سألنا عن الأسباب..
اتساع دائرة الجنس في الشعرية العربية
محمد الحمامصي: تحتفي التجربة الشعرية لدي الأجيال الجديدة خاصة بالجنس حتى لا يكاد يخلو ديوانا شعريا من هذا الاحتفاء بل ربما تقوم تجربة ديوان كامل علي تجليات العلاقة الجنسية؟ بالطبع التجربة الجنسية ومعالجتها شعريا لا غبار عليه لكن مساحتها وجرأتها وترسخها في التجربة الشعرية العربية الآن ومنذ السبعينيات في اتساع لافت، ودفعنا للتساؤل عن أسباب محددة أدت إلي ذلك؟ أم أن الأمر يبدو طبيعيا في سياق تطور التجربة والهم الإنساني الذاتي وانهيار كثير من المفاهيم الأيديولوجية وغياب هم عام وطبيعة العصر الذي يسيد بالجسد ويفاخر بعريه..
الشاعرة هدى حسين:
لا أعرف بالتحديد ماذا تعني بكلمة احتفاء، وكأنها حفلة مثلا أو تكريم لذكرى ميت! بصراحة أنا لا أرى أية كتابة إيروتيكية فعلية في شعرنا المصري الجديد، يبدو أننا أكثر تحفظا مما نظن، ربما أقل تحفظنا مما يطلب الواقع المنغلق المتأسلم منا أو ربما كانت كلمة quot;الاحتفاء بالجنسquot; هي سبة نعتتا بها أجيال سابقة خافت من تزعزع مركزها بظهورنا على الساحة لذا قررت بصورة تقليدية أن quot;تطعن البنت في شرفها لكي تبور! لكن من ناحية أخرى أرى أننا حاولنا قدر الإمكان في كتاباتنا معانقة أقرب الأشياء وأكثرها حميمية مثل ماكننا المفضلة والبشر المؤثرون فينا لحد الجنون وكذلك أجسادنا. نحن نتاج خيبة أملنا من الواقع المقرف الجاهل، نحتمي بجلودنا من قسوته كما يحتمي طفل صغير بأمه من معلم يضربة بدلا من ينمي قدراته... أجسادنا هي ما ظننا أننا نملكه، أننا يمكننا الرجوع إليه كوطن حميم ولصيق.أجسادنا المستهدفة في الحرب والسلم.. أجسادنا المقطوعة المختونة الممثل بها.. أجسادنا، الشيء الأكثر هامشية في واقع متزمت يدعو لتجاهلها أو تعذيبها، هي الأكثر هامشية في مجتمعنا تماما كما نحن الشعراء المجددون الأكثر هامشية. أجسادنا هي نحن، منبوذة ومهددة، محتقرة في سبيل الدفاع عن قضايا المفترض أنها أكبر. أجسادنا هي ذواتنا تتحرك، هي عمرنا وتاريخنا هي هويتنا نحملها على عاتقنا، هي اثمنا الذي نعاير به؟ وكأننا كان ينبغي أن نولد بلا ملامح؟ أو ربما كان سيصبح من الأفضل لمجتمع ظلامي كهذا أننا لم نكن لنولد اصلا
الشاعر سيد جودة:
أعتقد أن هناك سببين لهذه المساحة الآخذة في الاتساع في تناول الجنس في التجربة الشعرية في أعمال كثير من شعراء وشاعرات الأجيال الجديدة. السبب الأول هو هذا الانفتاح الثقافي الذي جعل أسباب التأثر والتأثير الفكري تحدث بشكل أسرع وأقوى، وعلى نطاق ٍ أوسع، وفتح أبواباً كانت مغلقة على مناطق مجهولة لم يدلف إليها الشعراء بمثل هذه الجرأة والوضوح من قبل. السبب الثاني هو أن هذا الانفتاح الثقافي صادف كبتاً فكرياً ونفسياً أصيب به المجتمع العربي لقرون عدة ظل خلالها ينفث عنه لماماً وبأشكال ٍ شتى. تصوير التجربة الجنسية ظاهرة نلاحظها أيضاً على الأدباء العرب الذين يكتبون بلغة غير عربية، ولا يقتصر الأمر على أدباء اللغة العربية فقط، فالثقافة الاجتماعية المتراكمة التي تشكل النص واحدة أياً كانت اللغة المستخدمة. وليس في التعبير عن الجنس كغريزة بشرية وتجربة إنسانية ما يشين، ففي الفن لا يكون للموضوع ما لكيفية تناوله من شأن وأهمية.
