محمد عبيدو من دمشق: شهدت الساحة السينمائية في سورية نشاطا ملحوظا ومتنوعا، تمثّل بمجموعة من الأفلام السورية الجديدة المتميزة شارك في إنتاجها القطاعان العام والخاص وبعض الجهات المنتجة العربية والأجنبية، حيث تم في المؤسسة العامة للسينما بإنتاج أفلام "حسيبة" لريمون بطرس،
و"سبع دقائق على منتصف الليل" الفيلم الروائي الطويل الأول لوليد حريب.. وفيلم ماهر كدو "دمشق يا بسمة الحزن" عن رواية الأديبة الراحلة ألفة الأدلبي، وفيلم لعبد اللطيف عبد الحميد بعنوان "أيام الضجر". وفي القطاع الخاص قدم حاتم علي فيلميه "سيلينا" و"الليل الطويل".
فيلم "حسيبة" الروائي الرابع للمخرج ريمون بطرس عن رواية بالعنوان نفسه للروائي خيري الذهبي. وهو من إنتاج المؤسسة العامة للسينما في دمشق بالتعاون مع "موسفيلم" الروسية.
ويقدم فيه صورة إنسانية شاملة عن واقع العيش في دمشق القديمة، و تاريخاً مختلطاً من السياسة والحبّ والاجتماع، من خلال حسيبة، المناضلة في الجبل، والخاضعة للعنة القدر، والشاهدة على الخراب الإنساني والمجتمعي. تقاتل "حسيبة" إلى جانب والدها المجاهد" صياح" في الجبل ضد الفرنسيين، ولكنهما يضطران للعودة إلى دمشق بعد أن ينفض عقد الثورة، حيث يلتجأ الأب وابنته هناك إلى بيت قريبهما الشيخ "حمدان الجوقدار".
تتزوج حسيبة الشيخ حمدان ومعه تبدأ "الفتاة-المقاتلة" باكتشاف حياة تخص عالمها الأنثوي لم تعرفه من قبل في الجبل إلى جانب المقاتلين الرجال، لكن علاقتها بالرجال سرعان ما تدخل في دوائر الفقد والفجيعة، فالأب يغادر تحت جنح الظلام ليقاتل في فلسطين، والزوج سرعان ما يموت، بعد أن تنجب منه ابنة، وحسرة بموت ثلاثة مواليد ذكور ما أن يولدوا حتى يموتوا...هكذا يغيب الرجال من حياة "حسيبة" لتجد نفسها وحيدة مع ابنتها "زينب" في مشوار حياة محفوف بالمخاطر والقصص و اللقاءات غير المنتظرة وهواجس النجاح وإثبات الذات. إلى جانب حسيبة، سيكون هناك قصص لنساء أخريات "خالدية، مريم، وداد"، هن مثلها مفجوعات برجالهن ونار الفقد، وحيدات يبحثن عن معنى حقيقي لوجودهن. وتبرز شخصية خالدية كوجه من وجوه النساء التي تمردت جسديا أو جنسيا على الرجال رغم أنها تزوجت أكثر من مرة، وعوقبت معاقبة قاسية، وكانت فنانة تطريز، وهو الفن الوحيد الذي كان يسمح للمرأة أن تقدمه أو تمارسه في وقت سابق ويكون موتها محملا بالمأساة والجمال اذ تنقلب عليها اصص الورود التي تملأ منزلها لتغطي جسدها الميت .
إن الفيلم، كما الرواية المأخوذ عنها، يحتفي بالمكان بوصفه البطل الأول في الفيلم ومن خلاله سيسرد ريمون بطرس أحداث شخوصه في الفيلم ابتداء من السيناريو الذي كتبه عن الرواية، انتهاء برؤيته البصرية الخاصة لها. إن الفيلم أقرب ما يكون إلى المرثية، فهو مرثية لحياتنا حاول فيه ريمون بطرس أن يقدم عبر سرد بصري مدهش الوجه النسائي في محاولة الخروج من هذا التاريخ المرعب، و التقط المرأة السورية، وبالتالي العربية، في حالاتها الحادة تماما وكيفية الخروج من تلك الأزمة التاريخية، وقد اشترك في تمثيل "حسيبة" الفنانة سلاف فواخرجي في اداء مدهش، يصاحبها جيانا عيد، وطلحت حمدي، وسليم صبري، ومانيا نبواني، وعامر علي، وصالح الحايك، وكاميليا بطرس. والفيلم من تصوير جورج لطفي الخوري، ومونتاج محمد علي المالح، ومدته 135 دقيقة.
