محمد الحمامصي من القاهرة: خصوصية تجربة الشاعر شريف الشافعي لا تنبع فقط من كونها تسعي للاختلاف عن مجمل تجارب جيله من التسعينيين والأجيال السابقة عليه ، ولكن أيضا من كونه استطاع أن يحمل نصه تجليات لغة وتشكيل مفتوحي الأفق ورؤية تنزع إلي القبض علي أوجاع داخلية ذاتية وخارجية محيطة بها ، وقد تواصل سعيه الدؤوب والخاص نحو صوت لا يتشابه مع آخرين بدءا من ديوانه "بينهما يَصْدَأُ الوقتُ", 1994، و"وَحْدَهُ يستمعُ إلى كونشرتو الكيمياء" 1996، و"الألوانُ ترتعدُ بشراهَةٍ", 1999، وأخيرا ديوانه "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية". يُذكر أن الشاعر شريف الشافعي من مواليد مدينة منوف في عام 1972، وقد تخرّج في قسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ويعمل صحفيًّا في مؤسسة الأهرام ، وسكرتير تحرير مجلة "نصف الدنيا" الأسبوعية، من الكتب النقدية التي تناولت أعماله: "العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي"، للدكتور محمد فكري الجزار، و"معرفية النص" للدكتور وائل غالي شكري، و"تحولات الشعرية العربية"، للدكتور صلاح فضل.
** هذا الاحتفاء بديوانك "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" إعلاميا ونقديا كيف تجد صداه لديك؟
الصدى الإعلامي والنقدي الطيّب، من أجيال وتيارات متعددة، الذي قوبل به الجزء الأول من مشروعي الشعري الجديد "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" (صدر في القاهرة في يوليو الماضي بعنوان "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية") جعلني أشعر أن تسع سنوات من عمري لم تضع سُدَىً، أقصد تلك الفترة ما بين صدور ديواني "الألوان ترتعد بشراهة" في عام 1999 في أكثر من ألف وثلاثين صفحة، وصدور كتابي الأخير، الذي اختطه "روبوت" العصر الحديث، أو ذلك الإنسان الذي تمت "ألينته"، وفقد أسمى ما فيه من ملامح وخصائص جوهرية.
** لكنك كنت شبه غائب خلا هذا السنوات عن المشهد؟
** لم أكن غائبًا عن المشهد الشعري، ولم أكن أيضًا أخطط أو أحسب، فالشعر لا يخضع للتخطيط ولا العمليات الحسابية. لقد تأخر الإصدار بعض الشيء، ربما، لكن "المكابدة" و"الاشتغال الداخلي" كانا مستمرين طوال السنوات التسع (غير العجاف)، مع مراعاة أمرين، أولهما: أن "الألوان" قد استنفدت قدرًا كبيرًا من الطاقة، فكان الإتيان بتجربة مغايرة طَموح يتطلب قدرًا من الارتماء فوق حشائش الترقّب. والأمر الثاني: أن "ترجمة" التجربة إلى كلمات، ومن ثم إصدارها في كتاب، ليس إلا المحطة الأخيرة في عملية الإبداع المعقّدة. لقد شهد شهر يوليو الماضي صدور أول أجزاء "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، ربما من الممكن تحديد اللحظة التي بدأتُ فيها كتابة هذا النص بيدي، لكن تكوين تلك التجربة وبلورتها بداخلي بدأ منذ سنوات بالتأكيد. الجزء الثاني بعنوان "غازات ضاحكة"، وهناك أجزاء أخرى، فرغتُ بالفعل من بعضها، ولم أفرغ بعد من "ترجمة" بعض أنسجتها إلى "كلمات"، لكنني مرتاح إلى أن القوة الضاغطة بداخلي قادرة على مد طوفان التجربة إلى أبعد الحدود.
