إنهيار الحلم العربي تحت حوافر كرة القدم؟
داود البصري
GMT 5:30:00 2009 الثلائاء 24 نوفمبر
ما حصل من تداعيات مؤسفة و مرفوضة خلال و بعد المباريات التصفوية للوصول لنهائيات كاس العالم في كرة القدم في جنوب إفريقيا و التي جرت بين الفريقين المصري بطل إفريقيا ن و المنتخب الجزائري هو تعبير فج و مزعج عن هشاشة العلاقات العربية البينية.
و عن التراجع بل الإنحسار الكبير في المشاعر التضامنية القومية، وغلبة الروح الشوفينية و العنصرية و الإنانية، وسيادة الجهل و التخلف المفرط بكل نتائجه المأساوية المرعبة، لقد كان واضحا منذ ماقبل المباريات بأن مصائبا كانت على وشك الحدوث خصوصا في ظل التوافد المنفلت للجماهير المتحمسة و بالأخص من الطرف الجزائري التي كانت ترفع عقيرتها بشعارات حماسية باللغة الفرنسية و كان واضحا من لهجتها و إنطباعات وجوهها بإنها تضمر الشر و تريد تصعيد الموقف لآفاق و أبعاد تتجاوز كرة القدم بكثير و تصب في مجاري تنفيسية أخرى للإحباط و الفشل و اليأس خصوصا بعد الإشاعات المغرضة و التي للأسف لم ترد عليها السلطات الجزائرية عن مزاعم كاذبة لقتل مشجعين جزائريين في القاهرة و إن التوابيت الطائرة كانت تصل لمطار الجزائر!!
وهي إفتراءات إرهابية إعلامية لأنه بصراحة مهما كان الموقف فإنه لايمكن التصور أبدا بأن شعب مصر العربي ألأصيل هو في وارد إرتكاب مجازر بشعة بالطريقة التي ذكرتها بعض وسائل الإعلام؟
و يبدو أن السلطات الرياضية أو الإعلامية الجزائرية قد إستمرأت اللعبة و سكتت عن نفي الإشاعات الكارثية مما ولد إنطباعات و مشاعر حقيقية بالإنتقام القادم و بالرد الثأري وهي عملية مؤسفة للغاية خصوصا و إن فضيحة عدوان الجماهير الجزائرية لم تبق حبيسة شوارع الخرطوم فقط بل إمتدت للمنافي و المغتربات الأوروبية و حيث حالة الهروب الجماعي الشعبي الجزائرية بقوارب الموت نحو أوروبا تأخذ أبعادا واضحة لطبيعة الفشل و قيمه العدوانية، وشهدت شوارع باريس و مرسيليا و بروكسل و غيرها من المدن الأوروبية صيحات ثأر شعبية جزائرية عارمة ليس ضد من إنتهك حقوق و اموال الجزائريين و جعلهم أشبه بالصوماليين و العراقيين في الهروب من وطنهم بل ضد الجماهير المصرية، متناسين أن لعبة كرة القدم هي مجرد لعبة وليست ميدان حرب كما أنها بالقطع ليست محلا للتفاخر الثوري و الوطني و لا تستحق تلك القطعة الجلدية البائسة أبدا أن تفور من أجلها الدماء التي عمدت أيضا شوارع المدن الجزائرية بعد مباراة الخرطوم حيث قتل عدد من الجزائريين في مدن الجزائر بسبب الإحتفالات الصاخبة و حالة الجنون التي إنتابت الشارع الجزائري رغم أنه في النهاية و المحصلة لن يتجاوز حظ الفريق الجزائري في التصفيات النهائية الأدوار الأولى أبدا!!
أي أنها زوبعة في فنجان و يبدو أن السلطات الجزائرية سعيدة للغاية بما حصل من هوجة و من فوضى لإن ذلك عملية تشغل و تلهي الجماهير الغاضبة و اليائسة و الباحثة عن نصر و لو كان وهميا و بائسا ولم تتدخل الدبلوماسية الجزائرية التي كانت شهيرة في إطفاء الأزمات بحل الإشكالات مع مصر منذ البداية بل تركت التداعيات تعبر عن نفسها و تفرز أسوأ إفرازاتها الثقيلة النتنة المؤسفة.
