كنا في القسم الأول من هذا المقال قد تعرضنا، إلى فكرة مفادها، أننا أمام حالة يمكن لنا تسميتهاquot; بالإشكالية المبنية على إشكاليةquot; بشكل أدق، وهذا ما يهمنا من هذه الموضوعة، هو تعامل المحيط مع النظم التي سميناها إشكالية، كالنظام في دمشق. ويصبح لدينا انطلاقا من هذا، تراكب إشكاليتينquot; إشكالية وجود واستمرار هذه النظم متداخلة مع إشكالية العالم المعاصر بالتعاطي معهاquot; عائلات مالكة من المحيط إلى الخليج، بعضها يحاول أن يكون فيه شيئا لمجتمعه، فيقوم بتأسيسات ذات بعد استراتيجي، للتخلص من هذه الإشكالية، مصر والمغرب والجزائر كنماذج، تحاول تخطي هذه العتبة نحو الديمقراطية و دولة القانون، رغم كل المصاعب، والفساد، والخروقات الأمنية والحقوقية. الآن لو أخذنا تعاطي المجتمع الدولي مع النظام في دمشق، سنجد أننا أمام حالة من اللاتعريف، وأمام حالة من أن إشكالية استمرار وجود هذا الشكل من العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، تجد لها موقعا ليس قليلا في تحديد طرق التعاطي مع هذا النظام. فتارة يريد الغرب مثلا أنظمة من طبيعة مؤسساتية، وتارة يناسبه تماما أنظمة من طبيعة شخصانية، فرد واحد يقرر نيابة عن ملايين، بلا صوت أو تمثيل من أي نوع كان! ويستطيع مثلا السيد ساركوزي، ومعه السيدة ميركل عقد أية صفقة من أي نوع كان، مع هكذا نوع من الأنظمة.

ولكن لنلاحظ أنهما لايستطيعان فعل نفس الشيء مع النظام الإيراني!لأنه نظام مبني على مؤسساتية، رغم الاختلاف حولها. يستطيع نظام كالنظام القطري مثلا أن يشتري صفقة أسلحة، لاتحتاجها قطر من فرنسا بقيمة ثمانين مليار دولار، بينما في إيران هذا الرقم بحاجة لمصادقة عدة مؤسسات أو لنسمها مراكز قوى. كما يتوهم ساركوزي بناء على هذه المعطيات، بأن يطلب من الرئيس الأسد التخلي عن إيران، هو مقتنع أن الرئيس الأسد، لو أراد لفعل ذلك دون أية عقبات داخلية، دون أن يعترض صوتا واحدا في سورية.

ومعه كذلك مدرسة الحزب الديمقراطي الأمريكي الجديدة، برعاية طاقم عمل السيد باراك أوباما، الذي يذهب إلى أفريقيا ويشرط تعاملاته ومعوناته، بتقدم الديمقراطية في هذه الدول الجائعة، أصبحت الديمقراطية في أفريقيا مطلبا ملحا، وفي الشرق الأوسط مطلبا إشكاليا! ولهذا هنالك من يرد، إن البلدان في الشرق الأوسط تحتاج لتدخل عسكري لكي تتحول نحو الديمقراطية، ويأتونك بالنموذج العراقي، ويقولون لكquot; هل تريد تدخلا عسكريا على غرار ما حدث في العراق، لأن بلدان الشرق الأوسط متماثلة على هذا الصعيد؟ فترتبك معك الأجوبة، ويجرك المصير العراقي، إلى خوف شديد على أبناء بلدك. فتقولquot; لاquot; ولا تكتفي بل يجب أن تعقبها بجملة مطلوبة في هذه المرحلةquot; بقاء هذه النظم أفضل من تدخل هالك ودموي كما حدث في العراقquot; وتستمر اللعبة، وتستمر الإشكالية، ويضيف لها الغرب إشكالية تعامله وفق معايير متعددة، مصالح وموازين قوى وإسرائيل كمحظية، غير شرعية أم شرعية لا يهم. في أفريقيا الديمقراطية مطلب رئيسي الآن، بينما في سورية، المطلب الرئيسي موجود كوديعة في إسرائيل، تشبه وديعة رابين. متى تخرج لا أحد يعرف. برلسكوني يركض كطفل صغير أمام ملك ملوك أفريقيا عندما استقبله في الشهر الفائت، وملك ملوك أفريقيا يستطيع دون أن يحاسبه أحد بعقد ما يريد من الصفقات مع إيطاليا، ويستطيع أن يحد من مشكلة اللاجئين الأفارقة وقتما يريد، لهذا قال لهم العقيد القذافيquot; عليكم أن تعيدوا لإفريقيا ما أخذتموه استعماريا، عندها سنوقف اللاجئين الأفارقة. كل هذه الأمثلة لكي نبين أن هذا التعاطي في الواقع أصبح جزء عضويا من إشكالية استمرار هذا النوع من النظم، والتي استطاعت أن تتأقلم مع وجودها الإشكالي، وتهضم ما يحدث من تغيرات في العالم، وتستطيع أيضا فرض موازين قوى جديدة، تجعل الغرب يغير من سياساته، وهذا ما يحدث في لبنان الآن. لو سألنا هل يحتاج لبنان إلى كل هذا الوقت من أجل تشكيل حكومة؟