وتدور احداث فيلم "أيام الضجر" الفيلم الثامن للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد و تمثيل: أحمد الأحمد - ريم زينو - معن عبد الحق في عام 1958 وعندما كانت مصر وسورية تواصلان الاحتفال بقيام الوحدة بينهما "وقع اتفاق الوحدة في 22 شباط/ فبراير" في ذلك العام، نزل بحارة الأسطول السادس
الأميركي في لبنان بطلب من رئيسه آنذاك كميل شمعون "25 تموز/يوليو"، فتم نقل الكثير من الأسر إلى قراها في الساحل، وانتقل الأطفال من أجواء الترقب والإثارة الطفولية التي كانت توحيها الجبهة بالنسبة لهم، إلى أجواء السكون في تلك القرى التي كانت بعيدة تماماً عن كثير من منجزات الحضارة! فضجر أربعة أولاد في الجولان السوري وتم ترحيلهم إلى شمال سورية فيما كانوا يأكلون البطاطا مع مرق البندورة في الظلام، و بين هذا و ذاك كان الأولاد يبدعون في قتل الضجر الذي ينتهك الأرواح وينتهي الفيلم بعودة الوالد العسكري وجهه ملفوف بالشاش الأبيض وقد فقد بصره ويده بانفجار لغم. وفقد قدرته على رؤية الأهل والمكان والحياة بأسرها، في لحظة مفعمة بالمأساة والمرارة!
لم تفقد رواية الكاتبة السورية ألفت الادلبي "دمشق يا بسمة الحزن" إغراءها بعد, ولا سيما أنها من أشهر الروايات السورية باحتفائها بالمكان "دمشق", وها هي تعود مجدداً لتكون مادة درامية حية, لفيلم سينمائي انجزه المخرج ماهر كدو. لخص الفيلم أوجاع المرأة الدمشقية في عشرينات القرن الماضي وحتى الأربعينات.
يلتقط الفيلم حياة عائلة دمشقية عاصرت أيام الانتداب الفرنسي في عشرينات القرن الماضي, حيث تتداخل تفاصيل حياة أفرادها الصغيرة مع الأحداث الكبرى, جاعلاً من العلاقات الداخلية للأسرة وتناقضات رؤى أفرادها تجاه الاحتلال الفرنسي, صورة مصغرة لمزاج الشارع السوري في تلك الفترة. واختلفت مواقف أفراد العائلة تجاه الاحتلال بين مؤيد للثورة وبين رافض لها لكن المخرج أيَّد خيار الثورة بمنحه شخصية سامي صفات لا يملكها إخوته كالنخوة والرجولة والأفكار التحررية.
في هذه العائلة ستبرز الفتاة صبرية "تؤديها كندا حنا" لتكون عصب الحكاية, وهي مبتداها ومنتهاها, تعيش تحولات المدينة وناسها في شخصها, وتلملم شتات متناقضاتها, لتكون سيرتها الشخصية سيرة للوطن بتصرف.
الفيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما, كتب السيناريو له محمود عبد الواحد, ومدير تصويره جورج لطفي الخوري, ومدير الانتاج فايز السيد أحمد, هندسة الصوت لحسام عيد, والديكور لبسام ابراهيم, مساعد المخرج شامل أميرلاي, وجسد الشخصيات: طلحت حمدي, صباح جزائري, مي سكاف, كندا حنا, فرزدق ديوب, ابراهيم عيسى, وسيم الرحبي, جابر جوخدار.
"سبع دقائق إلى منتصف الليل" وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج وليد حريب الذي سبق أن نالت أفلامه القصيرة العديد من الجوائز، الفيلم من تأليف حسن سامي يوسف وبطولة قصي خولي وندين سلامة، تمثيل: لمى إبراهيم، سعد لوستان، مأمون الفرخ، وسيم الغانم، حنان نايف، رجاء يوسف.. يروي الفيلم حكاية حب رومانسية بسيطة، تدور حول حب وزواج وحادثة تنغص على الرجل انسجامه مع المرأة التي أحبها.. إنها قصة عن الحب والموت وعن الاستجابة لضغوط الحياة واستحقاقاتها المختلفة. يقول المخرج حريب: موضوع الحب موضوع قديم متجدد، وأثير لدى الجمهور وصانعي الدراما في الأدب والسينما والتلفزيون، ونحاول في فيلم / سبع دقائق ونصف / طرح بعض القضايا الإنسانية الحميمة في العصر الراهن.
"سيلينا" يعيدنا للفيلم الاستعراضي
"هالة والملك" للأخوين عاصي ومنصور الرحباني، تمت افلمتها بعنوان "سيلينا" حاملة توقيع المخرج المتميز حاتم علي. من المؤكد ان الجمهور القادم لمشاهدة الفيلم، حمل بذاكرته المسرحية الرحبانية الخالدة التي عُرضت في 1967, وحضور فيروز الطاغي, غير ان "حاتم علي" العاشق للسينما والقادم من تجربة مهمة بمجال الدراما التلفزيونية, قام بأفلمة مميزة حملت بصمته الخاصة ورؤيتة السينمائية المتجدّدة, ليقدم فيلما فيه الكثير من المتعة والدراما والغناء والاستعراض والفن الجميل والرؤية السياسية الناقدة الحاملة كثيرا من الاسقاطات على الواقع العربي الحالي, جعلنا ننسى العمل المسرحي الاصلي مع دقائق الفيلم الاولى.
