GMT 19:21:34 2012 الأحد 12 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

ثقافات

تعاليم الناظر
حسين عجة

GMT 14:45:00 2009 الأحد 25 أكتوبر

أتكون رسائلي كالثلج المشتعل تأتيكِ من كوة
كان قد حشرني في علوها الشاهق ناسخ الدفاتر
حتى أطيل التمعن في تفاصيل محنتي، أقطعها كخرافة
رحلة في رفقة السهو الذي اجتمعت مرة برحابه طيورٌ
عند ناظر المدرسة لكي تحادثه عن أعشاب تشحبُ
وتفنى مثلها في العزلة، عن براري تلوح كالسراب
وتختفي، ملح البحار عالقاً بمناقيرها وأجنحتها الملونةِ،
 ما روته له عن فزعها من الحراس وهي تعبر بأسمالها
من خلف الساحل، كيف فقدت نطقها الشفاف كنزاً ورثته
عن أسلافها، ثم سكبت كل ما بقى في لوزتها الصغيرة
من حكايات الجوع، البرد، وأيتام صادفتهم في دربها
 قبل وصولها إلى واحته الوارفة؟
في نهار يوم غائم، بعد وصولها، أخبرها الناظر عن
 خوفه من مجيئها تحتمي بظلال أشجاره الباسقة،
 تتغذى معه من ذات الصحن الواحد، تشرب من مياه
ساقيته، تتجول حرة في أزقته وتنشد بالقرب من نافورة
 داره؛
في البدء لم تفهم الطيور لغة الناظر يوصيها عما ينبغي
أولا ينبغي، يحدد لها ساعة خروجها ودخولها في أقفاصها
التي حاكها والعرق ينضح على طول قامته، نيشان ورمز
ضيافته، ضمن انشغاله المُلغز، لمحَ الناظر حيرتها،
أسند من فوق أنفه قطعته السوداء التي ينظر من خلفها الكون
الواسع، تنحنحَ ومن فوق طاولة كانت تسد كل مساحة الحجرة
أحضرَ سجلاً بالكاد قد نفض عن أوراقه غبار الأزمنة؛
 أخبرها، هنا لا تتجول الطيور في الواحة من دون أوراقها
الرسمية
 ملفاتها الخاصة، وديباجة كل واحد منها تروي بلسان واضح
ما فعلته في أوطانها الأصلية.
بعد عناء في قراءة الرموز، السهر عند معنى الحروف،
 أسرت الطيور للناظر لا أوطان جذرية لها، تطير وتحط حيثما
تشاء أو كما تدفعها العواصف وتطلق أجنحتها، بريشها وزغبها
الطاهر، لا حمل يثقل خطوها لا رغبة تنازعها بالمكوث دائماً
في حدائقه الثرية، لم يفهم الناظر، هذه المرة، ما أدعته الطيور
لنفسها من قداسة تتماثل مع صفاء القبة الزرقاء والزبد الأبيض،
هرعَ من الباب الخلفية وجاء بصحبة ترجمان، يتقن لغة كل
ما يدب ويخلف من ذريةٍ على طول وعرض الخارطة :
لا تستثنى الطيور من قانون رعية الواحة، بشر، بهائم،
زواحف وحيتان المحيطات ملزمة بدفع غرامة باهظة إذا
ما أخلت بقواعد اللعبةِ، ذلك ما نطقت به شريعة المتوسط،
ترجمان يحول قاموس الرعايا ويشرح فقرات بنوده
للطيور المنكسرة، الأرض واسعة، هناك قطب الشمال وآخر مثله
في الجنوب، لديكِ حرية التحليق من فوق
 ثلوجها المتحجرة. ماذا؟ زعقت طيور التيه
غير مصدقة،
الله خلق الواحات حتى تحتمي بسعف نخيلها
 أمهات وآباء لهم سحنة ريشنا، عند هروبهم ليلاً
من الغبار الأصفر والضباع
 المكشرةِ.
لا وقت للثرثرة، همس الناظر
 للمترجم،
 الأجدى معرفة نواميس الطبيعة،
وما يشوبها من تقلبات ساخطة،
تضاريس المخ
دوران النترون، الإلكترون والبروتين
في فلكه،
 قبل القيام بالخطوة
وتصعيد القرار الأحمقِ إلى
مصاف الحكمة.
بفصيح العبارة على الطيور
 هدم أعشاشها بالمخالب التي ورثتها في
ساحق الدهر
حرق دفتر
أناشيدها الضائع في نبضات اللحظة
تبديل لهجاتها وغسل ثوب الحارس
 بخرافات العجائز،
العودة
بالسرعة الممكنة إلى أوطانها النائيةِ،
 في المساء حين
يدلهم الليل وتستر غيومه الكثيفة الحقل،
 تحجب النظرة،
أو في الظهيرة الحارقة، نزول عند رغبة
الحاكم
يدير شؤون العباد بالعدل
 والميزان الثابت، منْ يقبل
في واحتنا
بنزوات الطيور وأدوات
عزفها المتواصل،
البوق، الربابة، أو الكمان النائح، و
ما نفع الغناء
قرب نافورة مهدمة الحافات،
خرساء كالصنم،
والماء
الناضب؟
على الطيور ترديد ما تردده
 الرعية :
 نعم سيدتي،
 نعم سيدي
سنحضر غداً كل ما يلزم من
سجلات تثبتُ أننا في يوم كنا
 من قاطني القريةِ.
ترقرق الدمع في عينيَّ حين سمعت
 خطاب الناظر
والمترجم، سحبت من فوق رأسي
دثاري الأزلي،
بكيت
فجراً، لحظة
 مغادرة الطيور
 ورحيلها في
التيه والتشرد، سليلها أنا
وأبنها المدللِ
طير كان يغرد مع السرب المغادر
ينقش على اللوح لهاث صوتها وما غفلت
عنه في الشتاء القاحل من أناشيد تلم أجنحتها
تخلف وراءها الواحة، القفص، الترجمان
وما يهذي ليل نهار باسمه الناظر.