مصور فرنسي يخلق من اسماء المتروات مشاهد معبرة
عبدالله كرمون
GMT 16:00:00 2009 الإثنين 2 نوفمبر
عبد الله كرمون من باريس: ليس موضوعا جديدا تناول المترو في الأعمال الأدبية والفنية. لكن نظرة الفنان الفوتوغرافي جانول أبّان، بالشكل الذي سنراه، جديدة وفكاهية في هذا المضمار. فإن كان من الواضح أن مترو الأنفاق الباريسي مَعْبر يومي لفئة عريضة من سكانها وزوارها، مثلما هو فضاء لتعابير مختلفة ولقاءات تعدّها الصدفة، فإن الفنان قد سعى من جهته إلى منحها بعدا فنيا آخر، راعى فيه ما بين قوة الصورة ودلالة الكلمة أو زواجهما إذ أخضع أسماء محطات المترو إلى نظرته الفوتغرافية الخلاقة بحلق ديكور جديد عبر اللعب على المعنى الأولي لأسماء محطات المترو الباريسية. وفيما يلي نماذج منها:

قدم لنا محطة "Champ de mars" ما يمكن ترجمته حرفيا بـ"حقل مارس" (ومارس تعني ايضا المريخ)، الواقعة على مقربة من برج إيفيل، وكأنها مسرح لتجربة غزو الفضاء، وقد حط فيها رجل على كوكب المريخ ببذلة ملاح فضائي، مستغلا كما هو واضح اسم "مارس" بشكل هزلي، وإضفاء معنى مخالفا عليه، إذ صارت المحطة البسيطة التي أخذت تسميتها من الفضاء الأخضر الممتدة مساحته من مبنى المدرسة العسكرية في إتجاه برج إيفيل والذي كان مخصصا فيما مضى لتمارين خيالة المدرسة العسكرية. وفتح منذ زمن لنزهات السياح كلما صحا الجو.

أما صورة محطة Monceau، التي تفضي إلى حديقة معروفة، والواقعة في الخط الثاني الرابط ما بين ساحة دوفين وناسيون، فهي مثيرة للضحك لأنها تتمسك بالناحية الصوتية للكلمات. إذ اللفظة الصوتية الفرنسية لتسمية المحطة تعطي كلمة مركبة منmon (بتاعي) و seau (دلو) وبلفطها ككلمتين يصبح معناها "دلوي". لذلك نجد الفنان يقدم لنا شخصين يتجاذبان ذلك الدلو وكأني بهم يصرخان كل منهما من جهته إنه "دلوي"!

في الوقت الذي تبين فيه محطة ديروك الواقعة على الخطين 13 ( في اتجاه شاتيون واتجاهي سان دوني وأنيير جونفيلييه) والخط 10 (الرابط بين بوا دو بولوني ومحطة أوستيرليتز)، عازفا على القيثارة في رفقة فتاة وشخصين آخرين تدل طريقة لباسهم معا أنهم من عشاق ذلك النوع من الموسيقى الذي يدعى الروك. وبما أن اسم المحطة هو ديروك فإن سماع الفنان شاء أن يتلقاه كالتالي du Rock! أي: الروك

تقع المحطة على بعد خطوات من "المدرسة العسكرية" école militaire ما يجعل التسمية صريحة ودالة على مسميتها. أما الفنان فإنه خرج من ذلك الإطار الاعتباطي. جعل اسم المحطة بل المحطة نفسها مدرسة عسكرية، إذ أوقف جنديا تلميذا أمامها، وقد كان ربما ضحية عقاب معين إذ ألصقت له أذني حمار، وأوقف بشكل مضحك قدام الشارة التي يقدسونها. قد نتساءل ما الفرق بين الوضعية العادية لجندي ووضعيته كمعاقَب!

هذه المحطة anvers (بالمقلوب) واقعة في الخط الثاني من مترو الأنفاق، واسمها يدل عليها في الصورة التي قدمها عنها الفوتغرافي. إذ عمد على قلب حروف تسميتها، لكي تدل فعلا على معناها بالفرنسية. ما يؤكد اهتمامه باللفظة وحرفيتها في التعامل مع هذه المحطات.
تقع محطة Dupleix (شقة مزدوجة) في الخط السادس، غير بعيد عن برج إيفيل، لكن المثير فيها هو التجسيد الذي أتاه الفنان على رصيفها. إذ صور رجلا يحمل امرأة على كتفيه، ما يعطي دلالة ومعنى لاسم المحطة. التي تحيل على شقة متوسطة المساحة والمتوفرة على طابق أعلى يفضي إليه سلم داخلي!

أما Maison blanche (البيت الأبيض)، فهي محطة تقع على الخط السابع. وبعيدا عن كونها بيضاء، فقد اختار الفنان أن يقدم من خلالها رجلين أسودين يرتديان بذلتين سوداوتين. ما يكرس التناقض البادي. بل أكثر من ذلك، نلمح أحد الرجلين الأكثر قربا يلوح بيده كي يمنع التقاط الصورة. ما يجعل البيت الأبيض أكثر سوادا!

تقع مادلين على خطوط مختلفة (8، 1، 12). إلا أن الصورة التي التقطها الفنان على رصيفها، تقدم رجلا حاملا زهورا، ما يذكر بمادلين جاك بريل. تلك البنت التي انتظرها الرجل لأمسيات عديدة دون أن تأتي، مرددا: "في هذا المساء سوف أنتظر مادلين..."
أما "محطة الشمال" فقد أوحت للفنان بالقطب المتجمد الشمالي. فنرى على الرصيف الذي يكسوه جليد رجلا من الاسكيمو يسافر برفقة بطريق. لسنا ندري هل وصل للتو إلى محطة الشمال ظانا أنه في أصقاع القطب، ما يعني أنه أخطأ الطريق وخدعته مفردة الشمال!
أم أنه جاء من القطب ليكتشف شمالا آخر، لا يعدو أن يكون سوى بوابة، مادام مجرد محطة، لشمال أكثر بردا وصقيعا، فيكون قد أخطأ الطريق مرة أخرى!
kermounfr@yahoo.fr