الشاعر اليمني علي جاحز رئيس تحرير موقع بيت الشعر اليمني:
أعتقد أن هذه مجرد ظاهرة شبابية تتخلق بشكل طبيعي في مناخ التجربة الجديدة و التي تكون غالبا في مراحل البدايات الشعرية و التجريبية لكن عندما يصل الشاعر إلى مرحلة النضج فإنه يبحث عن أفق أوسع و فضاءات ذات خصوصية.. و ينتقل الشاعر من هذه المرحلة تلقائيا عندما يبدأ بالنظر إلى جوهر الشعر بجدية و يتطلع إلى خوض غمار الجديد و الأجد ليصل إلى صوته الخاص الذي يعبر عنه و عن محيطه و ما يعانيه في ذاتيته أو خارجها.. لذا فإن مرحلة التهويم في سماء التعشق و استلهام صور أو تعابير جنسية هي مرحلة لابد لأغلب الشعراء أن يخوضوها و بالذات في ظل وجود مظاهر عصرية تجعل الشاعر يكون أقرب إلى الجنس كدلالة و صورة قريبة و ملموسة فعلا.. لكن كما قلت سرعان مايصل الشاعر إلى قناعات جديدة و رؤى و دلالات أعمق و أوسع..
الشاعر شريف الشافعي:
المعيار الذي يقضي باستساغة الجنس في تجربة شعرية، ويحكم بالنفور بل بالتقزز من الفعل الجنسي في تجربة أخرى، يتعلق في الأساس بتفهّم الشاعر للجنس، وكيفية معالجته فنيَّا، لا بحضور الجنس في حد ذاته.
الجنس حاضر، شئنا أم أبينا، في الحياة، وحاضر بالضرورة في نص شعري متدفق، ينهل من حيوية الحياة، ليصب فيها. الجنس ليس حركة ميكانيكية خرساء، نُزعتْ من ميكانيزمها اللياقة. الجنس فعل جسدي، وأيضًا فعل من أفعال الروح، غيبوبة صدق مشترك بين رجل وامرأة، في لحظات تنحسر فيها الكلمات الرمادية المخادعة. الجنس بوتقة خصوبةٍ وتفتّح، للخروج مما هو كائن، طمعًا فيما سيكون. الجنس حاضر حاضر، في القديم وفي الجديد، حتى في الكتب المقدسة.
الاحتفاء بالجنس زاد، ربما، في النصوص الشعرية الحديثة، والأسباب تتعدد بتعدد التصورات والمفاهيم حول الجنس، وحول الأدب، وحول موقع الشاعر في الحياة. ناهيك عن أن الجنس ـ في واقعين: حقيقي وافتراضي ـ لم يعد حديث الغرف المغلقة، بعد أن أذابت الفضائيات والإنترنت كل الأسقف والجدران.
الجنس، كقشرة فجة، قد تتم ترجمته ـ كما لدى بعض الشاعرات على وجه الخصوص ـ إلى مشهد بورنوغرافي مباشر، يعكس عقدًا نفسية، ودعاوى ساذجة للتحرر الاجتماعي القائم على التعري..، هذا مثلاً منطق. الجنس، وأحيانًا الشذوذ، هو أخصب التابوهات، التي يمكن مغازلتها، لإثبات جرأة النص، وتجاوزه كل الأطر الجامدة..، هذا منطق آخر.
العالم الآن بلا طاقة روحية، والطاقة البديلة أكذوبة كبرى، ومن ثم فإن التلذذ بالجنس ـ بتقليصه في إطار الإشباع الجسدي ـ هو تكريس للمادي والحاضر والصريح والملموس، في مقابل المقدس والمجازي الزائلين..، هذا منطق ثالث. الجنس، هو الشرنقة الحريرية الوحيدة المتاحة، أو المنفى الاختياري الذي لا يوجد غيره، ليتم الفرار إليه من الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، في دول مقهورة مكبوتة، مبتورة الأطراف والآمال..، هذا منطق رابع.
كل شاعر، وكل تيار، قد يكون له منطقه في تفهم الجنس، وتبرير استحضاره، وكيفية تصويره في النص. لا أستطيع أن أترجم ألسنة الجميع بالطبع، فهناك مئات التصورات والمبررات، وبالطبع هي تصورات ومبررات متشابكة، غير منعزلة بعضها عن البعض في إطار التجربة الواحدة.
بالنسبة لي، أرى الأمور أكثر بساطة، فأنا شاعر أنطلق في كتابتي من الحياة مباشرة، خارج البلاغات والمفاهيم الجاهزة، وأرى كل عناصرها ومركباتها صالحة للتحقق، بل للتفجير، الشعري. الجنس علاقة خصبة، عميقة، تختصر مساحات شاسعة من حيوية الحياة. في الجنس، يتجلى الالتقاء الحميم بين الترابي والمائي والهوائي والناري، بين الطين والنور والنار. هذا هو الجنس الدينامي الذي أدركه، وأستشعره، ومن ثم أفجره ـ بطريقتي أنا وبدون أن أشبه أحدًا ـ على الصفحة البيضاء، التي تصلح لاتساع لحظات الحياة كلها، وتفجيرها فنيًّا بصدق، بلا زخرف ولا تعقيد ولا كليشيهات ذهنية ولغوية. الجنس لحظة استثنائية، خارقة، مدهشة، يجب أن ينجم عنها كل ما هو استثنائي، خارق، غير متوقع. الجنس كشف، واكتشاف، وشراب يقود إلى ظمأ، واطمئنان لا يخلو من قلق، وسؤال يتولد منه سؤال. الجنس دماء متجددة، وأبجدية تغير جلدها، حتى لو لم تتغير الأقلام والأحبار والأوراق.