لقد تم التجاوز للأسف على مكانة مصر و شعبها و دورها التاريخي و المضحي في نصرة الشعب الجزائري أيام حرب التحرير، و يبدو أن الأجيال الجديدة و الباحثة عن ذاتها الضائعة لم تقرأ التاريخ أبدا بعد أن فشلت السياسة التثقيفية الجزائرية في تعميم قيم الحق الصحيحة، لقد دفع الشعب المصري من دماء أبناءه و أرزاقهم جزءا من ثمن حرب التحرير من الإستعمار الفرنسي الذي خرج من الباب و عاد بأكثر قوة من الشباك، فكان إعلان الثورة الجزائرية من القاهرة التي دعمت الأحرار في شمال إفريقيا بدءا من المغرب وحيث إحتضنت ثوار الريف بزعامة زعيمهم الأسطوري الراحل السيد الأمير عبد الكريم الخطابي منذ أيام الملك فاروق ثم إحتضنت الإنطلاقة الأولى للثورة الجزائرية عام 1954 و التي كان العدوان الثلاثي على مصر أحد نتائجه و أسبابه في عام، 1956.
وكان الدعم المصري سخيا و مفتوحا بالمال و السلاح رغم قلة الإمكانيات و كان الحشد الإعلامي المصري وقتذاك سلاح الثورة الجزائرية ألأمضى، كما وقف أهل الفن المصري العربي الشامخ جنودا في معارك تحرير العالم العربي، أتذكر أن الأناشيد الوطنية العظمى التي كان الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب يؤلفها كم كانت تزرع الحماسة في العالم العربي المشتعل في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي، كان نشيد الوطن الأكبر الذي قالت كلماته في الشق المتعلق بالجزائر (وطني يا ثورة على إستعمارهم إملا جزايرك نار دمرهم لو نستشهد كلنا فيك صخر جبالنا راح يحاربهم)؟
لقد كانت أيام مجيدة أين منها حالة الجماهير اليوم وهي تعتدي على مصر العروبة التي ظلت رغم كل الظروف الصعبة و الإنتكاسات الحادة رمزا من رموز الثقافة و السياسة و الفن في العالم العربي رغم كل الخلافات المصطتعة و الزائلة، يقينا لا أحد و لا أي إستفزاز أو حتى جريمة يمكن أن يقلل من مكانة و هيبة مصر، و كما قال الرئيس السادات رحمه الله قائد العبور و النصر الكبير بأنه لا مصر بدون العرب و لا عرب بدون مصر، و لكن العبرة مما حصل هو أن الشباب العربي و خصوصا في بعض مناطق الشمال الإفريقي لا علاقة لهم أبدا بالثقافة العربية و لا بالتاريخ العربي و لا السياسة العربية و لا أي شيء من هذا القبيل.
كما فشلت المنظمات السياسية العربية الإستعراضية مثل ما يسمى بالمؤتمر القومي العربي و غيره من المنظمات في زرع بذرة واحدة من بذور البيانات الزاعقة التي ينشرونها إعلاميا و بشكل تهريجي و تسويقي، و تمكنت كرة جلدية و مطاطية حقيرة من الإطاحة بأوهام عديدة و اولها اوهام الحلم العربي الواحد الموحد الذي ذهب مع الريح و تلاشى في ضباب عقول راكبي زوارق الموت من الباحثين عن الإنتقام و المنتشين بمناظر الدم المراق، مصر و شعبها أكبر من التفاهات و الخزعبلات التي حدثت، و التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب العربي المصري على مذبح القضايا العربية لن يستطيع أي زاعق تجاوزه.
dawoodalbasri@hotmail.com