** ما الذي دفعك لأن تنشر ديوان " البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية " علي نفقتك الخاصة وأنت تملك قدرة نشره في دور نشر خاصة ورسمية؟
** لم أختر أن أنشر كتابي الجديد على نفقتي الخاصة، لكنها إرادة المؤلف الحقيقي، أقصد ذلك الإنسان الآلي الذي يكتب أعماله الكاملة! لقد استأمنني على منتجه الفني، فكان عليّ ألا أخذله في أولى تجاربه الإبداعية! لقد جربتُ النشر في هيئات الدولة، وفي دور النشر الخاصة، وللأمانة لا أدعي أن أحدًا طلب مني حذف كلمة واحدةٍ مما كتبتُ، أو حاول التدخّل بأي شكل من الأشكال في أعمالي، لكن الأمر مختلف تمامًا في هذا النص الجديد. كان لابد أن يُنشر خارج كل دوائر الشروط والبنود، كان مستحيلاً أن يتقيد بأي عقد مع وزارة الثقافة المصرية، أو مع أية دار نشر خاصة، مهما تبلغ درجة انفتاحها وحريتها. وأنا هنا لا أقصد فقط ما يتعلق بمضمونه، لكن أيضًا ما يتعلق بإخراجه الفني، والنواحي الطباعية. لقد أردتُ أن يكون هذا النص هو صورتي الداخلية "الكاملة" دون أي رتوش، تلك الصورة المجنونة التي تعكس التعرّي التام لإنسان القرن الحادي والعشرين، وأتصور أن رضاي التام عنها لم يكن ليتحقق لولا أنني حَمّضْتُ هذه الصورة وَطَبَعْتُها في معملي الشخصي، كما أريد أنا فقط، دون تدخّل من أي أحد، ولو بإلقاء نظرة عين على "الْمُنْتَج الفني" قبل صدوره. لقد كان الشكل هنا مكملاً للمضمون، بدءًا من الغلاف الذي هيأ القارئ للدخول إلى عالم شعري مختلف، كل ما فيه خاضع لقوانين الآلة، وانتهاء بالخلفية (العلامة المائية) وشكل ولون الحرف بنفس لغة الكمبيوتر (لغة الآلة). إن هذا الشكل هو الوعاء الوحيد الملائم لتلك الكلمات التي نطق بها الروبوت، فهي كلمات بسيطة، مباشرة، توصيلية، محددة، دقيقة، غير متحلية بالإيقاعات الموسيقية ولا المجازات ولا الصور البيانية ولا أي مساحيق ماكياجية. لقد كانت مغامرة بقدر ما كانت تحديًّا لقدرتي الشعرية، بحيث يبدو الشعر في هذا الديوان مجردًا من كل زينة، عاريًا إلا من قيمته هو وحده، فلا توجد أقنعة يمكن التخفي خلفها.
** ماذا أردت أن تقول بـ "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"
** "البحث عن نيرمانا" (وهي أيضًا نيرفانا ونيرما ونيرمالا ونيرميتا ونونا وناريمانا ونيتا وميتا ونورينا ونون الخ الخ.. بقدر ما تتسع اللغات والحضارات والثقافات) هو في حقيقة الأمر بحث عن الذات الإنسانية المفقودة، بكل تجلياتها وصورها المتناقضة. بحث عن الإرادة الحرة، والعقلانية والمبادرة والفوضى المشروطة، والقدرة على اتخاذ القرار (الأهم لماكينة ميتة من الكهرباء وبرنامج التشغيل، أن تصبح قادرة على الحشرجة وقتما تشاء). بحث عن دفء الحياة، ولذة المحاولة والخطأ، ورائحة العرق، ووجع المشي بدون حذاء فوق الأشواك والمسامير. بحث عن الخلاص من أسر "القوانين" و"البرمجيات" و"الأرقام" التي حولت البشر إلى قطيع يمكن توجيه خطواته عن بعد بالريموت كونترول في يد القوة المهيمنة. ربما حملت نيرمانا الكثير من صفات وأسماء الأنثى في بعض المقاطع، لكنها الأنثى الكونية، ذات الطبيعة الخاصة، المختلفة بالتأكيد عن نساء الأرض، مثلما أن هذا الروبوت المبدع (المتمرد) مختلف عن بقية الروبوتات (البشر) المروَّضين المستسلمين الخانعين.
