إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3108 الثلائاء 24 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 10:00:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    


في معنى عمل الغيوم..

GMT 8:30:00 2009 الثلائاء 27 أكتوبر

حامد بن عقيل



 - إلى صلواتها المدهشة، وابتسامتها العذراء..
(1)
يخبرني أبي أن الغيوم عندما تتشابك تكون نذير عمل!. مرة واحدة رافقته لفتح "البِثْق" في أقصى يسار "عَقْم" أو سدّ الوادي الأقرب من منزلنا. لا أدري إن كنتُ أبكي فعلاً أم أن الماء الذي ينهمر بغزارة خدعه ليوافق على حملي معه، وربما خدعني أنا أيضاً لأن نشيجي لم يتوقف حتى قطعنا نصف المسافة بين منزلنا وأقرب حقل تعود ملكيته لأبي. الحقل، أو الوادي، أو "الركيب" كما نسميه في الطائف، هذه الحياة التي زاد التباسها عندي حين ردّ أبي عرضاً سخياً من خالي الذي كان يطلبُ ابتياع وادي "الجلّة"، قال أبي بسخرية وبغضب: - يمكنك شراء سماد بهذا المبلغ!. كان الثمن مرتفعاً، وكنتُ أعرف عمق الصلة التي تربط أبي بخالي، وكنت أدرك أن مسمى "الجلّة" لا يعني أكثر من وادٍ تنتشر فيه الحصباء إلى درجة أنه لا يعود واعداً باستنبات أي نوع من المحاصيل، ولا صالحاً لشيء. لكنني، قبل ذلك اليوم، لم أكن أدرك سر تلك الصفقة!.
حين مررنا بالمقابر التفت أبي نحو مقبرة القرية، كنتُ قد توقفتُ عن النشيج، رأيتُه يبتسم تحت وبل المطر الغزير، تماماً أمام قبر أبيه. الآن أحاول أن أتذكر إن كنتُ قد مررتُ مع أبي أمام مقبرة قريتنا باستثناء تلك المرة الوحيدة لكنني لا أتذكر. ربما كان أبي يبتسم كلما مر بقبر والده، وربما كان يقف ليتحدث إليه عن حقولنا، وعن مزارع العنب الثلاث في الوادي الأعلى، وعن الأمطار التي يتطلب هطولها النزول لفتح "البثق" حتى لا تجرف السيول العَقْمَ وبالتالي المزارع وراءه. عندما وصلنا أمرني بالبقاء فوق العقم ونزل بفأسه على البثق، أزال الطين الذي يحجب مدخله ثم قام بنزع قطع الخيش الثقيلة التي تسد المجرى وحملها إلى سفح الجبل ليعود لتأمل المجرى كي يتأكد من أنه قد صار نافذاً. ثم حين حاذاني فوق العقم أنصت قليلاً ثم أمرني بالرجوع إلى القرية. كانت جدتي تقف على هضبة صغيرة بجوار المنزل، وحينما قفلتُ راجعاً كان أبي يمضي إلى مزارع عنبه الثلاث في الوادي الأعلى كي يدركها قبل وصول السيل. كانت خطاه أسرع وكأنه يدرك أن بقائي معه سيعيق "عمل" الغيوم الذي لا اشك أنه كان من خلاله يستحضر أباه؛ وإلا فما معنى أن يقوم بهذا العمل بكل هذه المحبة، وأن يتعمد المرور بمقبرة القرية ليلتفت إلى قبر والده ويبتسم؟!.
(2)
في المرة الأخرى التي رأيتُ فيها السيل كنت أجلس بجوار عمتي مستورة. منزلها كان يطل على واد كبير بمدخل ضيق تكاد تسده شجرة طلح ضخمة وعتيقة. كنتُ أسكن لديها لأن قريتنا لم تكن من القرى المحظوظة بوجود مدرسة أو أي مرفق حكومي، وكنت حينها في المرحلة الابتدائية. أتذكر أنها جمعتنا، أنا واثنين من أبناء عمي، وطلبت منا عدم مغادرة المنزل، وفي الحدود القصوى ألا يغادر أحد الفناء، وجلستْ هي تحت شجرة اللوز بينما كنا نلهو في الفناء. بقيتْ ساكنة في مكانها تتأمل المطر الخفيف الذي لم أتوقع أن يثمر خراباً كالذي شاهدته في ذلك اليوم. نبهني صوتها، وابنيّ عمي، وهو يحوقل إلى أن