إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3107 الإثنين 23 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 1:25:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    


سماء تنذر بشتاء قاسٍ

GMT 6:45:00 2009 الأربعاء 21 أكتوبر

محاسن الحمصي


"إن أجمل البحار
هو ذلك الذى لم نذهب إليه بعد
وأجمل أيامنا
لم نعشها بعد
وأجمل ما أود أن أقوله لك لم أقله بعد"

(ناظم حكمت)


يسلمني القلق إلى الأرق، فيغدو جسدي نهبا للسعات الفكر المتحفز وقرصات الألم، وأهم بدخول المنطقة المحظورة في ذاكرتي، فتدخل أمي بكوب من عصير، تتبعها أختي بصحن من الفاكهة وأخي بكيس ورقي، يبسطه أمامي وهو يضحك: "أحضرت لك تشكيلة من كل الأصناف، الشامي، اللبناني، الأمريكي، اليوناني".
وتبدأ عروض الترغيب في قضم لقمة من كل لون.. التفاح يزيل الشحوب ويعيد النضارة إلى البشرة.. منشط للدورة الدموية، يبعد شبح الجلطات، يقوّي الدم، رائحته تنعش القلب، الاستحمام بشامبو بنكهة التفاح يمنح الجسد نشاطا وحيوية.. حبة منه في الصباح يعطي......

أفكر بصوت عالٍ : "حين تستعبد المشاعر القلب، و تلغي حرية التفكير ولغة العقل تشعر بالضيق و بأنك مسجون داخل قبو مظلم لا ترى به ضوء.. إلا ضوء عينيك المتعبتين، ولا تملك أن تهاجر إلا إلى نفسك لتحررها من الرّق، الذي بعت إليه أحاسيسك المرهفة، فتصطدم بجدار مرفوع على أساس أنت اخترت بناءه،وأنا استعبدتني  تلك الرابطة، وحولتني إلى آلة رقمية.. تضغط على أزرارها، فتتحرك شمالا و جنوبا، شرقا وغربا، وتسير نحو هاوية التلاشي، وتلك الرسائل القصيرة تؤنس وحدتي، تربطني بحبال الأمل..
 أستعيد حروفها تحت سماء تنذر بشتاء قاس، وهطول أمطار مبكرة، فيرتعش جسدي، وتهطل دموعي !".
- كفى... من قال إني أحب التفاح.. لاأحبه. بشرتي صافية، دمي يتدفق في شرايني، قلبي ينبض حــــــد الوجع. يكفي أن يكون سببا في وجودي على أرض الشقاء بدلا من أرض الجنة..!.

أترك الشرح المستفيض عن منافع وفوائد تلك الفاكهة، لأتنفس برائحة أخرى..
تستوقفني صورة الشاعر الراحل محمود درويش على شاشة التلفزيون. تأبين شعري بمرور سنة على رحيله..
 يااااااااه..! سنة طويت من عمرنا، عام انقضى..
تلتهب الذاكرة وتشتعل، بذلك الصوت الرخيم يسألني بحدة:
- أين "أثر الفراشة"؟
- استعارته أختي. أستعيده غدا..
أعلم أنه يحبه ومعجب به. أراه شاعر النخبة بعد أن كان شاعر الجميع، وهو يراه الأفضل والأنضج.
يجلس بجانبي يبدأ في إلقاء الأبيات، ككل مساءٍ، وأصبحُ الفراشة التي تحّوم حول الحروف، والكلمات وطريقة الإلقاء الساحرة..

أتجه نحو الحديقة حافية القدمين، والحشائش الخضراء من شلال عيني تحت خطواتي ندية..
في ليلة ينام فيها البدر في حضن السماء، للشهر الثالث،
وأنا أبحث عن حضن غائب، للشهر الـــ...!.
تــقبل وجنتي الخيوط الفضية وتربت على شعري.. فتلسعني كلمات تعنيف:
- كيف قصصت شعرك الطويل، ولم تستأذني؟..
- وهل أحتاج إلى إذن في شأن خاص!؟
 ليستمر التوبيخ أياما.

عظيم هو في كل شيء، لكنه ليس بكامل. الأمر والنهي، النظام والترتيب، الدقة في المواعيد والتحركات، كأنني معه في ثكنة عسكرية واستنفار دائم، لكنه عاشق بارع ورفيق درب حنون.

أيقظني فجرا بعد ليلة صاخبة من الدموع والنقاش والإقناع: هيا الطائرة لن تنتظر الكسالى !.

"أنا أعشق السفر، يخرجني من الدائرة المغلقة، دائرة العادي والمألوف، قبل السفر، لابد من التعب حتى لا ننسى شيئا قد يغيظنا إن نسيناه، وبعده لابد من العودة للعادي والمألوف مجددا، هذا يتطلب جهدا وجدانيّا إن كانت الرحلة ممتعة، المهم قلبي معك، وأنت تستعدين لرؤية الأحباب، اتعبي قليلا وغدا تستمتعين، أيتها القطة التي أشتاق إليها من الآن..!".

