GMT 21:00 2008 الأربعاء 26 مارس GMT 16:23 2008 الخميس 27 مارس  :آخر تحديث

مصطفى بدوي: الكتابة مسؤولية

هيبت برادة
الشاعر المغربي مصطفى بدوي "أنتمي لأفق شعري يتجاوز مفهوم الجيل"
 
حاورته: هيبت برادة: له فلسفته الخاصة في عالم الابداع والشعر، فهو يعقد أعراسا باللغة معتبرها رئته التي يتنفس بها، وعنده التجربة الشعرية هي التي تستدعي شكلها وقفطانها، يقف ضد مسألة "التجييل" ويمقتها. مصطفى بدوي في جديده "هذيانات على قارعة الروح" يطلعنا على أسلوبه واقترافه للشعر، ورغبته في كتابة شعر غنائي موجودة في حال وجدت ام كلثوم، يفضل مصطلح "الوسائط التكنولوجية" على مصطلح "العولمة" هي التي قربت الشاعر والمبدع من نظيره الذي يجد في ذلك تحررا فرضته المنابر الورقية في احتكار الثقافة والوصاية عليها حتى عهد قريب. واليكم نص الحوار:
 
 
• في ديوانك الجديد " هذيانات على قارعة الروح" نجد احتفاء خاصا باللغة، مامكانة اللغة في تجربتك الشعرية؟
اللغة هي ملاذ الشاعر ومأواه الباذخ. ليست اللغة هي المادة التي تشتغل عليها الأنامل الشعرية بل هي المجرى الرمزي الذي ينساب فيه قارب الشعر، ففي اللغة لا يمكنك أن تستحم مرتين، إنها كرنفال الشاعر و فيها يعقد أعراسه. هي ببساطة الرئة التي يتنفس من خلالها الوجود والعالم..
 
• كيف تنظر الى مسألة التشكيل الشعري في بناء نصوصك؟
سؤال في غاية التعقيد. صحيح أن أصعب شيء يواجهه الشاعر في الكتابة هو تشكيل النص بصريا وبنائيا وتخييليا ولغويا، خاصة أننا في العالم العربي لانمتلك في أغلب الأحيان ثقافة بصرية، اللهم في القليل النادر. فالقصيدة التي لا تشكلها الصورة المركبة والبناء الهارموني الذي يستدعي من الشاعر الالمام بالموسيقى في شتى أشكالها، ليست قصيدة تستطيع أن تواكب مايجري في عالم الابداع. قد تكتب مئات القصائد دون أن تكتب قصيدة واحدة بهذه المعايير الصعبة وهذا ما يحدث اليوم في العالم العربي تحديدا..
 
• في الديوان نجد نصوصا تنتمي الى الشكل التفعيلي وأخرى تنتمي لقصيدة النثر، كيف توفق بين الشكلين وأيهما أقرب الى نفسك؟
قضية الأشكال والقوالب الشعرية لا أعيرها أي اهتمام، لأن التجربة الشعرية هي التي تستدعي شكلها وقفطانها..شخصيا كتبت نصوصا تفعيلية وأخرى نثرية ليس في اطار التجريب بل من باب التعبير عن معاناة وتجربة ما.
وعليه لا أريد أن أسجن نفسي في مجرة معينة، على اعتبار أن نشدان الحرية هو الغاية الإبداعية الأخيرة لكل شاعر.
 
• في الديوان استدعاء لمجموعة من الرموز المكانية والأقنعة التاريخية والأدبية، كيف تتعامل شعريا معها ومامدى مساهمتها في تأثيث النص الشعري على المستوى الدلالي؟
النص الشعري شبكة تصب فيه ثقافة الشاعر ومعرفته، هو عمارة باذخة من العلامات والعلاقات التي تتقاطع عن قصد تارة، و بدون مقصدية تارات أخرى.فهجرة هذه الأقنعة ما هي الا مظهر تستدعيه التجربة والسياق الشعريان.فالسياق هو المسوغ لحضور هذا القناع أو ذاك ببساطة شديدة.
 
