GMT 19:56:13 2012 الأحد 12 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

ثقافات

كتابة الشعر وأعباء اليوت اليومية في الجزء الثاني من رسائله
عبدالاله مجيد

GMT 16:13:00 2009 السبت 7 نوفمبر


اعداد عبدالاله مجيد: "لم اكتب شيئا بالمرة من ثلاث سنوات ولا أرى أي احتمال قريب بأن أكتب. كتابة الشعر تحتاج الى وقت وأنا ليس عندي وقت على الاطلاق". بهذه العبارة لخص الشاعر تي. اس. اليوت حياته خلال السنوات الثلاث التي يغطيها الجزء الثاني من رسائله التي انتظرها القراء عشرات السنين.
تسجل مراسلات تي. أس. اليوت على امتداد 800 صفحة، بلغة يائسة، حياة كاتب توقف عن الكتابة بتفاصيلها اليومية. وكانت للشاعر أسبابه.

  ابتداء كانت هناك زوجته فيفيان. تزوج اليوت من فيفيان هيغ وود في حزيران/يونيو 1915 حين كان طالبا اميركيا خجولا يدرس الفلسفة في جامعة اوكسفورد، بعد اسابيع قليلة من تعرفه عليها. وبعد سبع سنوات اتضحت عواقب الزواج الكارثية على الاثنين بكل ابعادها. إذ كانت فيفيان معتلة الصحة تنهش الأمراض جسمها بلا انقطاع تقريبا. وبات من الصعب بعد حين تجاهل الاختلال العقلي الذي ألمَّ بها. وباحساس عميق بالمسؤولية عن السهر على زوجته كان اليوت نفسه يقع مريضا من فرط القلق عليها، يعتني بها ويحتاج الى الابتعاد عنها في آن.
الى جانب مرض فيفيان كان على اليوت ان يقلق بشأن اسعار الصرف الدولية واصدار السندات الحكومية في الخارج وسداد ديون الحرب. ولعل من المناسب في هذا الوقت بالذات ان يتذكر القراء ان اليوت كان مصرفيا. ومنذ آذار/مارس عام 1917 عمل في قسم المستعمرات والخارج في مصرف لويد حيث ارتقى الى موقع مسؤول مشرفا على تحليل المعلومات الخاصة بالنشاطات المالية للحكومات الاوروبية. وبحلول عام 1923 أصبح العبء الناجم عن هذا الانفصام في حياته عبئا لا يطاق، وأخذ يفكر في بدائل مختلفة للتخلص من قيود الوظيفة ولكن ستيفان كوليني يقول في صحيفة "الغارديان" ان الراتب المنتظم من المصرف وحتى آفاق المعاش التقاعدي على المدى البعيد كانت تزداد أهمية بتناسب طردي مع الغموض الذي أخذ يكتنف مستقبل زوجته.
ثم كان على اليوت ان يقلق على مجلة "كرايتريون" (المعيار) الثقافية الفصلية الطموح فكريا التي تولى تحريرها بمفرده عمليا، "في وقت فراغه". وكانت المجلة صدرت في تشرين الأول/اكتوبر 1922 بتمويل من الليدي رذرمير زوجة هارولد هارموزورث نبيل رذرمير الأول (ساعد شقيقه الفريد على بناء الامبراطورية الصحفية التي كانت صحيفة الديلي ميل مطبوعها الرئيسي). وكان اليوت يطمح في تحويل "كرايتريون" الى ارقى مجلة ادبية في زمنها تروج توليفته المفضلة بين الأدب الحداثي والسياسة الرجعية، بحسب كوليني. ولكن اليوت سرعان ما اكتشف مشقة العمل المطلوب لتحقيق مشروع كهذا. وبعد فترة قرر تشغيل موظفة ترقن على الآلة الكاتبة لتولي بعض مراسلاته. ولفترة قصيرة عمل الشاعر والمترجم ريتشارد اولدنغتون مساعدا له عندما كانت مواعيد المواد تفوت بلا رحمة. وبدا ان اليوت كان المسؤول عن كل شيء من تكليف الكتاب بمساهمات الى التصحيح ودفع المكافآت.

فاقت هذه الأعباء والمشاكل قدرة اليوت على التحمل. وندب حظه قائلا بقدر من الهستيريا في آذار/مارس 1923، "أنا منهك ولا استطيع الاستمرار". ولكن طريق الأشواك كان يمتد طويلا أمامه وارض اليباب في منتهاه. وعندما تحدث في شباط/فبراير 1925 عن "أحلك لحظة في حياتي" كانت لحظات أحلك تنتظره. وفي الشهر التالي كتب الى فرجينيا وولف يقول "وهكذا فان الحياة بكل بساطة من دقيقة رعب الى أخرى"، ربما بوحي بيت من قصيدة سمعه يولد في مكان ما من رأسه. ولكن بقدر ما يُستشف من رسائل اليوت لم تكن ابيات كثيرة ترى النور من عقيرته في تلك الفترة العصيبة من حياته.
يلاحظ كوليني ان شعر اليوت هو ما يطالب باهتمام القارئ رغم نفوذه كناقد وكاتب مسرحي ومحرر ومعلق ثقافي. ويعيد الى الاذهان فوز اليوت بلقب شاعر بريطانيا المفضل في استطلاع أُجري في تشرين الأول/ اكتوبر ـ في خيار ربما كان مفاجئا إزاء الصعوبة التي يتسم بها شعره ولكن قد لا يكون الاختيار مستغربا إذا ما تذكرنا مجموعته الشعرية الطريفة عن سايكولوجيا القطط Old Possum’s Book of Practical Cats التي أوحت بمسرحية "كاتس" (قطط) الموسيقية.
ان مكانة اليوت كشاعر لا تكفي بحد ذاتها لتفسير مشاعر الترقب والشوق بانتظار صدور الجزء الثاني من مرسلات توماس ستيرنز اليوت. ولكن الاحساس اللطيف بالدراما الذي يرافق عملية النشر (يعيش الكتاب والناشرون داخل قوقعة في الغالب) تضاعف بما اتخذته دار فايبر للنشر من اجراءات أمنية غير معهودة حيث يشير كوليني الى ان مراجعي الكتب تعين عليهم ان يوقعوا اتفاقيات تلزمهم بعدم الكشف عن محتويات الجزء الثاني من مراسلات اليوت "لطرف ثالث" قبل يوم النشر.