عندما تصاب الحياة بالعطب ويختل توازن علاقاتها, يضطر الانسان في حركة دفاع عن النفس الى اخفاء وجهه الحقيقي, وسجن نفسه في الكذب والخداع, والى عيش ازدواجية ثقيلة. وهو, حين يطول به السجن, يحن الى ان يشهر وجهه الثاني, وجهه الحقيقي, ويتوق الى الحرية, والى كل ما اضطر الى التخلي عنه لدى الضعف والاستسلام.
تبدأ الأحداث في مدينة "سيلينا" التي يسودها الجشع و الزيف و الظلم وغياب العدالة والتي عينت يوما واحدا في العام تحتفل فيه بعيد "الوجه الثاني"، فيضع أفراد الشعب أقنعة ليوم واحد ويقولون فيه ما يشاءون. الملك "جورج خبّاز الذي اضفى على الدور لمسة كوميدية ساخرة" يتذمر من كلام الشعب عنه وشتائمهم له ولنظام الحكم في هذا العيد , ويعلن لحاشيته عن ملله وسأمه, فيخترع عراف القصر "انطوان كرباج" كذبة يقدمها له بمثابة نبوءة بأنّه سيتزوّج أميرة ستزور المدينة في هذه الليلة. يقرّر الملك إلغاء الاحتفال . ويطلب الملك من الجميع أن ينزعوا أقنعتهم حتى يتمكن من معرفة الأميرة المقنّعة. وتأتي " هالة " ( ميريام فارس في اطلالتها السينمائية الاولى تخوض مغامرة صعبة نجحت بها وساعدها على ذلك صوتها الجميل واطلالتها اللطيفة امام الكاميرا ) الفتاة الفقيرة الى سيلينا لتبيع الأقنعة التي يلبسها الاهالي في عيد "الوجه الثاني" وقد تركها والدها (إيلي شويري ) ليبقى مع كأس السكر في "خمارة جورية" ويختلط الأمر على الأهالي، ويظنون أنّها الأميرة الموعودة فيأخذونها إلى القصر. تحاول إخبارهم بالحقيقة، لكنّ الناس يرفضون تصديقها. وحتى والدها "هب الريح" عندما يصحو من سكره ينكر ابوته لها امام حاشية الملك ظنا منه انه يعطيها السعادة والجاه بزواجها من الملك, فتقول له "رجاع سكار ورجاع بيي" ويجيبها "لا يا بنتي, لا ياهالة , ندهلك الغنى". وتتوالى الأحداث وترفض هالة الزواج بالملك، لانها ببساطة لا تحبه. وتعلن ذلك على الملأ. بينما يحاول أعضاء حاشيته إقناعها بذلك لإمرار صفقاتهم المشبوهة. الملك يتأثر على الدوام بالكلام الكاذب من جانب حاشيته ويصدقه باستثناء شخص وحيد هو شحاذ المملكة البسيط والفيلسوف الذي يصارح الملك بالحقيقة "جسّده ببراعة عالية وتجدد ابداعي الفنان القدير دريد لحّام ليلقي بظلاله في فضاءات الفيلم التعبيرية"، بعد ذلك، يتنكّر الملك بزيّ الشحّاد ليعرف موقف هالة الحقيقي. ونرى هنا استعارة سينمائية لطيفة من "سيرانيو ديبيرجيراك" و هالة صوت الحقيقة التي تقول لا, تعري"سيلينا" المليئة بالزيف والاكاذيب, وتعري المؤسسة الحاكمة ليكتشف الملك المفارقة الساخرة انه رغم كونه اداة البطش العليا هو ألعوبة بيد بطانته التي بنت له عالما من الأكاذيب كي تحافظ على مصالحها.
وبالدقائق الاخيرة من الفيلم يتبيّن أنّ الحكاية كلّها مجرد حلم أبصرته هالة وهي تنام في ساحة المدينة . يوقظها الشحاد ويصل ابوها ليأخذها. ولكن يعيدنا المخرج حاتم علي في اللقطة الاخيرة الى الواقع مع إلقاء القبض على الشاب المعارض "باسل الخياط" ونراه من نافذة السجن يلقي التحية بلمس قبعته على هالة العائدة مع ابيها لضيعتها درج اللوز, تماما كما في اول لقاء لهما في ساحة سيلينا. ليصنع لنا تماهيا حقيقيا بين الحلم والواقع.
وانجز المخرج حاتم علي ايضا فيلم "الليل الطويل" من تأليف المخرج هيثم حقي، ويتناول فيه ليلة طويلة يتم فيها إطلاق سراح ثلاثة من السجناء السياسيين من السجون السورية واستعداداتهم للخروج للعالم بعد سنوات طويلة قضوها خلف القضبان وردود أفعال عائلاتهم.
ويتناول الفيلم ليلتهم الطويلة بصمتها وصرخاتها، ويرصد حالة سياسية متشابكة حيث يتحكم الأمن في مصائر البشر بمن فيهم المثقفون والمبدعون.
Obado2@maktoob .com