الخوف يحلق في أجواء نفسي، أخاف الرحيل إلى مكان بلا ذاكرة، يرعبني البعاد، و ترهبني أيام أنت لست فيها، يقلقني انتقالك في غيابي إلى عالم مجهول يقلب حياتك، ويعيدك إلى نقطة البداية في التأقلم والعمل والوحدة والمدة الزمنية التي ستأخذك مني..!.

"تشعّب الحوار حول القلق، وأعتقد بأن الأمر لو استمرّ على هذا المنوال فإن حواراتنا ستظل تدور في دائرة مغلقة، وهذا ما لا أريده.. كنت أظن أننا عبرنا معا بحر المناقشات المتعلقة بالقلق.. فلا أنا مراهق تخشين نزواته، ولا أنت المرأة الغبية أو الجاهلة.
سفرك مؤقت، وسفري سيجلب لنا الراحة إلى الأبد، إن هيأتِ لي الظروف النفسية وأفسحت المجال لاستعادة توازن حياتي الجديدة..
وهأنا اشتريت لك مجموعة من الكتب، "موبايل"، شاشة حاسوب، وكاميرا ليكون تواصلنا دائما حتى نلتقي.
دعيني أستعدّ لقدومك واستقبال يليق بك، لا تستلمي للأوهام، وانفضي عنك غبار الخوف".
... ينتفض جسدي مع كل رنة "موبايل"، كل رسالة قصيرة، وأجلس أمام الحاسوب أنتظر..!.

يشغله الانتقال، يتعبه التكيف مع الناس، البيئة، الجو، العمل.. وأتعبهُ في اتصالاتي: "أرجوكِ أنا أقود السيارة في الزحمة، ويجب أن أصل سريعا لدفع فواتير إيصال النت إلى البيت… أنا في اجتماع أتصل بك لاحقا… الأثاث مكدّس، أعطني فرصة لأنتهي من الفوضى…".

تباعدت الاتصالات، اختـُصرت إلى دقائق، خفت الصوت، ثم سكت الموبايل..!.

أحاول العيش على حيز صغير من الأرض اسمه الواقع، أتناسى الغياب قبل أن يفترسني الشك اللعين، أرسم أحلاما، لكن الألوان تخرج باهتة من رأسي، وأستعيد أيام فرح تمنحني تماسكا لتحمل أيام غدت رمادية.

الصمت الطويل.. يضعه في شبهة الشك: أيعقل أن يأخذ الانتقال القسري والمفاجئ العواطف المتأججة، ويحيلها إلى برود ونسيان نصفه الآخر؟ ألا يحتاج إلى دفء الكلمات؟ ألا يحتاج لدعم عاطفي يستمد منه قوة للمتابعة؟ ألم ينس حتى عيد ميلاده.. ويتعمد إقصائي من دوامة التغيير،لأكون في أمان ولأصل إليه على بساط من حرير؟ أيّ أمان وأنا أتقلب على جمر الغياب، ونار الظنون، ونظرات القلق تحيط بي، واهتمام من حولي يدعوني للتمالك والصبر، و بأن كل هذه الأيام ستكون لصالحي، ومن أجل راحتي.


يطرق عيد الفطر أبواب الناس بالبهجة، وفرحتي كانت بحجم الحياة حين نطق أبو الهول:
- كل عام وأنت حبيبتي، هانت، لا تخافي. أيام وأستقر لنعود إلى سابق عهدنا ونكون معا. أعرف أن صمتي يزعجك.. أمهليني أسبوعا آخر، صدقيني أنا مثلك مرهق ومتعب. الحياة هنا صعبة، والتأقلم يزيد من توتر، لا أريده أن ينعكس عليك..!

- تعبت من الانتظار، شحبت، تجمدت، أشتاق إلى النوم على وسادة صدرك، لا أريد بيتا، ترفا، حياة مخملية، مكاسب مالية، وأخسرك أنت، خذني إليك قبل أن أذوب كملح الأرض، دعني أطلق سراح أجراس روحي لتقرع معك، وإلى جانبك. وعدتني ألا تطيل الغياب، وكلمة الرجل مربوطة من لسانه..

-  لن تخسريني، أنا معك قلبا وقالبا، ألا تدركين كم تعذبت بوحدتي كل تلك الشهور.. لا رفيق، لا سند في بلد أحبه وأعجز عن تصنيفه حضاريا.. أهو عريق أم بدائي الحياة؟
تمتّعي في رحلتك الجميلة، أمسكي النجوم وعدّي الأيام حتى نلتقي يا حلوتي !.
أطوي الأسابيع كما يطوى كتاب ممل، لا ألقيه على الأرض، احتراما لكاتب تعب في صياغته، بل أضعه على الرف وألغيه من ذاكرتي..
وهأنا أجلس- هنا - تحت شجرة التفاح وارفة الظلال، ثمارها تناكفني، تتساقط حولي، أقضم قطعة بطعم المرارة، وعبر آلاف الأميال، في ذلك البلد المكتظ المتناقض بالقبح والجمال، يرتفع مبنى حديث، وفي الطابق السادس ينساب صوت كوكب الشرق أم كلثوم عبر الشرفة :
" أغدا ألقاك؟ يا خوف فؤادي من غد
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد
آه كم أخشى غدي هذا، وأرجوه اقترابا
كنت أستدنيه، لكن، هبته لما أهابا "
وقبالة أمواج البحر الأبيض، هناك.. على المقعد الوثير.. يجلس ظلي..!.


