GMT 8:46:27 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

رأي

البرادعي.. مغامرة محفوفة بالمخاطر
فؤاد التوني

GMT 5:29:00 2009 الثلائاء 24 نوفمبر

".. أنا البرادعي يا رشدي ".. كانت هذه أشهر جملة في مسلسل بوليسي، أخرجه الراحل "حسام الدين مصطفى" في بداية الثمانينيات، وبالتحديد عام 1982 كان المسلسل يحمل اسم ".. وتوالت الأحداث عاصفة "، دارت أحداثه حول ضابط مباحث يدعى رشدي، جسده الفنان الراحل" عبد الله غيث" يبحث عن زعيم عصابة يهدد الأمن العام اسمه البرادعي، وجسد الدور حسن مصطفى، وحين تتجمع لدى الضابط خيوط تقود للقبض على زعيم العصابة، يكتشف أنه ليس هو المطلوب، ويظهر له البرادعي الحقيقي فقط عبر سماعة التليفون ليقول له الجملة المشهورة : أنا البرادعي يا رشدي.

ذكرني هذا المسلسل بمسلسل الفساد التي تغرق فيه مصر، والفاعل يبدو في الحقيقة مجهولا، وقد نشرت منظمة الشفافية العالمية تقريرها السنوي الذي احتلت فيه مصر مرتبة متدنية على مقياس مكافحة الفساد في العالم وتداعيات الكوارث التي ألمت بهذا الشعب لا تزال باقية، مع تردي الأوضاع في كافة مناحي الحياة.

 بعد ثلاثة عقود تظهر شخصية البرادعي من جديد، لكن هذه المرة تختلف طبيعة الشخصية.. إنه دبلوماسي دولي مرموق، يشغل منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومقرها فيبنا، ليفجر قنبلة بإعلانه أنه يدرس إمكانية الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية في مصر، بشرط وجود ضمانات مكتوبة بنزاهة العملية الانتخابية.

والرجل يعلم أكثر من غيره أن تغيير الدستور أو تقديم تعهدات مكتوبة بنزاهة الانتخابات أمر مستحيل، لكن يبدو أن إعلانه ليس أكثر من بالونة اختبار فهو يريد أن يضغط على أعصاب النظام، أو ربما يريد الضغط دوليا من أجل إعادة النظر في التعديلات الدستورية الأخيرة.

هذا الإعلان أثار جدالا واسعا على الساحة السياسية المصرية، بعد أن رحب قطاع واسع من النخبة بهذه الخطوة، ربما لأنه شخصية مستقلة، خارج المشهد الحزبي العقيم حاليا، وبعد أن نجح النظام الحاكم في الإطاحة بأي شخصية قد تحظى بإجماع وطني، مثل: الراحل محمد عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع السابق، والأمين العام الحالي للجامعة العربية عمرو موسى الذي انتقل من الخارجية إلى موقعه الحالي كأمين عام جامعه الدول العربية، والذي عندما سأله أحد الصحفيين عن أسباب إبعاده، قال له: اسأل شعبان عبد الرحيم.
هكذا نجح النظام في القضاء على أي أمل في بزوغ نجم سياسي سواء داخل الأحزاب أو خارجها يصل إلى قلوب وعقول المصريين ببرنامج واقعي، يخرج مصر من حالة التردي التي وصلت إليها، وباتت الأحزاب والبرلمان مجرد ديكور لتجميل الوجه القبيح لنظام فشل في نقل مصر إلى مصاف الدول المتقدمة، تماما كما فشل في إعلاء مكانة مصر لتقود العالم العربي، لا أن تكون مجرد رقم ضمن الاثنتين وعشرين دولة فتراجعت مكانتها، وجاء آخرون من خارج البيت العربي لملء الفراغ، مثل: تركيا وإيران وللأسف إسرائيل.
وإذا كان إعلان البرادعي رسالة محرجة للنظام الحاكم أمام العالم، فإنه لا يعبر عن جدية واضحة، لأن الوضع الدستوري الحالي لا يسمح لمرشح حزبي أو مستقل بخوض الانتخابات، بسبب الشروط التي لا تتوافر إلا في ثلاثة أحزاب فقط، هي: التجمع، الوفد والناصري.


حزب التجمع يرى أن القضية الجوهرية هي إجراء تعديلات دستورية في اتجاه التحول إلى ديمقراطية برلمانية، وأنه في ظل الأوضاع الدستورية الحالية لا جدوى من ترشيح أي شخصية، في حين قال أحمد حسين أمين عام الحزب الناصري:( إن حزبه لا يعطي موافقته لمرشح "على بياض " قبل أن يطرح برنامجه في حل قضايا المجتمع وإدارة العلاقات الخارجية) مشيرا إلى انه لم يعرف عن البرادعي اهتمامه بالشأن الداخلي، أما حزب الوفد فإنه غير متحمس لـ(لبرادعي)على الرغم من أنه ينتمي لأسرة وفدية، وكان والده مصطفى البرادعي نقيبا للمحامين، أماّ محمود أباظة رئيس حزب الوفد فقد قال:" بإمكان البرادعي أو عمرو موسى أن يخوضا الانتخابات كمستقلين".
 
