إستراتيجيات منطقة الشرق الأوسط
بيتروس بيتروسيان
GMT 7:20:00 2009 السبت 21 نوفمبر
إن محاولة دراسة سياسة الدول، وسياسة الانظمة الحاكمة فيها، يستغرق الكثير من الوقت، فكل دولة لها سياستها الخاصة بها والتي تعمل على اساس المنطقة التي تتواجد فيها، وتحاول كل دولة على حداها وضع استراتيجية مختلفة في جميع المجالات لحمايتها من كافة الأخطار، مجمل هذه الخطط البعيدة المدى والقصيرة المدى، تعمل على التطوير من مستوى الدول وهي تشمل خطط اقتصادية وصناعية وثقافية وعلمية وعسكرية إلى ما هنالك من مجالات أخرى، واحتياجاتها وطرق الحفاظ عليها، وخلق طاقات بشرية من مواطنيها قادرة على قيادة دفة الأمور في المستقبل، بهدف الارتقاء بمستوى الحياة في البلاد وتخفيف حدة الطوارئ التي قد تحدث، والكثير من الدول قد تغطي خمسين عاما باستراتجياتها الوطنية أو أكثر.
بينما إذا حاولنا دراسة سياسة الدول في منطقة الشرق الاوسط، كم من الوقت سيستغرق فعل هذا؟. وهل هناك سياسة مختلفة او استراتيجية مختلفة تتبعها هذه الدول عن دول العالم؟.
لا أظن هذا، فلن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، لأن أغلب الدول في منطقتنا لا تملك استراتيجية اصلاً للعمل عليها، بل تعمل على أساس تنمية وتطوير مصالحها الشخصية والتي تنحصر في الفئة الحاكمة، مافيا الكبار في الشرق الأوسط. إلّا دولتين في المنطقة، وبالتأكيد ليستا بدول عربية، وليس من الصعب معرفة هاتين الدولتين!!! وهما الدولتان اللتان تعملان على مد نفوذهما شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، كما رأينا في الايام السابقة، والتي بدأت تؤثر سلبا على شعوب المنطقة بشكل واضح، وباعتقادي أننا في بداية الطريق أي بداية اللعبة." الله يجيرنا من الاعظم". سأترك للقارئ المحترم أن يجد الجواب بنفسه.
لنعود ونسأل أنفسنا، ما هي الإستراتيجية التي تعمل عليها أنظمتنا، هذا ما يهمنا.
في محاولة لمعرفة الحقيقة، يجد المواطن في اغلب الأحيان عواقب كثيرة تواجهه ومشاكل لا تنتهي، لان بعض أفراد المجتمع المتسلطين، يحاولون إبقاء الأمور غامضة للتغطية على أفعالهم الشنيعة والمشينة، ولهم دورهم في إضعاف المجتمع، فبقاء الشعب ضعيفاً، يبقي على نفوذهم وجبروتهم، ويمّكنهم من الإنفراد بالسلطة والتحكم بكل شيء، على عكس اغلب دول العالم.
سوف يقول الكثير إن الغرب هم السبب في بقائنا متخلفين، وأن السياسة الغربية والمؤامرة ضدنا من الأسباب الرئيسية في عدم تقدمنا. لن أدّعي أن هذا الأمر غير موجود، ولكن دعونا نتطرق قليلاً الى الأسباب الأخرى، وبرأي هي من الاسباب الرئيسية في عدم ترقينا الى مستوى دول العالم، ألا وهي، ماذا نريد نحنُ؟ ماذا يريد شعوبنا؟.
لماذا يعمل الشعب دائماً على ترديد القول الذي أصبح شعاراً، بأن الدول الغربية متآمرة علينا، لماذا لا يحاول الشعب نقد ذاته، واصلاح نفسه. فإن لم يكن قادراً على إصلاح نفسه في البداية والخروج من الهوس الذي يطارده، لن يستطيع التغلب على المؤامرات الآتية من الخارج.