** لكن البعض رأي أن الديوان مجرد علاقة عاطفية؟
** إن محاولة البعض قراءة النص "البحث عن نيرمانا" في ضوء علاقة عاطفية خضع لها الشاعر أمر فيه كثير من السذاجة والتسطيح، فالمتحدث هو الروبوت في الأساس، ووجود نيرمانا في الواقع ينفي التجربة الفنية كلية، فلو كانت حاضرة لما صار هناك مبرر للبحث عنها وتقفي خطاها، ولو عثر الروبوت على ذاته المفقودة، لانتهت رحلته المضنية.
** إذن هل يمكن القول أن الديوان تجربة اغترابك خاصة وأن اغتربت بالفعل؟
** الاغتراب عن مصر قرابة عامين، له دور بلا شك في تفعيل تجربة "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، حيث تحرم الغربة الإنسان من كثير من سمات الحياة العادية الطبيعية. لكن معنى الاغتراب الأكثر عمقًا وشمولية في النص متعلق باستلاب الذات، وغيابها، واحتلال ملكات الإنسان، وتوجيه مسلكه إلى حيث لا يرغب، وإثقاله بالقيود والضغوط الخانقة، بما يفقده شخصيته وهويته. إن قمة الاغتراب أن يفقد الإنسان إنسانيته، ولا يدري مَنْ هو.
من أجواء "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"
لستُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ الفضاءِ
بعد أن امْتَلَكْتُ أكثرَ من ألفِ فضائيّةٍ
في حجرة نومي
(ربما هذه الفضائياتُ هي التي امْتَلَكَتْنِي
وَأَسَرَتْ آدميَّتي بصورها المتلاحقةِ)
لا أزالُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ نونا
والغوصِ في أنسجتها ببذلةِ الفضاءِ
بعد فشلِ الطَّبَقِ والدّيكودر
في التعامل مع إشاراتِها القريبةِ والقويّةِ
** ** **
يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!"
"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ
لماذا لَمْ تظهرْ نيرفانا
في الصورةِ الديجيتال التي الْتَقَطتُها لها؟
وهل حقًّا أنا عندي هاتفٌ؟!
** ** **
بقماشةٍ مبلّلةٍ
أُنظِّفُ مرآتي
إلا من الإبرة المغنطيسيّةِ الْحُرّةِ فوق جبيني
وأزرارِ قميصي الواقي من المفاجآتِ
أَقْبضُ كَفِّي وأبسطُها عدة مراتٍ
أفتحُ فمي وأغلقُهُ عدةَ مراتٍ
أُحْصي أسناني غيرَ متشكِّكٍ في عددها
فقط ليطمئنَّ قلبي أنني صديقُ الأرقامِ الطيّب
بل الطيّب جدًّا،
الذي لا يؤذي أحدًا
ولا يريدُ أن يَجْرَحَ نفسَهُ أبدًا
حتى إن هشّمَ المرآةَ بقبضةِ يدهِ
وفضّلَ مطالعةَ ظلّهِ الأسْودِ على الحائط الخشنِ،
على طريقة نيرمانا
** ** **
لَمْ أكن محتفظًا بقدْرٍ كافٍ من التركيزِ
ربما بسبب آلام الظهرِ،
التي زادت حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ
في المكتب وفي المنزل
لذلك أخطأ إصبعي في نَقْرِهِ لوحةَ المفاتيحِ
كتبتُ "Normal" بدلاً من "Nirmala"
هنا ابتسم مُحَرِّكُ (Yahoo) بحنانٍ مفرطٍ
نساءُ الأرض كلهن زُرْنَنِي في تلك الليلة
طيورُ الزّينةِ كلها دَاعَبَتْ مُخِّي بلطْفٍ
كان أمرًا محرجًا حقًّا
أن أتثاءب عدة مراتٍ
بل أنام فعلاً
قبل أن أوزّعَ الحلوى على ضيوفي
مع أن الكَرَمَ من كروموزوماتي الوراثيّةِ!
