في عام 1971، وعندما کان شاه إيران محمد رضا بهلوي في اوج قوته، و يحظى بدعم امريکي غربي کبير، أقدم على إحتلال الجزر العربية طنب الکبرى و طنب الصغرى و ابو موسى ولم يتحرك المجتمع الدولي وقتئذ ضد عملية الاحتلال هذه سيما وأن الشاه کان قد خطط مسبقا لذلك الامر و ضمن دعم و اسناد الغرب الکامل له وحتى ان الاتحاد السوفياتي و المنظومة الشيوعية لم تحرك ساکنا لإعتبارات سياسية و اقتصادية محددة. الاحتلال الايراني لهذه الجزر يومئذ، لم يصطدم سوى برفض شعبي قوي له مع تحرك إعلامي محدد لدول عربية معينة من دون أن ترفق هذه الدول ذلك التحرك بخطوات سياسية و قانونية کي توثق القضية وتجعل لها غطائا قانونيا و دوليا من أجل العمل على إستعادتها او حتى العمل على تحريرها ان إقتضى الامر.
سقوط نظام الشاه و ذلك الفرح الغامر الذي عم الشارع العربي بمجئ نظام سياسي ديني يتظاهر بدعم و مساندة القضية الفلسطينية، دفع الاوساط الاعلامية و السياسية المختلفة في المنطقة الى الاعتقاد بأن ثمة تغيير جذري في الموقف الايراني حيال العرب و قضيتهم المرکزية(فلسطين)في طريقها الى التبلور، بل وقد بالغت العديد من القنوات الاعلامية العربية حين أکدت بأن النظام الايراني الجديد سوف يکون العامل المساعد الاکبر في تحرير فلسطين و ان يصبح الظهير الاقوى للعرب و رأس الحربة الموجهة لأعداء العرب و الاسلام، لکن هذا الفرح الغامر و هذه التصورات الاعلامية قد بدأت بالتلاشي و الاضمحلال مع مرور مدة غير طويلة على تسلم النظام الجديد لزمام الامور في إيران، حيث بان واضحا بأن النظام الجديد ليس فقط لم يبد استعداده للمفاوضة على إرجاع الجزر العربية الى دولة الامارات العربية المتحدة وانما بدأ أيضا بالعمل وفق سياسة تهدف الى زعزعة أمن و استقرار العديد من الدول العربية و رويدا رويدا طفقت الانباء تتداول تترى عن تدخلات إيرانية في هذه الدولة العربية و تلك وبدأت الاجواء بالتلبد من جديد بين العواصم العربية و طهران خصوصا وان النظام الجديد قد شدد على تمسکه بمبدأ تصدير الثورة وهو مايعني واقعيا التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى تحت ذرائع و حجج(دينية و طائفية)مرفوضة.
الامر المثير و النقطة الحساسة في القضية، أن نظام ولاية الفقيه في إيران، قد أضفى شرعية و قانونية على قضية إحتلال الجزر الثلاثة و هو بذلك قد أنجز تماما ماقد بدأ به الشاه سابقا، وهذه القضية التي صدمت المثقفين العرب و جانبا کبيرا من الشارع العربي، لکن وللاسف البالغ، فقد إنطلت الشعارات الثورية ذات البعدين(الديني و الطائفي)المبرمجين اساسا من أجل أهداف و أجندة خاصة على شرائح عديدة من الشارع العربي وحتى أن الامر قد بلغ حدا بحيث أعلنت اوساطا ثقافية و اعلامية و کتابا و مثقفين عرب بأن إثارة قضية إحتلال الجزر الثلاثة ليست في صالح العرب وانه مثلما لم تطرح في زمن الشاه فالافضل ان لاتطرح اليوم أيضا! وفي نهاية المطاف، فإن الموقف العربي قد تخلله شئ من التباين و الاختلاف رغم اننا واثقون تماما من أن الغالبية العظمى من الشارع العربي تقف ضد الاحتلال الايراني للجزر و تطالب بإستعادتها و إرجاعها لأصحابها الحقيقيين.
اننا نؤمن تماما، أن قضية الجزر الاماراتية المحتلة من جانب إيران، هي واحدة من القضايا العربية المهمة و الحساسة التي يجب العمل و التحرك الجدي من أجلها وعلى مختلف الاصعدة الرسمية و الشعبية و الاعلامية و الثقافية سيما وان عدم تحريك القضية و إسباغ بعد سياسي قانوني عليها فإن النظام الايراني سوف يقوم بإستغلال ذلك و يجعله مبررا لإضفاء الشرعية على إحتلاله لها، ومن هنا نجد من الضروري جدا أن يتم العمل الجدي من أجل جعل قضية احتلال الجزر العربية الثلاثة واحدة من الدعاوي الدولية الاخرى المرفوعة بوجه هذا النظام واننا نعتقد بأن الارضية ملائمة تماما للعمل بهذا الاتجاه و التنسيق مع المجتمع الدولي من أجل ذلك وکما تقوم أطرافا إقليمية و حتى دولية محددة بإستخدام و إستغلال بعض الاوراق من أجل الوصول الى أهداف و غايات محددة، فإننا نجد من المناسب جدا أن تتدارس الدول العربية هذا الامر فيما بينها و تجد السبل الکفيلة لها کي تصل الى هدفها المنشود. کما اننا نرى أيضا، ضرورة أن يتناغم ذلك مع تحرکات جماهيرية و شعبية عربية ولاسيما من جانب الجاليات العربية المتواجدة في الخارج وکذلك من قبل المنظمات و الاحزاب العربية المختلفة من أجل دعم الموقف الرسمي و تقويته و منحه بعدا جماهيريا و شعبيا ويجب على العرب العمل بکل حرص و جدية من أجل ذلك ولايجب أن ينخدعوا مرة أخرى بطنين الشعارات الايرانية الثورية البراقة التي طالت وتطال دوما آثارها و تداعياتها السلبية الدول العربية قبل غيرهم.
محمد علي الحسيني
*الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان.