الفتى ذو الأوشام حين هم هذا الصباح بتنفيذ رغبته، لم يتلكأ أبدا عن موعد آخر يوم عمل له بنقود راتبه الأخير. العمل الذي يمقته سيتمم له رصيد الشهور العشرة المنصرمة ألفي دولار أميركي بدلا لعملية توديع أوشامه المتناثرة في أرجاء جسده.
كان قرارا صعبا.. هكذا أحس يوما بعد يوم لكنه اعتاد الفكرة مرغما، وجعل يمارس كل نهار طقوس توديع أوشامه المتشكلة فوق الذراعين والصدر والظهر والعنق والساق اليسرى تختلط بجلده وتطبع فوق امتداد شرايينه ألوانا وأشكالا تضاف إلى بشريته؛ صقر هنا.. قلب بسهم مدمى هناك.. أفعى برأسين.. نجمة.. جمجمة.. جملة يابانية أو صينية لا يفهمها أحد.. إمرأة عارية.. رمز ديني... وإسم حبيبته.
حبيبته التي انجدل اسمها بخط قلبه وانحفر في صدره يغطيه الشعر العشريني. لم يكن الأمر بحاجة إلى تذكر ذلك الصديق الذي لم يبق له غير ذكريات مرّة عن معاناته بعد حادث الإصطدام الشهير الذي جعل له عاهات متعددة في جسده وتفكيره بعد خروجه حيا وحيدا من السيارة المطحونة وسط أربعة أصحاب آخرين، ولم يكن كذلك بحاجة إلى شرب زجاجة فودكا كاملة تلك الليلة كي يتخذ قراره وينفذه بعد ذلك بشهور تحصيل المال اللازم للعملية. كل ما قد فكر فيه حبيبته.
أحبها وأراد الزواج بها دوما.. أراد أي فرصة لاقترابها وتقربها منه ولم يأبه إلاّ بها ولم يطلب أكثر من أن تكون معه؛ تكون له وحده.. هو لها حتما كذلك لكنّ التاريخ "الهيروغليفي" المحفور فوق جدران جسده لم يرق لأهلها الذين ممن يلعن "الواشم والموشوم".. الواشم مجهول لهم والموشوم أمامهم يريد الزواج بابنتهم.. وهم لن يزوجوها بملعون.. لا جدال بعدها فالنص واضح لذوي الألباب.
الفتى ذو الأوشام أضحى دونها بعد ليلة عذاب لايزرية في المستشفى.. أزالها جميعا تلك الليلة لأجلها ولأجله.. لأجل أن يكونا سويا ولا يمنعهما شيء عن ذلك مهما كان عزيزا قبلها.
ذهبت الأوشام إلى غير رجعة ولم تبق بعدها أكثر من آثار تشبه إلى حد بعيد الحروق القديمة حيث لا يمكن أن ينبت الشعر مكانها أبدا.. لكن أهل الفتاة لم يقبلوا مجددا طلبه... فالمرة الأولى أيضا لم تكن تتعلق بأوشامه.