المثقف والتغيير الأجتماعي
مهدي مجيد عبدالله
GMT 16:30:00 2009 الأحد 10 مايو
منذ غابر الازمان والانسان يطمح ان يكون يومه افضل من أمسه، وغده أفضل من يومه. وقد سعى وبذل كثيرا من الجهد لتحقيق أهدافه وسلك طرقاً وأتخذ وسائل توصله الى حياة الرفاهية والسعادة والطمأنينة، ومن جملة ما أدركه أن الوحدة والعزلة تقف عائقا أمامه،لذا ألتحق بأفراد أخرين مكونين أسرة، ثم جماعة، ثم عشيرة، ثم طائفة، ثم مجتمعا.
و(المجتمع ) عبارة عن تجمع عدد من الافراد والجماعات توجد لديهم أهداف وميول مشتركة، يسعون لتحقيقها. وهو لايبقى(أي المجتمع) على حالة واحدة، أو طور جامد لايعرف الحراك، بل يتطور عن طريق التغيير، تغيير طريق تفكير أعضائه نحو( المنطقية والعلمية )، والذي يؤدى فيما بعد الى تغييرات أخرى سواء كانت أقتصادية أم سياسية أم ثقافية....ألخ.
وهناك فئة في المجتمع تلعب دورا هاما في (عملية التغيير) الا وهي (فئة المثقفين)
وقد لف مصطلح المثقف جملة من الاشكاليات والخلط مع مصطلحات أخرى، (التعليم ) مثلا.حيث يطلق على أناس (متعلمين )، مصطلح (مثقفين)، وبالعكس.
ولتوضيح هذه الاشكالية نقول بأختصار :- بان (المثقف : هو الشخص ألذي يبدع ويختلق الجديد من الافكار و ذلك بعد أن تختمر المواد الفكرية، المكومة في خزانة تفكيره، من جراء السعي الدؤوب في مطالعة أفكار و أبداعات الاخرين.
والمتعلم :- (هو الشخص ألذي يردد ما يقوله ويكتبه الاخرين بدون أضفاء أي جديد ولايشترط في المثقف ان يكون حاصل على شهادة تعليمية،كما يزعم البعض.بل أن معظم العباقرة والمثقفين لم يكونوا محظوظين في دراستهم الاكاديمية، خذ مثلا ( محمد عبده، والشاعر الكردى قانع )،فهم لم يكونوا من ذوي اصحاب الشهادات الجامعية ومع ذلك استطاعوا ان يغيروا افكار مجتمعهم بكتاباتهم واشاعرهم النابعة من معرفتهم الواقع المجتمعي الذي يعيشونه ومن ثم نقده الذى أدى الى تغيره.
ولا يفوتنا ان نذكر باننا لا نعني بالتغيير، تغيير مادة الى اخرى، مثلا تغيير بيت من طين الى عمارة ذات (١٠٠) طابق، أو( سيارة سوبر) الى (هامر امريكية)،لأن هذا يسمى تطويرا.
فالتغيير الذي نقصده ونتبناه هو تغيير( أسلوب التفكير )، من متخلف الى متقدم، ومن هدّام ألى بنّاء، بحيث يصل الى مضمونه وشكله.
و(التغيير):- هو جعل حاضر شىء أفضل من ماضيه،وذلك عن طريق تبديل القواعد ألتي يجري عليها، وهو يشمل، السياسة،المجتمع،الاقتصاد،الجانب العلمي، الدين، الاخلاق.... ألخ.
والتغيير الذي نتناوله، هو( التغيير الاجتماعي) الذي يعد رأس التغييرات الاخرى.
وكما ذكرنا أنفاً، أن (فئة المثقفين ) تلعب دوراًهاما في ( عملية التغيير ) أذا ما قامت بمسؤليتها بصورة صحيحة.
فالمثقف يجب أن تكون لديه شخصية جبارة، ويكون مدققاً، وأهم من ذلك أن يكون في حالة تمرد شبه دائمة للوضع الراهن، فضلاً عن ان تكون الغاية من نشاطه هي أعلان شأن حرية الانسان من كل النواحي وهذا مما يجعل أبواب الابداع مفتوحةً أمامه (أي الانسان). في كل الجوانب مما يؤدى الى تحرر و تحرك تفكيره شياً فشيئاَ، الذي بدوره يجعل عملية التغيير مرنة و يسيرة.
ويجب ان يكون المثقف ممثلاً لمجتمعه، لكن ليس الغرض من تمثيلاته، قدرته على التعبير بفصاحة عن قضية أو فكرة ما للمجتمع، او تقديم حصانة ذاتية لنفسه او توفير مكانة مميزة. ولا يقصد بها في الدرجة الاولى توفير الخدمة في صفوف بيروقراطيات قوية ومع أرباب عمل كرماء، (فالتمثيلات الفكرية ) هي النشاط بعينه.
وقد أقترح الكاتب (جوليان بندا ) في كتابه الشهير (خيانة المثقفين ):- (أن على المثقفين التوقف عن التفكير من زاوية العواطف الجماعية، والتركيز بدل ذلك على القيم المتساوية، تلك القابلة على كل الامم والشعوب).
لذا يجب على المثقف ان يتحرر من القيود العنصرية والنعرات الطائفية، وان يتعود على تقبل أراء الاخرين وان كانت مخالفة لارائه.لان هذا يؤدي الى توليد افكار تؤدي الى التغيير ومن ثم التطور.
وكلام وكتابات المثقف يجب ان تتطغى عليها الواقعية لا الميتافيزيقية.ويجب ان تكون سلسة وسهلة يفهمها الشخص العادي قبل المتعلم، فضلا ان تكون دافعاً نحو تحريك مياه التفكير الراكدة، ولا تقدم أجوبة فقط بل تثير اسئلة ايضا.
ويجب أدراك ان (التغيير الاجتماعي) ألذي هو رأس التغييرات الاخرى،لا يأتي فجأةً أو صدفةً، لكنه يأتي نتيجةً لثوراتٍ ضخمة وتراكم تأريخي منطقي وعندما نقول بأن الغرب قد وصل الى مرحلةٍ متقدمة من الديمقراطية في حياته الاجتماعية.يجب أن ندرك بأنه بذل أربعة قرون حتى وصل الى ما وصل.
لذا يجب ان يعي المثقفون بأن مهمتهم شاقة ودربهم طويل، واستفادة المثقف من أفكار الغير شيئ محبذ، لكن استيرادها منبوذ،لانه لايؤدي الى الغرض المطلوب، وذلك لانها تخص مجتمعاً وبيئة مختلفه، عن بيئته ومجتمعه.
والاستفاد منها يكون بأستخلاص ما يناسب المجتمع ألذي يعيشهُ.
وبالتالي نستطيع القول بأن عملية التغيير الاجتماعي عملية شاقة وطويلة وتحتاج الى خبرة ونظرة ثاقبة لتمحيص الواقع وحل معضلاته.وعلى المثقف ان يفتت العقبات والعوائق التي تعترض طريقه الطويلة نحو هدم القديم المتخلف من الأفكار وبناء الجديد المتقدم منها على أنقاضه.
مهدي مجيد
كاتب كردي عراقي
Mahdy.majeed@yahoo.com