظريتهم التاريخية في إعداد آية الله في أسبوع واحد فقط!! و عندما سيعود مقتدى ليملأها عدلا بعد أن ملئت ظلما و جورا و يكون إمام معصوم فلا بد من تعبيد الطريق لذلك؟ و كيف يكون التعبيد؟ عبر إشتراطه على الحكومة العراقية المخلعة أبوابها و الخائفة حتى الثمالة من عودة البعثيين بإطلاق سراح العديد من القتلة من جماعته الذين ينتظرون أحكام الإعدام التي أصدرتها عليهم محاكم عراقية محايدة و قانونية لثبوت جرائمهم الفظيعة في قتل الناس و التعدي على الممتلكات!!
وذلك شرط غريب يطرحه أحد آيات الله المفترضين و إن كان صناعة صينية سيئة المواصفات، فهل يريد آية الله العظمى مقتدى باشا الصدر مكافئة الإرهابيين و القتلة و المجرمين بدلا من محاسبتهم؟ و أي حكومة محترمة تدعي وصلا بسيادة دولة القانون يمكنها أن تتفاوض على هذا الملف أصلا؟ لقد أطلقت الحكومة العراقية سراح عددا من إرهابيي التيار الصدري في البصرة و غيرهم الكثير لإعتبارات سياسية محضة و كجزء من تسويات سياسية على حساب دماء العراقيين المهدورة على أعتاب الطبقة السياسية التعبانة الجديدة!، ولكن إطلاق سراح المحكومين بالإعدام فيه نهاية حقيقية لدولة القانون المفترضة، كما أن فيه جريمة كبرى بحق دماء العراقيين و أرزاقهم.. فهل سيطلق سراح القتلة و المجرمين من أجل مصالح سلطوية؟ هذا ما نتوقعه و ليس سواه.. لأن شعار ( ما ننطيها ) الذي رفعه نوري المالكي لا يسير إلا وفقا لذلك التوجه... فإبشروا يا عراقيين.. انهم قادمون ليحكموا و يتحكموا.. ألم نقل لكم أنها الديمقراطية الطائفية العراقية الرثة.....؟
dawoodalbasri@hotmail.com