قبل أيام أعلن الكاتب المعروف،ضياء الشكرجي في مؤتمر صحفي في بغداد انبثاق تيار سياسي باسم (الائتلاف الديمقراطي) بصفته منسقه العام.لم يحظ مؤتمره الصحفي بالتغطية الإعلامية التي يستحقها في بحر إعلامي صاخب تحتكره الحيتان الكبيرة، يضم هذا التيار سبع تنظيمات سياسية،ومثقفين معروفين، بينهم الشيوعي سابقاً : عبد فيصل السهلاني،سبهان ملا جياد،د. أثير حداد، د. حامد الصراف، اللبرالي: أحمد البراك، والقومي: هادي المالكي. ومن مختلف القوميات و الأديان والطوائف،مؤكدين الطابع الوطني لهذا التيار وبعده عن التخندق القومي أو الطائفي!
لا أريد هنا مناقشة ما جاء بوثيقتي التيار الطافحتين بمشاريع وآمال كبيرة تقتضي وقفة طويلة،لكنني سأتناول موضوعة الديمقراطية التي طرحها التيار اسماً وطريقاً وهدفاً له!
فالديمقراطية التي تعني حكم الشعب لنفسه، هي اليوم الحاجة السياسية الأولى للعراقيين، ومن السذاجة والتبسيط القول أنها لا تصلح لهم،أو أنهم لا يستحقونها!
فالعراقيون هم أول من توصل إليها سابقين بذلك الإغريق بألفي سنة! يقول عالم السومريات صموئيل نوح كريمر أن ( أول برلمان عقد في العالم كان على أرض العراق القديم ) و( إن أول تجمع بمجلسين تشريعين حصل قبل أربعة آلاف وخمسمائة سنة في أرض ما بين النهرين وذلك لاتخاذ قرارات بشأن الحرب والسلم لكونهما الباعثتين للألم )!
بل إن العراقيين تجرأوا على السماء ونظموا شئونها فأسسوا مجلساً للآلهة برئيس يمنح الثواب والعقاب، فكان انعكاساً لمجلسهم الأرضي يمنحه القداسة والقوة والمنعة ولم تكن هذه النظرة غير العلمانية لتقلل من شأن ديمقراطيتهم التي كانت رغم بدائيتها فاعلة وملبية لحاجات الناس.
أطلق العراقيون نفحتهم الديمقراطية ولم تلبث الصراعات والحروب وملح الأرض وفيضاناتها وأوبئتها أن أجهزت على حضارتهم، إلا أن نفحتهم هذه بقيت تفعل في الأرواح والعقول على مر الأزمان والبلدان، حتى قيل أنها لم تكن غائبة أو مجهولة عن وعي فلاسفة أثينا، بناة أسس الديمقراطية في أوربا وأمريكا!
عاش العراق بعد فتحه من قبل المسلمين القادمين من الجزيرة العربية نمطاً من الديمقراطية الدينية البدوية الصحراوية، في الفترة الراشدية، ثم خضع في العهد الأموي والعباسي وحتى نهاية الحكم العثماني لأنماط من حكم الخلفاء والسلاطين المستبدين الذين اختصروا فهمهم للديمقراطية بآية ( وأمرهم شورى بينهم ) ثم اختصروا الآية نفسها بمستشارهم شيخ الإسلام متدثرين بادعائهم التفويض الإلهي!
لم يعرف العراق الديمقراطية الحديثة إلا مع دخول الإنجليز للعراق وقيام الحكم الوطني، أي أن العراق بدد حوالي أربعة آلاف وخمسمائة سنة ليلتقي بروحه الديمقراطية المفقودة وقد تراكم عليها الكثير من التراب، وداستها الكثير من سنابك الخيول!