الشاعر أحمد فضل شبلول:
لا يخلو ديوان الشعر العربي بعامة من التجارب الحسية ومنها الجنسية والخمريات والتغزل بالمذكر والغلمان وما إلى ذلك، وكان في معظمها تجارب فردية مثلما رأينا عند أبي نواس وغيره في عصور مختلفة. بل إن ألف ليلة وليلة بها مثل هذا، ولذا نلاحظ أن هناك من دعا إلى تنقية الليالي العربية من مثل هذه الأمور والأشياء والألفاظ والتعبيرات.
وفي العصر الحديث بدأت تنتشر مثل هذه الكتابات سواء في الشعر أو الرواية، وظهرت روايات عربية ومترجمة تتناول العملية الجنسية بطرق مختلفة مثل أعمال خليل حنا تادرس وغيره.
ثم بدأت تنتشر هذه الكتابات عبر قصيدة النثر بخاصة، على أيدي مجموعة من الشباب (فتيانا وفتيات)، ظنا منهم أنهم بذلك ينتصرون لحرية التعبير وحرية الفن. وأنهم يكسرون المألوف ويحطمون العادي أو السائد، وأنهم لا يعرفون يقينا سوى حدود أجسادهم أو أجسامهم ورغباتها ولذائذها أو ملذاتها، وأما ما دون ذلك فمشكوك فيه. لذا أصبح العالم بالنسبة لهم هو هذا الجسد ومن هنا كان عليهم اكتشافه وتهنينه وهدهدته والاستجابة لكل متطلباته، أو الكشف عن علاقة هذا الجسد بكل ما حوله داخل القفص والرغبة وخارجه في إطار أدبي، فالجسد هو الذات الشاعرة في مواجهة المجتمع والشاعر نفسه، وما عدا ذلك فلا وجود له، وساعدهم على ذلك دعاوى وكتابات فلسفية عربية وأجنبية تنظر إلى الأمر من نفس المنظور، بل هناك فنون أخرى تمتح من نفس البئر سواء في الفنون التشكيلية أو بعض الأفلام العارية، ووجود منظمات عالمية من الممكن أن تدافع عما ينشر تحت دعاوى حرية التعبير والكتابة والاعتقاد.
بطبيعة الحال لا يتفق الكثير مع هذه النظرة التي تخلق من الجسد عالما موازيا للوجود والحياة، أو اختصار الحياة في هذا الجسد.
الشاعر د.طلعت شاهين: في اعتقادي ان غياب القضايا الوطنية الكبرى وضع شباب الكتاب في مأزق حقيقي فلم يعد احد يتحدث عن قضايا التحرر من الاستعمار وغابت قضيتنا الرئيسية quot;فلسطينquot; عن الواجهة واصبح هؤلاء ضحية لثقافة النت والفضائيات العولمية فلم يعد امام هؤلاء سوى طريق من اثنين: إما التحول باتجاه الدين والتعصب لما هو مطروح منه، وبالمناسبة تحول الكثير من المثقفين القدامى إلى هذا الاتجاه ايضا واصبح الحديث والقراءات عن ابي هريرة اكثر من الحديث عن المتنبي او ادونيس، أما الطريق الثاني فهو الجنس، وبالطبع كان الجنس موجودا في كتابات جميع الاجيال من الشعراء ولكنه كان موظفا للوصول الى هدف معين تماما كالسياسة وحتى الدين بتوظيف رموزها لتحقيق هدف جمالي يكون في النهاية من اهداف الشعر السامية.
أما الجنس كما هو موجود الان فقد اصبح جنسا استهلاكيا لا وظيفة له ولا هدف سوى تغطية الفراغ القافي الذي يعيشه الشاعر او لتغطية عجز واقعي في اقامة علاقات جنسية في محيطة، وفي كلا الحالتين هو مجرد جنس منسوج لاثارة الغرائز اكثر منه لبناء جماليات جديدة في الشعر، وينسحب هذا الكلام حتى على ابداع الشاعرات من النساء لان الكل يدور في حلقة مفرغة، أي تعبير عن احباط ليس في مجال اقامة العلاقات الانسانية والجنسية فقط بل في مواجهة الحياة نفسها فتحول الكلام عن الجنس في الشعر تماما كالمخدر الذي يستنيم له الشاعر معتقدا انه حقق فتحا من خلال كلامه المباشر عن هذا الفعل الذي يدل على العجز عنه على الجمال.