كاتبة من الأردن
17-10-2009

 

 

10 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 

GMT 16:57:37 2009 الجمعة 23 أكتوبر

1. العنوان:  حلو الكلام

الإسم:    سهام جبر

اوافق جميع من كتب تعليقات على هذا النص الجميل للكاتبة التي يجمع القراء على قلمها البناء واستخدامها البساطة والرقة والوضوح في السرد وانا اوافق معهم لكن احيانا اشعر ان ان الكاتبة تشرد قليلا وتتشتت بعض افكارها لتعود وتجد الطريق ! وهذا لا يعني اني لست من المعجبات بهذا القلم الراقي والناضج . للمحاسن احلى الامنيات

 
 
 

GMT 16:21:00 2009 الخميس 22 أكتوبر

2. العنوان:  ابداع

الإسم:    د. حسين راضي

اوافق الاخت رقم 8 على ان كتابة محاسن الحمصي ليس فيها تحريك للمشاعر الحسية بل فيها تحريك لمشاعر الاحساس مع المرأة المحبة الصبورة والعاشقة والمخلصة .واحترامها للقاريء في ايصال الفكرة بروح شفافة .

 
 
 

GMT 11:01:37 2009 الخميس 22 أكتوبر

3. العنوان:  رقي الكلمة

الإسم:    فاطمة عمران

يعجبني في كتابتك سيدتي البعد عن التزلف والابتذال النصي . الغوص داخل احاسيس المرأة العربية وتبعيتها للرجل الشرقي تصفينها بشكل راق لا يوجب استخدام مصطلحات جنسية لتلفت النظر للنص وتسويقه ..بساطة ووصف وربط جميل يجعل القاريء العادي يبدأ من العنوان حتى الختام براحة نفسية وخيال واسع دون الحاجة لمسك قاموس المورد وتفسير المعاني . فاطمة عمران - اليمن

 
 
 

GMT 0:32:20 2009 الخميس 22 أكتوبر

4. العنوان:  كتابة رقيقة

الإسم:    نادر

نص يحمل مشاعر الانثى الى عالم الرجل العميق . فيه بساطة الكلمة ورقة الحروف . واختيار ابيات شعر توطأة للنص تعطيه جمالا وتغيير عن المألوف

 
 
 

GMT 21:42:13 2009 الأربعاء 21 أكتوبر

5. العنوان:  شكرا أتحفتينا

الإسم:    د.عبدالإله الراوي

نعم لقد أتحفتينا بهذه القصة المؤثرة شكرا

 
 
 

GMT 21:41:54 2009 الأربعاء 21 أكتوبر

6. العنوان:  شكرا أتحفتينا

الإسم:    د.عبدالإله الراوي

نعم لقد أتحفتينا بهذه القصة المؤثرة شكرا

 
 
 

GMT 20:31:55 2009 الأربعاء 21 أكتوبر

7. العنوان:  ابداع جديد رائع

الإسم:    ام جويد

ما اجمل هذا التشبيه والربط وعمق المعاني في القصة الرائعة التي خطتها بابداع الكاتبة محاسن الحمصي ;

 
 
 

GMT 15:38:11 2009 الأربعاء 21 أكتوبر

8. العنوان:  جميل الاختيار

الإسم:    محمد فهمي - دانمارك

مايلفت نظري في نصوص الكاتبة محاسن الحمصي هو اختيارها ابيات من قصائد لمشاهير الشعراء تواكب النص وتعطية ايماءة تزيد من سحره . لا تعليق على النص فهو من قلم مبدع يعرف كيف يصيغ الكلمات محمد فهمي -سفير سابق الدانمارك

 
 
 

GMT 13:48:02 2009 الأربعاء 21 أكتوبر

9. العنوان:  شفافية وصفاء

الإسم:    خالد الحلي - ملبورن

بمتعة عميقة قرأت هذا النص الجديد للمبدعة محاسن الحمصي. لقد فتح النص أمامي بشفافية وصفاءآفاقاً رحبة للتأمل منذ استشهاده في البداية بمقطع جميل أحبه لناظم حكمت، ثم راح النص يأخذ مداه التأثيري الموحي بما يحمله من تلقائية ذات أبعاد وأعماق جلية، ومن بساطة هي من "السهل الممتنع" بحق.

 
 
 

GMT 11:31:03 2009 الأربعاء 21 أكتوبر

10. العنوان:  مدهش

الإسم:    يوسف عبد الغني

الكاتبة المبدعة محاسن الحمصي هذه الترابط في النص والحبكة المدهشة بين التفاح والحب والاسلوب البسيط الشيق في الوصف يجعلنا نقف احتلراما لهذا القلم الذي كل يوم يثبت قوته وقربه من القاريء .. لك مني اطيب الامنيات يوسف عبد الغني كاتب

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By