كانت ديمقراطية ذلك العهد مصممة على الطريقة الإنجليزية المجربة: برلمان ودستور ومحكمة دستورية ومؤسسات مجتمع مدني وصحافة تتمتع بحرية معقولة وأحزاب في مقدمتها الحزب الوطني الديمقراطي الذي قاده كامل الجادرجي، وجريدته الأهالي، التف حولها الكثير من المبدعين والمثقفين، كل ذلك بمستوى يتناسب ودولة حديثة نهضت لتوها من رماد أربعمائة سنة من الحكم العثماني الأشد تخلفاً وقسوة في العالم، فكان من الطبيعي أن يشوبها تحريف وتزييف وتدخلات فظة من نوري السعيد والوصي تمثل بحل البرلمان مرة لأنه جاء بأربعة أو خمسة نواب يشك في ولائهم لأسس الدولة العراقية.
لكن أهم ما حققه النظام السياسي آنذاك هو إقامة اقتصاد حر وتأسيس مجلس الأعمار الذي كرس عوائد النفط للبناء والاستثمار، مرسخاً قاعدة للديمقراطية، إذا العلاقات البرجوازية كانت دائماً في أوربا وأمريكا الشبكة الحاملة والحارسة للديمقراطية، مثلما هي منتجة للرفاهية،فتكونت الطبقة المتوسطة وأخذت تتسع وتنتعش وتنتج حضارتها وثقافتها وشخصيتها المتميزة في الشرق الأوسط.
ولكن لعوامل شتى معقدة يطول شرحها الآن تحطم كل ذلك صبيحة 14 تموز 1958 تحت أقدام ضباط متهورين زجوا الجيش خارج واجبه الوطني،وفتحوا بذلك الطريق لعهود مضطربة رهيبة مهلكة طفحت بها دماء الناس ودموعهم تحت صراعاتهم فيما بينهم، ومع الأحزاب الشمولية المتذابحة هي الأخرى على السلطة : الشيوعي والبعثي والقومي والديني، مختلطة بالنزاعات القومية والطائفية المستورة والمعلنة!
كان من أخطر نتائج هذا الجحيم العام تمزق الطبقة المتوسطة واضمحلالها وانهيار الصناعة الوطنية وخراب الزراعة وتدفق جموع هائلة من أبناء الريف إلى المدن مغيرين معالمها مغتربين عنها، وعن أنفسهم، وبذلك محيت من ذاكرة الناس أية ومضة للديمقراطية بل صار من يذكرها أو يطالب بها يوصم بالميل للعالم الغربي، وقد يعدم بتهمة العمالة!
فطغى في تلك العهود الثورية البوليسية حديث السوء عن الديمقراطية فسخروا منها وسموا برلمانها ببرلمان (موافج )، ناسين أو جاهلين أن بقايا القوانين والمشاريع الرائعة التي ينعمون بها قد أقرت تحت قبته ( الكثير من المشاريع التي نفذها قاسم في مضمار الطرق والجسور والسكن هي من مشاريع مجلس الإعمار الملكي بما فيها مشروع قناة الجيش وبناية مدينة الطب! )
بل إن الحزبين الشموليين الشيوعي و البعث ادعيا أنهما ممثلا الديمقراطية في العراق، فالأول ظل يعتبر نفسه مرجعاً للديمقراطية وقواها الغائبة أو الهلامية، بينما في صلب عقيدته دكتاتورية البروليتاريا! والثاني مارس الحكم بطريقته الدموية الوحشية المعروفة وأدعى أن قائده انتخب من الشعب بنسبة 99،99%!
في أوساط المعارضة في المنافي تكون تنظيم سمي بالحركة الملكية الدستورية وكان راعياً له علي بن الحسين وهو من أحفاد الأسرة المالكة العراقية،ورغم أن اسم هذا التنظيم ارتبط بالدستور،لكنه بدا مكافحاً من أجل عودة الملكية نظاماً لحكم العراق أكثر من اهتمامه بمسألة الدستور أو الديمقراطية، وفي السنوات الأخيرة اختفى ذكر هذا التنظيم أو راعيه، ولا يعرف إن كان قد حل نفسه، أم أنه ينتظر فرصة مناسبة للظهور!
