|
البلد الصّغير كتاب رشا الأمير الصادر بالفرنسيّة: يروي للأطفال ومن يقرأ لهم ومعهم حكايات بلد يحتّج على مصيره
محمد الحمامصي: لا يشبه مولود رشا الأمير(البلد الصّغير)، الصادر حديثاً باللغة الفرنسية عن دار الجديد، ما عداه من كتب ومؤلفات قد تقع عين القارئ أو يده عليه. إنه قصة للصغار شكلاً و من المرجّح أن يشاركهم الكبار قراءتها. تروي رشا الأمير، صاحبة يوم الدين، الرواية التي أثارت يوم صدورها جدلاً لم يهدأ بعد لتناولها صعود الإسلام السياسي في مجتمعاتنا وذلك على لسان شيخ سنّي مبشّر بالفصل بين الدين والدنيا، تروي هذه المرّة و بخيال الأطفال وألوانهم ورسوماتهم ومفرداتهم حكاية بلد صغير " تمنّى الجغرافيون عدم رسمه على خرائطهم"؛ بلد يبدو من الخارج جنّة لكنه في الحقيقة جحيماً.تضع رشا الأمير إصبعها في الجرح، لا بل الجراح. تتحسسهم، تمحّص في أسبابهم كل ذلك بأسلوب خيالي، يمت الى الواقع بصلات كثيرة. وهي و إن اختارت ألا تسمي الأشياء بأسمائها، لا خوفاً أو تهرباً، إنما أرادت أن تخاطب الطفل الساخر النائم في كلّ إنسان.
تستحضر رشا الأمير من ذاكرتها أحداثاً عديدة، ترويها للصغار، والكبار على حد سواء بأسلوب شاعري ممتع. تحدثهم عن بلد صغير يضطر فيه أبناؤه ألبي، وثريّا، بطلا روايتها، وأترابهما الى الدراسة في أكثر من 20 كتاب تاريخ و10 لغات مختلفة، وهنا غمزة واضحة للفوضى السائدة، في بلاد كثيرة حين يصل الأمر إلى تقييم التاريخ والاستفادة من عبره. تخبرهم الكاتبة بين المزاح والجد كيف يتغنى بلدهم بأدبائه وأطبائه ومبدعيه وكيف يتحول مريضاً، واهناً، خائر القوى عندما يتعلق الأمر بتسديد حسابات البنك الدولي! تقصّ عليهم كيف ان ثقة بلدهم الكبيرة بنفسه لم تحل دون أن ينظر اليه جيرانه، الأقربون والأبعدون، بعين الشهوة وكيف أن عصا الساحرات ـ اللواتي سهرن على ولادته ـ لم تعد كافية لحمايته. تكلمهم عن بلد يعيش كل يوم بيومه، من دون أن يعي ما سيحمله القدر اليه غداً. وذات يوم تشتعل الحروب. حروب لا يفهم الصّغار قواعدها. حروب يتيقّن الناس كلّهم بأنهم تحت رحمتها، وأنهم لا يستطيعون الوقوف في وجه ما اعتقدوه قدر محتّم. واذا كان سكّان البلد الصّغير لم يستطيعوا أن يقولوا لا للحرب سابقاً، فإن الكاتبة عبر أبطال روايتها تقول لا للحرب. إذ تحمل رفوف العصافير البلد الصغير، في يوم من أيام استراحة المحاربين، وتحلّق به الى مكان آمن، بعيداً عن أهله وجيرانه، الذين اعتقد انه لا يستطيع أن يحيا يوماً بعيداً عنهم. الى مكان لا يستطيع أحد، سوى العصافير، بلوغه. يجد البلد الصغير نفسه كالعصفور المتروك وحده، أمام اختبار التحليق للمرة الاولى في حياته، بمنأى عن أمه وأبيه وجيرانه، فيما يأخذ الشك طريقه اليه مرات عديدة. صبيحة ذات يوم، يستفيق البلد الصغير على وقع سمفونية تنشدها له العصافير التي تحضر لتشاهده جميعها وهو يغرّد للمرة الأولى... يغرد بأجنحته ويشاهد النجوم كما ولم يسبق ان بدت له على هذا القدر من الجمال.
ليس مضمون القصة وأسلوب الكاتبة في ايصال ما أرادت ايصاله الى القارئ، وحدهما ما يميزان هذا الكتاب، فلا بد لمتصفحه من ان يتوقف عند الرسوم التصويرية التي ترافقه، والتي تتبدل ملامحها وألوانها ودلالاتها وتتغير تبعاً للمسار الذي تأخذه مجريات وأحداث القصة. تواكب ريشة دانيال قطار حبر رشا الأمير خطوة بخطوة، فتمتزج الكلمة باللوحة الفنية، في قالب ابداعي مثير للاهتمام. كذلك لا بد من الاشارة الى ان الاشراف الفني تولته رندة عبد الباقي. أحب خليل رامز سركيس ـ أحد أبرز الناثرين اللبنانيين كتاب البلد الصغير المصوّر ـ وهو بالمناسبة مترجم جان جاك روسو إلى العربية وصاحب مؤلفات تجمع بين الأدب الرفيع والتفكّر العميق، كتب يقول:" الأمير الصغير كتاب أنطوان دو سان إكزوبري مسقط رأسه الصّحراء وموطنه العالم، البلد الصغير كتاب رشا الأمير، مسقط رأسه العالم وموطنه لبنان". وأيّة شهادة أبلغ من هذه يا ترى؟ العالم إذن هو مسقط رأس بلد رشا الأمير الصغير أمّا موطنها، هي الروائية المقتدرة من عربيّتها وفرنسيّتها، فلغاتها الأنيقة ومواهبها المدهشة.
|