أيّا كان الأمر، فان إعلان البرادعي يؤكد من جديد أن التعديلات الدستورية الأخيرة تحتاج إلى إعادة نظر، لكن يبدو أن هذا الأمر بعيد المنال، فقد رفض الرئيس مبارك في اجتماعه الأخير بالهيئة البرلمانية للحزب الوطني أي تعديلات للدستور، مشيرا إلى:" أن من يطالبون بذلك لهم أهداف أخرى".

 لكن على أي حال فان طرح اسم البرادعي في بورصة التوقعات باحتمال ترشحه للرئاسة، أعاد تقسيم الحياة السياسية والحزبية من جديد إلى قوى داخل النظام وأخرى خارجه، أما القوى الأولى فتضم الحزب الوطني والأحزاب الشرعية ماعدا تنظيم الإخوان المسلمون الذي تنظر إليه الحكومة كجماعة محظورة، والقوى الأخرى هي: القوة الجديدة مثل الأحزاب التي لا تزال تحت التأسيس كحزب الوسط والكرامة وصحف مستقلة ومدونين وكتاب مستقلين.


القوى الأولى لم تتحمس بالطبع للبرادعي، فقد أعلن الدكتور مصطفي الفقي، نائب برلماني عن الحزب الوطني رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب: أن قدرات الرجل ومؤهلاته جيده لكنه يحتاج إلى التوافق مع الدستور حتى يتمكن من الترشح للرئاسة، ولأن ذلك الأمر مستحيل فإنه يمكن أن يحتل موقعا أخر كوزير للخارجية، واعتقد أن ترشحه للرئاسة ليس مستحيلا إذا وافق عليه الحزب الوطني، لأنه هو الحزب الوحيد القادر على ضمان نجاحه.


القوى الأخرى تحمست له بالرغم من عدم قدرتها على ضمان نجاحه، وإن كانوا يرون أنه الأنسب لتولي الرئاسة لفترة انتقالية، تخرج فيها البلاد من النفق المظلم، وتدخل مرحلة جديدة، إذن الحزب الذي يمكن أن يترشح على قائمته البرادعي لا وجود له، وبالتالي سيعتمد على القوى الجديدة الواقعة خارج النظام.


رهان البرادعي على قوى ليست قادرة على تأمين نجاحه، رهان خاسر ففي هذه الحالة سيخوض معركة انتخابية نتائجها محسومة لمصلحة مرشح الحزب الوطني، وهذا سيخصم من رصيد الرجل وبالتالي تصوير البرادعي على أنه مرشح الجماهير يدخل في باب الأوهام، لأن الجماهير مشغولة بأشياء أخرى، كالصراع الدائر بين مصر والجزائر بسبب مباراة كرة قدم أكثر من اهتمامها بمسألة الرئيس المقبل، ثم الانشغال بالمشاكل الحياتية اليومية، ولم يحدث في مصر أن الجماهير اختارت الرئيس فالجماهير مغيبة لأسباب كثيرة، وبات الأمر يقتصر على نخبة، وبات الاختيار في نطاق محدود، وهو ما يعول عليه الحزب الوطني لطرح مرشحه.


إن طرح أسماء من العيار الثقيل كالبرادعي يفتح الباب أمام مرشح تتوافق عليه مؤسسات الدولة جميعها حكومة ومعارضة، ثم بعد ذلك تسعى إلى فرضه على الحزب الوطني الحاكم كمرشح في انتخابات 2011، أما طرح الرجل على مواقع الانترنت باعتباره مرشح الجماهير، فهو مجرد أماني لن تتحقق على أرض الواقع، وسيكون أثرها الوحيد حرق ورقة سياسي مرموق لمصلحة مشروع التوريث المقبل.


ما يدعو للأسف إن المشهد السياسي الحالي في مصر لا يبعث على التفاؤل وأن محتكري السلطة يرفضون أي مرشح من خارج الدائرة المقربة التي تريد الحفاظ على مصالحها، والنظام الحاكم يسعى قدر المستطاع إلى مزيد من غرس أقدامه في الحكم، بترديد نغمة أنه يسعى إلى الإصلاح وتحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي، والهدف كسب مزيد من الوقت لتمرير مشاريعه المستقبلية.


 (*) إعلامي مصري