كانت العودة الحقيقية ثانية للديمقراطية على يد الأجنبي أيضاً،وذلك بعد 9 نيسان 2003
( تذكرنا قصة العراقيين مع الديمقراطية بقصتهم مع النفط، فهم أول من وضع أسسها ثم أفلسوا منها، وهم من أوائل منتجي النفط في العالم وهم اليوم مفلسون منه تقريباً )
ومعروف كيف وضع بول بريمر ( كما وضعت قبله المسز بل ) لبنات البناء الديمقراطي وكيف راح يجرع الجسد العراقي المريض أدويته الصحيحة والفاسدة، حتى قامت أهم ركائزه وهياكله الرئيسية!
البناء الديمقراطي اليوم ينوء تحت ثقل أمراضه : الطائفية والمحاصصة والاحتراب القومي الخفي،والفساد والإرهاب والتدخلات الخارجية فبنزف كل حسناته تقريباً،ويستحيل إلى كيان ثقيل يجعل الكثيرين يتبرمون منه ويستثقلونه بل يقاطعونه ويفضلون عليه حكم الفرد أو ما يسمونه (المستبد العادل). من هنا تنشأ أهمية قيام تيار أو تنظيم ديمقراطي جديد يعيد الثقة للناس بالديمقراطية،ويناضل من أجل تحقيقها وفق أسسها وقيمها الصحيحة!
قام نصير الجادرجي قبل سنوات بتشكيل التيار الوطني الديمقراطي،في محاولة لاستعادة الحزب القديم، لكنه لم يستطع استعادة الهالة التي كانت له مع كاريزما الجادرجي الأب، وبدا كأنه إنتيكة قديمة في ديكورشن الوضع العراقي القائم، لا غصناً أو فرعاً مورقاً من ذات الجذع الديمقراطي القديم المحترق!
ثمة أجيال من الشيوخ والكهول ممن عاشوا التجربة الديمقراطية في العهد الملكي يأخذهم اليوم حنين وشجن لأيامها المترعة بالضياء وبالغصص والغبار أيضاً،وثمة أجيال من الرجال والشباب يأخذهم تطلع وأمل إلى ديمقراطية حرة حقيقية سمعوا عنها كثيراً ولم يروها، وفي كلا الحالين هناك حاجة ماسة لتنظيم يتولى التعريف بها ونشرها والعمل الجاد والحضاري من أجل تحقيقها!
إطلالة (الإتلاف الديمقراطي) وبهذا التجمع الكبير نسبياً، والحامل لتجارب حزبية وشخصية متنوعة ومشبعة بثقافة سياسية وفكرية عالية،يحي الأمل بأن ثمة طليعة عراقية تريد حمل مشعل الديمقراطية اللبرالية في العراق من جديد!
أن يكون هذا الإتلاف جديراً بضم الماضي الديمقراطي لحاضره ومستقبله، ذلك يتوقف على نضاله وحضوره وعمله الدؤوب والجاد في ساحة العمل السياسي العراقي الصعب والمعقد!
أن يكون هو البؤرة المضيئة المشبعة لحنين الناس إلى الزمن الديمقراطي الضارب في القدم في أعماق التاريخ والملبي لطموحات الشباب في الديمقراطية ذلك يتوقف على تمسكه بثوابته الوطنية والفلسفية التي طرحها في ميثاقه وبرنامجه، وحسن عمله وتصرفه!
هناك فرصة هائلة أمام تيار أو تجمع وطني يتمثل الديمقراطية لا كادعاء أو كهم جانبي كما لدي الأحزاب الحاكمة، بل كقضية مركزية هي صلب قوامه التنظيمي والفكري، ربما يريد هذا الإتلاف أن يمنح الناس هذا الأمل،ربما يريد من الناس أن تمنحه فرصة لتحقيق هذا الأمل، لا فرق، لتنطلق الخطى! إنه امتحان عسير فقد يتسع هذا التيار ويصير نهراً تزهر على جانبيه أغصان الديمقراطية، وقد يضيق بنفسه ومبادئه فيضمحل ويغور كسابقيه في الرمال!