ميرفت أبو جامع من غزة: كثير من الفنانين التشكيليين ذوي الحساسية العالية، لم يجدوا لهم مكانا على خارطة غزة الفوضوية المتصارعة. فغدت لوحاتهم الصماء تبحث عن مكان تعيش على جدرانه، وترى النور لأيام معدودة، بعد أن حبستها السياسة والفوضى في صندوق خشبي بمخزن مهجور، أو أسكنتها الحرب فوق ردم وغطتها بدخان.
ولان حرية التعبير عند الفنانين لا يمكن أن تحدها جدران، فان الفنانين هجروا جاليري الميناء وقرية الفنون والحرف الذين كانا ملتقى الفنانين بجمهورهم قبل أحداث حزيران 2007 التي مكنت حركة حماس من السيطرة على قطاع غزة وفرض توجهاتها الإسلامية على المؤسسات الرسمية.
واستعاض الفنانون عنها بتأجير قاعات لمراكز ثقافية، وهذا يكلفهم كثير من المال في وضع غزة المتعسر، كما يشكل عائقا أمام الفنانين الشباب محدودي الدخل من إطلاق إبداعاتهم.
الفنان التشكيلي الشاب سليمان النواتي استطاعت لوحاته أن تنفض الغبار الذي رسا عليها فترة من الزمن، وان يحقق حلمه في عرضها لجمهور يعشق الفن،وقد كانت حبيسة مخزن بيته الصغير.
"محترف شبابيك" للفن المعاصر في غزة مكن النواتي من الوقوف بملابسه المتألقة بين جمهور يتحدث لهم عن لوحاته ويفك شيفرتها وهي ترصد حياة صاخبة على رصيف ملتهب بغزة تدور ساعته حول نفسها. وقد فقدت بوصلتها الموصلة إلى طريق الأمان.
النواتي احد الفنانين التشكيليين الذين وجد في المحترف جسرا يصل فنه بالجمهور ويقدم نفسه لهم " لست أي لون من الألوان أو شكلا هندسيا أو قانون ثابت"..." إنني مجرد التواء في رقبة الوقت ".
ومن غزة الحبيسة بحدود مغلقة على الدوام يبرق هؤلاء الفنانون التشكيليون "تحية للقدس" التي يهدد أقصاها هيكل مزعوم ويلفها ألف جدار وجدار،ويصرخون عبر لوحاتهم الفنية إليها أكثر من تحية مرة تحية محبة وأخرى اعتذار بطعم المرار.
وتعود تسمية "شبابيك" بحسب الفنان التشكيلي باسل المقوسي "أحد مؤسسيه" إلى معرض يحمل عنوان " شبابيك" أقيم عام 2003 في الضفة الغربية شمال فلسطين، بمشاركة زملائه الفنانين التشكيليين "شريف سرحان وماجد أبو شلا "ثم انضم إليهم الفنانين محمد جحا وشادي الزقزوق وحازم حرب و,بعد أول نجاح لعمل فني مشترك، أعلنت المجموعة عن نفسها عبر الشبكة العنكبوتية وأقامت مقرا لها في الفضاء الافتراضي، وعلى الأرض كانت تتنقل من مكان إلى مكان بلوحاتها من غزة المحاصرة إلى نصفها الآخر الضفة الغربية ثم إلى دول العالم كالنرويج و غيرها.
وافتتح "المحترف" مؤخرا بتمويل من الاتحاد العام للمراكز الثقافية في غزة، يرسم المقوسي ابتسامة صافية ويقول: "شبابيكنا "تجول العالم وتسير اللوحات في شوارعه ونحن هنا محاصرون"، مشيرا إلى عدم استطاعته مغادرة قطاع غزة للمشاركة في معارض دولية ويضيف بإيقاع حزين:" 6 مرات منعت من المشاركة في معارض دولية بسبب الحصار والإغلاق".
ويرى المقوسي جمهور نخبوي في غزة يتذوق الثقافة والفن وتلك تخضع للحالة السياسية التي لا تخلو من منغصات و تعكس نفسها على كافة مجالات الحياة بما فيها الفن الذي استطاع أن يضع نفسه على هذه الخارطة المرتبكة وينقل رسالته بأمانة،
ومن ابرز ما يواجهه الفنانين محدودية الأماكن المخصصة لإقامة معارض وخضوع الأخيرة كالجاليري الوحيد وقرية الفنون والحرف إلى سلطة الحكومة المقالة ذات التوجهات الإسلامية التي تفرض شروط وقيود على الأعمال الفنية بما يخدم توجهاتها، وهذا ما لا يروق لفنانين يجدون في ذلك تكبيلا لأيديهم في وجه الإبداع الذي لا تحده حدود، فضلا عن تأثير الحصار والإغلاق التي أعاقت انجاز الفنانين للوحاتهم الفنية لعدم توفر مستلزمات الرسم من ألوان وما شابه فضلا عن محدوديتها وارتفاع أسعارها.
ورغم تعقيدات الحياة في قطاع غزة، إلا أنها خلقت جمهور يرى في الثقافة والفن متنفسا يقربهم إلى الحياة التي تعبث بها التصريحات السياسية وتنتزع منها جماليتها.
وبحسب فنانين فان "المحترف" المتواضع عبارة عن "صالة للعرض وغرف مجهزة بأجهزة كمبيوتر وقاعة تدريب" ليس بمواصفات جاليري يطمح إليه الفنانين إلى انه يعد متنفس للفنانين الشباب بعيدا عن الوصاية , وعنوانهم الدائم بعد أن انحصر بهم المكان وازدحمت مخازنهم المهجورة باللوحات الفنية.
ويضع المحترف بحسب المقوسي أولياته في تطوير أداء الفنانين الشباب والمحترفين لصناعة لوحات فنية حديثة وأعمال معاصرة مثل الفيديو أرت والتصوير الفوتوغرافي الرقمي والأعمال الإنشائية وعرض تجارب وإنتاج فنانين للجمهور المحلي والدولي.
الفنان التشكيلي والنحات إياد صباح يتبادل وصديقه المقوسي آخر أعمال كلا منهما، ويشير أنه سعيد بالمحترف الذي بات عنوان للفنانين يمكنهم الالتقاء فيه بعد أن شردتهم السياسة إلى أماكن لا تشبههم ويعلق صباح " هو نافذة جديدة على الفن التشكيلي خاصة ونحن نعاني من نقص الأماكن وفيه إمكانية عرض لوحات لفنانين دون مقابل مادي بعيد عن أي وصاية حزبية او أيديولوجية ".