معرض يسلط الضوء على حياة الفنان النرويجي في الدنمارك
من جديد... إدوارد مونخ ضيفًا على كوبنهاغن
حسين السكاف
GMT 0:00:00 2009 الخميس 5 نوفمبر
 |
| "الطفلة المريضة" 1907 - زيت على القماش |
حسين السكاف: يبدو أن عالم الفنان النرويجي إدوارد مونخ (1863-1944) ما زال يمتلك الكثير من المفاجآت، هذا الفنان الذي اتسمت حياته بالكثير من الأزمات والقلق والاضطرابات النفسية والتي جعلت من أفكاره مثارًا للجدل والتحليل والنقاشات منذ العقد الأخير للقرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، وكان للدنماركيين حصة في هذا، حيث يشتغل ومنذ زمن بعيد العديد من النقاد والباحثين في تاريخ الفن، على تحليل ودراسة أعمال "مونخ" وأبعادها النفسية والفلسفية إلى جانب دراسة تأثير تلك الأعمال على المتلقي، وهذه الجهود أثمرت مؤخرًا عن معرض لإدوار مونخ إفتتح الشهر الماضي بعنوان "مونخ والدنمارك" في مجمع "أوردروب غارد" للفنون شمال كوبنهاغن.
المعرض يسلط الضوء على حياة إدوارد مونخ وسنواته التي قضاها في كوبنهاجن منذ زيارته الأولى عام 1888 حين كان في الخامسة والعشرين من عمرة ولغاية الأشهر الثمانية التي شهدت أصعب أزمة نفسية مَرَّ بها هذا الفنان والممتدة بين آب 1908 وحتى نيسان 1909، تلك الفترة التي خضع فيها مونخ لجلسات علاج مكثفة في مشفى الدكتور دانيال جاكوبسون، الذي شهد إنتاج العديد من الأعمال المهمة، نفذها مونخ من داخل غرفته التي حولها إلى ستوديو متكامل. خصوصًا سلسلة الأعمال التي تجسد موضوع حالات المرأة إزاء الرجل عبر العصور، بالإضافة إلى أعمال في التصوير الفوتوغرافي والغرافيك، وعن تلك الفترة يقول مونخ: "غمرتني حالة من الارتياح من نوع خاص، عندما كنت أرسم هذه السلسة من الرسوم. لقد شعرت وكأن كل ما هو شرير ينسلّ مني.".
كان لتأثر إدوارد مونخ بأفكار الفيلسوف الدنماركي سورن كيركغارد (1818-1855)، الدافع الرئيس الذي شجعه لزيارة كوبنهاجن أول الأمر، ولكنه سرعان ما وجد في العاصمة الدنماركية رابطاً روحياً جعله يلتجئ إليها بين حين وآخر، لتتحول هذه العاصمة فيما بعد إلى نقطة انطلاقه حيث أوروبا، باريس وبرلين على وجه الخصوص. فبعد أن توطدت علاقته بالفنان "جي أف ويليمسون" (1863-1958) أحد رواد الفن الحديث الدنماركي، تعرف عن طريقه بالفنان الفرنسي بول غوغان (1848-1903) وزوجته الدنماركية ميتا غوغان.
توزعت الأعمال المعروضة بين الزيتية والباستيل، وأخرى غرافيكية تباينت بين "الليثوغراف" والحفر على الخشب، وتخطيطات استحوذ موضوع بداية الخليقة وفلسفتها على أغلبها. أكثر من ثمانية تخطيطات اشتركت بعنوان "حواء وآدم" رغم أن بعضها لا يظهر سوى حواء، خائفة مرة، ومنتصرة في الأخرى... وهناك من الأعمال الزيتية التي تفصح عن رؤية "مونخ" الخاصة بفصل الخريف وألوانه التي جاءت قاتمة وبخطوط عنيفة حادة لتعكس حقيقة الكرب الداخلي الذي تعتمره روحه آنذاك، وكأنها رسائل غضب واحتجاج على حالات الإحباط وخيبات الأمل التي يتعرض لها الإنسان، ولعل أشهر اللوحات المعروضة في المعرض هي لوحة "الطفلة المريضة" التي تعد واحدة من سلسلة أعمال مهمة نفذ "مونخ" قسمًا منها بداية في باريس، حيث كانت بمثابة جواز المرور إلى "جماعة الطبيعيين". والعمل، أو سلسلة الأعمال، تحكي قصة "صوفيا" شقيقته الصغرى التي توفيت بالسل والتي ظلت ذكراها ترافقه بحزن عميق حتى أيامه الأخيرة.
 |
إدوار مونخ بريشته 1909– زيت على القماش 100*110 سم
اللوحة التي رسمها مونخ خلال تواجده في المشفى في كوبنهاجن
|
إدوارد مونخ الذي بدأ ابنًا للمدرسة الطبيعية، سرعان ما تبدلت أفكاره ونظرته للفن والحياة منذ أن تعرف على غوغان وويليمسون في كوبنهاجن، ثم دخوله باريس عام 1889، وارتباطه بعلاقة متينة مع مالارمية وبعض فنانين باريس في تلك الفترة الذهبية، حيث راح منقاداً وراء اضطراباته النفسية ومعاناته التي حملها منذ الطفولة، يبحث في الكشف عن أسرار الروح البشرية وبؤر التأزم والاضطرابات التي تواجه الإنسان بصراعه مع الحياة، وراح يعبر عن عالمه الداخلي في لوحات جدارية كبيرة أحياناً، أو في سلسلة أعمال غرافيك أحيانًا أخرى، في محاولة منه لتجسيد موقفه إزاء العالم، ورؤيته في الصراع بين الخيبة والتفاؤل في حياة الإنسان، حيث ظهرت قوة ذلك الصراع في أعمال "مونخ" بشكل جلي، مما تسبب له في أحيانٍ كثيرة مشاكل مع الوسط الفني المحافظ آنذاك خصوصًا معرضه الذي أقيم في برلين عام 1895 ولوحته التي عرضها بعنوان "المرأة في حالات ثلاث" حيث تمرد الجمهور على مونخ بسبب تلك اللوحة وطالب بمحاكمته.
ولد إدورد مونخ في مدينة لوتين النرويجية في 12 كانون الأول/ديسمبر عام 1863 بالقرب من إحدى الثكنات العسكرية الكبيرة، حيث كان والده يعمل طبيبًا عسكريًا، وبعد خمس سنوات من ولادته توفيت والدته، وفي سن الرابعة عشرة فقد أخته "صوفيا"، التي تحول موتها إلى دوامة حزن ظل يلازم مونخ طيلة حياته. وحين غادر مونخ الحياة وهو في الثمانين من عمره، إثر إصابته بالتهاب القصبات الهوائية، ترك كنزاً فنياً هائلاً يتمثل بست منحوتات وأكثر من 1026 لوحة زيتية، وأكثر من 4470 لوحة تتوزع بين التخطيط والمائية والغرافيك. وقد أضحت تلك الأعمال من ممتلكات متحف "إدوارد مونخ" الذي افتتح في أسلو عام 1963 بمناسبة مرور مئة عام على ولادته.
يستمر المعرض حتى الثالث من يناير/كانون الثاني 2010
halsagaaf@hotmail.com