• كيف تنظر الى الشعر العربي في علاقته بالشعريات الكونية الأخرى؟
 
الشعر العربي واحد من أضخم الشعريات الكونية في الزمن والمتن والنوع.فالشعرية العربية أعطت تجارب وقامات كبيرة جدا عبر امتداد التاريخ، الا أننا لم نستطع للأسف الحفاظ على نضارة الشعرية العربية لأسباب حضارية وثقافية يطول الخوض فيها..
 
• ما الأسماء الشعرية العربية القريبة من تجربتك؟
أجدني قريبا إلى نصوص شعرية أكثر من قربي من شعراء بعينهم. يروقني من الشعراء العرب المعاصرين: أدونيس وقاسم حداد وسعدي يوسف و أنس الحاج ويوسف الخال... إضافة إلى بعض التجارب الجديدة في الخليج على وجه أخص.
 
• لمن تقرأ في الساحة الشعرية السعودية؟
لقد أشرت في البداية إلى أن النصوص الوارفة تأتي الان من منطقة الخليج العربي، وعليه أؤكد اعتزازي بنصوص أصدقائي الشعراء الرائعين في السعودية خاصة والخليج عامة.
ويعد الشاعر السعودي أحمد قران الزهراني واحدا من الشعراء الذين تروقني تجربتهم الشعرية، إضافة الى الشاعر الشاب عبد العزيز بخيت هؤلاء الذين يمنحون للقصيدة العربية السعودية نفسا آخر غير الذي اعتدناه مع الأسماء المعروفة تاريخيا هناك.
 
• ما علاقتك بالمشهد الشعري بالمغرب العربي، خاصة وأنك من أبناء جيل التسعينات؟
أولا لدي موقف من مسألة "التجييل" التي تنهض عليها الكثير من المقاربات النقدية. فالتصنيف الى أجيال لا يختلف عن التقسيم المدرسي للشعر "الى عصورمثلا..".
صحيح أنه بدأ اسمي في الانتشار الاعلامي منذ التسعينات، لكني –شعريا- أؤكد أنني أنتمي لأفق شعري يتجاوز مفهوم الجيل.فالشاعر الحقيقي مشاء،عابر للأزمنة والمحطات، وهو طراوة فوق التاريخ بتعبير رولان بارت.
هذا لا ينفي أني جايلت شعراء مغاربيين لهم حضورهم واضافاتهم أمثال: الشاعر الجزائري سعيد هادف والمغربي ياسين عدنان وعبد الدين حمروش وسامح درويش وشعراء لا تستحضرهم الذاكرة الان..
 
• في تقرير اللجنة المشرفة على جائزة الديوان الأول جاء أن تجربتك الشعرية مبنية على الانزياح الواعي الشيء الذي أثرى نصوصك ومنحها فرادتها- بحسب لجنة الجائزة-، في اعتقادك هل الانزياح مكون بنيوي في الخطاب الشعري؟
 
اذا كان فوز الديوان بفضل هذا الوعي في التعاطي مع الانزياح، فانني مطالب أساسا به كشاعر لأن الوعي به معناه أن الشاعر يقوم بخرق القاعدة المعيارية في اللغة والصورة والبناء..الخ.فالقصيدة هي لحظة مسروقة من سرة الورد، ورعشة طالعة من ضلوع الضوء، هي انخطاف الكائن اللغوي في أحراش اللغة.. فأن تكتب هعناه أيضا أن تعض على ريش الروح، وتسافر في الزمن الهلامي ضاربا بعصا رجفاتك في عتمات الوجود وخرائطه اللامتناهية، حتى لتنكسر الحدود تماما ويصبح التاريخ رخوا أمام فراشات الصورة وتجذيفات الايقاع.. فالقصيدة –عندي- جرح الكينونة الظمأى لترقيع الوجود، انفلات الظل من سطوة القيظ، كوة باذخة في جحيم الزمن.. ولا أخفيك سرا أن لجنة تضم بين أعضائها شعراء ونقادا في حجم الأستاذ الشاعر حسن نجمي و الناقد الحصيف نجيب العوفي و الشاعرة ثريا ماجدولين و الناقد بنعيسى بوحمالة والفنان التشكيلي شفيق الزكاري ستكون لا محالة مدركة للحدود والتباينات الموجودة بين التجارب الشعرية التي تقدمت الى الجائزة.. ومرة أخرى أشكر اللجنة الموقرة على ما بذلته في سبيل اخراج التجربة الى الوجود في شكل ديوان شعري ينضاف الى التجارب المهمة شعريا..
 