لتعترف المعارضة السورية، أن النظام استطاع أن يحدث اختراق في الحصار الدولي المفروض عليه، وهذا تم قسرا وليس كرم أخلاق من السادة المقيمين في الإليزيه أو في البيت الأبيض. ولتسأل المعارضة كيف؟


التغير في ميزان القوى هذا أعاد المعارضة لنغمة الإصلاح بقيادة النظام نفسه، نعم إذا كنا نعي الإشكالية هذهquot; فنحن مع أن يصلح الفساد والقمع نفسهquot; دون أن نبحث عن تبريرات أخرى، بغض النظر عن إمكانية أو عدم إمكانية أن يقوم هذا الثنائي الخاص سوريا بإصلاح نفسه وبالتالي مجتمعه! اما في الجهة المقابلة، تجد أن هنالك أصرار عند أجنحة أخرى للمعارضة على موضوعة التغيير الديمقراطي السلمي، وتسألهم كيف؟ لا أجابات واضحة، وحلفاء ربما يكرهون الديمقراطية أكثر مما يكرهها النظام في دمشق. وتنظر إلى هذه الصورة من بعيد تجد عنوانا واحداquot; إشكالية المعارضة من إشكالية النظام نفسهquot; ويبدأ بعضنا في البحث عن مسارب للخروج من هذا الاختناقquot; البحث في الدين والدولة، البحث في تأصيل العلمانية، البحث في شرعية هذا الجناح من المعارضة وعدم شرعية غيره، وكله في الهواء سواء. وتستمر اللعبة، ويبقى المزمن مزمن في السلطة والمجتمع والمعارضة وأشكال تعاطي الغرب، كإدارات سياسية، وتبقى المحظية محظية.


من قال أن الأمر الإشكالي في حالتنا السورية مزعجا للعالم؟ هو مزعج فقط عندما يحاول تغيير ميزان القوى، وهذا ماحدث فعلا. عندها تركوا الإشكالية وتعاملوا مع القوة.
ليس نواحا ما نقوله بل هو حقيقة نزعم أنها تواجهنا منذ عام 1990 وانهيار جدار برلين، والدورة الغربية في التعاطي مع النظم الإشكالية في الشرق الأوسط نفسها.
منذ ذلك العام واستطاعت إسرائيل وإيران نقل الواقع السوري وملحقا به اللبناني لكي يبقى مسرحا مزمنا لأكثر من ثلاثين مليون كائن سوري ولبناني محكومون بالقوقعة*.
*رواية الصديق والرفيق أبو شادي مصطفى خليفة، كتبها عن تجربته في المعتقل السوري.

غسان المفلح