سؤال بسيط، في البداية، هل يملك هذا الشعب حرية الكلام والتعبير عن رأيه وعما يريده في بلاده، وهل هو واثق من الأنطمة التي تحكمه، مشكلتنا اننا دائماً نبحث في المكان الخطأ والزمان الخطأ، وما نريده موجود بين ايدينا ولكننا لا نراه، أم نتعمد ألا نراه، سيبقى المجتمع خاضعاً لحكم القوي على الضعيف، وسيبقى القانون بين ايديهم، ايدي المتنفذين من عرابين المافيا في بلادنا، فهم القانون وأقوى منه، بل هم من يضعون القوانين ويسنوها حسب احتياجاتهم. فقد تحول مجتمعنا لوادي من الرمال المتحركة سقط فيه الشعب، ويصعب عليه اليوم الخروج منه، أم لا يريد الخروج منه، وقد تعود على الإهانة من السلاطين في البلاد، فالخوف قد عجعج داخل أرواحنا، وتعقيباً على هذا، فلم يذكر التاريخ من قبل قط أمثلة عن الحالة المرضية والخوف الذي يسيطرعلى مجتمعاتنا في الوقت الراهن من قبل الأنظمة المافياوية.
ومن هنا يأتي المرض الذي أصاب شعوب المنطقة، المرض الذي قد يقتل ويفتك بدون ترك آثار على أصحابه، بل يترك أثرأ، أثر الضعف والتخلف، نستطيع أن نسمي هذا المرض بانفصام الشخصية أو التقمص.
ففي حالة نادرة أصاب هذا المرض شعوب المنطقة كاملة، فلم يعد يعرف من هو، وماذا يريد، ولماذا يعيش، وما هي أهدافه، وما هو المطلوب منه، وماذا عليه أن يقدم، وبما يطالب، ومن يطالب، أو بشكل أوضح....ما هي حقوقه، وهل لديه حقوق....أم لا...هنا يكمن السؤال...معرفة هل هو حي أم لا؟.
شعب يبحث عن الحقيقة، وما هي الحقيقة، ومن يملك العصا السحرية لكشف الحقيقة، شعب قد غُلب على أمره، شعب يتنفس ولكنه لا يعيش، شعب يبحث عن الهواء ليستنشقه في غابة قد أكل النار كل شيء حتى الهواء أصبح اسودا، مجرد دخان يخنق، وجمر يحرق، حرموه من حقه في استنشاق الهواء، وقد يحرمونه من حقه في أن يكون إنسان.
نعود ونتكلم عن الحقيقة، الحقيقة الضائعة التي لم يكن لها يوماً مكان في مجتمعاتنا، الحقيقة التي إذا عرفتها، تعتبر في عداد الأموات، فهل نحتاج لمعرفة هذه الحقيقة، وهل هناك احد يذهب الى الموت بقدميه، ويرمي بنفسه في وادي من الرمال المتحركة؟
شعب يصارع نفسه من الداخل، والذي قد يموت ألف مرة في اليوم، ولكنه صامد، والذي يدهشني، هو الصمت، صمت هذا الشعب الذي لم يسكت يوما على الذل، وأتساءل مرارا وتكرارا ما هي القوة الخفية التي تسكته، وما الذي يختبئ وراء كل هذا الخوف، ما الذي يجعل شعبا بكامله يهاب الكلام ويصاب بهذا المرض، ويتقمص دوراً لا يحب أن يتقمصه، ولكنه فرض عليه وأصبح يتقن دور التقمص أكثر من غيره، أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم.
ماذا ينتظر هذا الشعب، سؤال محير؟؟؟.
هل يكفي فقط أن يتنفس هذا الشعب، ويكفي فقط أنه يعيش، وهل سينتظر العصا السحرية لتخلصه من العرّابين المتحكمين به، أم سياتي اليوم الذي سيستطيع الشعب الخروج من هذا الوادي، وادي الرمال المتحركة، ويكشف الحقيقة ويعيش بكرامة وحرية.
p.petrossian@gmail.com