** ** **
تتمنّى ساعةُ القلبِ
لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فتدقّ دقّتينِ مثلاً
في تمامِ الواحدة!
هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ
- حاشا -
الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ
كلّ ما في الأمر،
أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا
أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ
من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها
** ** **
لا أستمتعُ عادةً بعروضِ السّيركِ
فالوحوشُ تُذكّرُنِي بذاتي،
التي توحَّشَتْ رغْمًا عني
والحركاتُ الصعبةُ لا تجتذبُ بهلوانًا مثلي
يمشي على الحبالِ يوميًّا
ويراقصُ القمرَ والأفاعي والدخانَ
الذي أَدْهَشَنِي حقًّا في العرضِ الأخيرِ
وَوَصَفَتْهُ نيرمانا بأنه "مُرْعِبٌ"
هو مشْهدُ الأسُودِ المتمرّدةِ
التي هَجَمَتْ فَجْأَةً على مدرّبها
وبدلاً من أن تَنْهَشَهُ أو تحاولَ افتراسَهُ
ضَرَبَتْهُ بالكرباجِ
وَطَلَبَتْ منه أن يمرَّ برشاقَةٍ من "طَوْقِ النّارِ"
باعتبارِهِ البطلَ الجديدَ لملحمةِ الترويضِ الْكُبْرَى،
الذي يَسْتَحِقُّ الحياةَ وتحيّةَ الْجُمهورِ
** ** **
كلما أَكَلْتُ قطعةً من نيرمانا
أو قَصَصْتُ شريحةً منها بالمقصّ
شعرْتُ بعقدة الذنبِ
لكن هذه العقدة تتبدّدُ على الفورِ
عندما تقف نيرمانا فوق الميزانِ
وتجد أن وزنها قد زادَ
شَجَّعَنِي هذا الأمرُ
على البحث عن سوبر ماركت
يبيعُ سلعًا تنمو عندي باستهلاكِهَا!
** ** **
لا تُصَدِّقُ نيرمانا أنني صِرْتُ عالميًّا
لمجرد امتلاكي فيزا كارد معتمدةً
ورخصةَ قيادة دوليّة
وجوازَ سفر عليه أختامُ عشرين دولةً
بيننا وبينها علاقاتٌ طيبةٌ
أو اتفاقياتُ صُلحٍ وسلامٍ
نيرمانا تؤكّدُ،
أن رائحةَ الزيتِ الحارِّ في فمي
(أقصدُ اللعَاب)
لا يمكنُ مَحْوُها بالنعناعِ الأمريكيِّ
وأن الكالّو في قدمي
لا يمكن مداراتُهُ بحذاءٍ إيطالِيٍّ
من الجِلْدِ الطبيعيِّ الممتازِ
نيرمانا (رغم كل شيءٍ)
تؤمن بخصوصيّتِي (في كلِّ شيءٍ)
ولذلك فهي تزورُنِي في كثيرٍ من الأحيانِ
بعباءةِ "عفريتة هَانِم"
حيث لا يراها أَحَدٌ غيري على الإطلاقِ،
ولا حتى مُخْرِج الفيلم الفانتازيِّ
الذي أنا بَطَلُهُ الْمُطْلَقُ!
** ** **
من صالة جيمنيزيوم إلى أخرى
أدمنْتُ التنقُّلَ
أملاً في نفْخِ عَضَلاتي
بالتمريناتِ الثقيلةِ
وهرموناتِ النموِّ المكثّفَةِ
ربما أنجحُ في تفصيلِ جِسْمِي
على مقاسِ البلّوراتِ الباردةِ
التي حَلّتْ محَلَّ الأعْيُنِ
لدى أغلبيّةِ البشرِ
من المؤكّد أن رُوحي باقيةٌ على حالها
إلى أن تنفخَ فيها نيرفانا
نفخَةً طبيعيّةً من رُوحِها
عندئذٍ
ستصيرُ على مقاسي
** ** **
الجلبابُ الأخيرُ،
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة الحائطِ"
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ
حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العاريةِ