• هل تكتب الشعر باللغة الأجنبية أيضا، وهل تنوي ترجمة نصوصك الى الفرنسية؟
أن تكون شاعرا بلغة معينة معناه:أن تتنفس من خلالها وتفكر عبر مسامها.وأنا لا أجد نفسي بهذه المواصفات الا في اللغة العربية. لذلك لا أكتب بلغة غيرها حتى وان كنت أتقن سواها.
بالنسبة لترجمة نصوصي يقوم أحد الشعراء المغاربة الكاتبين بالفرنسية  وهو: الشاعر محمد العرجوني بترجمة ديواني "هذيانات على قارعة الروح" الى الفرنسية باحترافية كبيرة وخيانة باذخة للنصوص الأصلية. وفي هذا الصدد أؤكد على ضرورة أن يتولى الشعراء تهجيرنا لغويا الى الضفة الأخرى، لأنهم الأقرب الى تلبس حالة النص الأصلي من غيرهم..
• هل كتابة الشعر بالعامية أبعد ما يكون عن خطك الشعري؟
تمنيت لو كتبت بالعامية، لكن مافيش فايدة لأني فاشل في الزجل الذي يشبه النبطي عندكم في الخليج العربي.
• ألا تحاول كتابة الشعر الغنائي البسيط؟
المشكلة أن القصيدة تنكتب ولا تكتب. المسألة تتجاوز الشاعر لكن من يعرف قد أصير يوما كأحمد رامي لو وجدت أم كلثوم.
 
• هل عملت عولمة العصر الراهن- في رأيك- على تقريب المسافات بين المبدعين أم عزلتهم أكثر؟
أفضل مصطلح الوسائط التكنولوجية على مصطلح العولمة، لما له من حمولة ايديولوجية فضفاضة وسابحة. أعتقد شخصيا أن هذه الوسائل قربت الشاعر من "قبيلته" الشعرية وسهلت التواصل أكثر من ذي قبل حتى صارت المنابر الورقية اليوم تستجدي المبدعين في محاولة منها لاقتراف الوجود والديمومة، وهي التي كانت الى عهد قريب تحتكر الثقافة وتمارس الوصاية عليها..
 
• ما هي طقوسك الخاصة وأنت " تقترف" الشعر؟
 
القصيدة عواء الأبدية في هزيع البياض، سلم الأنين الى عتبات الولادة.. سواد موغل في التجمهر على مسافات السطور، معركة الحروف مع القلب...خمرة مسروقة من حقول الروح، معزوفة تعوي.. وتعوي على ليل الأحاسيس،بلاغة حيرى أمام تدافع الأنفاس، غرق تكبله كتائب الهذيان، سجادة مفروشة بثلج الدهشة وسبائك الخذلان.. حرية مفتوحة على جبهة المحو والمحو والمحو،بوابة الشعراء نحو خط التوازن الحيران،كرنفال اللغة،ملتقى الأضداد،سيولة الينابيع..... بهذا التصور أعاشر القصيدة وأحضن سنابلها..
 
• ما مشاريعك الشعرية المقبلة؟
الأحلام كبيرة كسعة الشعر، عموما أتمنى أن أتفرغ يوما للإبداع الشعري لأن الكتابة مسؤولية. وفي البلدان المتقدمة إبداعيا، صار المبدعون متفرغين للإبداع وحده، أما في بلداننا فالشاعر مطالب بتوفير" البوطاغاز" قبل أن يجلس للكتابة. "ينهي بضحكات"
في ثقافات