شيئاً ما يحدث أو يوشك على الحدوث، وحين وقفنا بجوارها رأينا السيل يتدفق دفعة واحدة وكأنه طوفان ليجرف كل ما يجده أمامه. شجرة الطلح الضخمة التي طالما وقفنا، نحن الأطفال، أمامها لنتعجب من ضخامتها كانت أشبه بعود ثقاب يحمله الماء الهادر ويضرب به طرفي الوادي. لم افهم أن يولد هذا الطوفان الضخم من مجرد مطر يتقاطر ببطء وبنعومة آسرة. لم أفهم إلا حين رأيتُ عمتي تشيرُ إلى غيوم شديدة السواد تتشابك هناك في السماء، كانت تجثم فوق قرى بعيدة، وترسل ضوءاً متقطعاً ليهدي الماء إلى الأماكن التي تدله على طريقة عملِ الغيوم!.
(3)
- كيف تتلقى جدتي المطر؟.
حين تجمع ملابسها تحت حزامها حتى ترتفع إلى نصف ساقها، ثم تقوم بوضع "القناع" على رأسها ليغطيه ويجلل كتفيها حتى يصل إلى نصف ظهرها، حينها فقط أعرف أنها تشم رائحة المطر.
أخبرتني مرة عن امرأة تنكرت لرائحة المطر فجرفها السيل. قالت إن عمل الغيوم يحتاج إلى بصرٍ حادٍ وإلى بصيرة نافذة، وقالت إن الأعشاب والنباتات الصغيرة تكمن في الأرض أكثر من أي وقت مضى، وأن الرياح تكون مثقلة بالماء. أتذكر وجهها ذلك اليوم، غاب أبي إلى درجة أنني سمعتُ بكاء أمي التي لم تغادر المنزل، بينما كانت جدتي تقف تحت المطر مبتسمة تنظر إلى الحقول الممتدة، الحقول التي تتوهج تحت وقع الماء أكثر من لهاثها تحت لهيب الشمس الحارقة. كانت تثبتُ بصرها على الزاوية الوحيدة التي يمكن أن يُطل منها أبي عائداً بعد أن يكون قد مرّ بجميع مجاري الماء في سدود الأودية. كانت ابتسامتها تتسع كلما تأخر أبي في العودة، وحين بدأ جسده النحيل يلوح في أقصى الوادي، جسده الذي تميزه جدتي وحدها تحت ثقل الماء المنهمر بعنف. حين ميزته الجدة التفتت إلى بداية الوادي لتنبهني إلى أن السيل بدأ يطفو على الأرض ويزداد علواً، وحين عادت لتراقب ابنها وهو يعبر الوادي باتجاه سفح الجبل الذي تجثم عليه القرية لمحتُ في عينيها رعباً حقيقياً، وفي شفتيها صلاة!.
(4)
بعد سنوات من ذهابها بعيداً أخبرني أبي أن الجدة نسيت مرة واحدة في فتح مجرى الماء في أحد سدود مزارعنا. كان جدّي غائباً حين اشتمتْ رائحة المطر وبدأتْ وحدها العمل، تنقلت بين جميع أوديتنا، تزيل الطين وتنزع الخيش ثم تتأكد من أن المجرى نافذ ليخفف من ثقل الماء على العَـقْم. لكنها نسيتْ المرور بأحد الأودية. حين عادت إلى هضبتها رأتْ السيل يبدأ في تنفيذ مشيئة الغيم. تابعتْه وهي على ثقة من أنه سيمر بسلام على الأودية بعد سقايتها. لكن سداً واحداً كان كفيلاً بجعلها تشعر بالرعب كلما رأتْ السيول، انهار سدّ الوادي الذي نسيَتْه وجَرَف مزرعة عنب كانت هي الأثيرة لديها، كما جرف السيلُ الطينَ، لم يبق سوى الحصباء والصخور الناتئة. منذ ذلك اليوم وجدتك تبتسم إلى أن تشاهد السيول، فتتذكر "جلّتها" الأثيرة لتستبدل ابتسامتها بخسارة كبيرة!.
الآن، ربما كنتُ أعي بعض طقوس قريتنا حول أعمال الغيوم السوداء المتشابكة، وربما كنتُ أعي سرّ عرض خالي بشراء الجلة وسر رفض أبي بجفاء مبالغ فيه، وربما كنت أعي سر تحول ابتسامة جدتي إلى رعب كلما بدأ السيل في النمو والتدحرج نحو مزارعنا، لكنني لا أعي لماذا لم أعد أرى غيوماً سوداء متشابكة، حتى وإن كانت فوق قرى نائية وبعيدة، لأحوقل وأبدأ العمل!.

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By