بثينة العيسي: المرأة تجتاح العالم بجسدها
محمد الحمامصي
GMT 21:00:00 2009 الأربعاء 18 نوفمبر
محمد الحمامصي من القاهرة: عبر البريد الإلكتروني تصل رسائل قد تبلغ مائتا رسالة أو أكثر يوميا، ونادرا ما يتاح الوقت لتصفحها جميعا، لكن هذه الرسالة التي حملت غلاف رواية صدرت حديثا، ومن باب المصادفة وحدها قررت أن أكتب لصاحبة الرسالة بعد عمل بحث عنها، ومعرفة أنها روائية كويتية اسمها بثينة العيسى، وأن هذه الرواية هي روايتها الرابعة "تحت أقدام الأمهات"، أدهشتني بالفعل موضوعاتها التي تتعلق بما تعانيه المرأة العربية، في المجتمع الخليجي خاصة، وذلك من خلال المقالات التي تعرضت لها هنا وهناك على الشبكة والتي توقفت بشكل خاص رواياتها "عروس المطر"، "ارتطامٌ.. لم يسمع له دوي"، و"سعار"، واكتشفت أننا كثيرا ما نتوقف عند أسماء كاتبات بعينهن كونهن يكتبن بجرأة في موضوع الجنس خاصة وإن لم يعالجن هما اجتماعيا جوهريا وإنسانيا، الأمر الذي يؤدي إلى تواري أسماء تعمل على رؤيتها وتجربتها بإخلاص الرسالة الجمالية والإنسانية، وبثينة العيسى من هذا النوع الأخير الذي تصدر رؤيته عن أبعاد اجتماعية وإنسانية جوهرية في حياة المرأة في المجتمع الذكوري، بدأ الحوار بسؤال عن المراحل التي قطعتها تجربتها، وبنائها الثقافي، فجاءت ردودها كاشفة عن تميز في الرؤية، فواصلت أسئلتي وكان هذا الحوار.
** المراحل التي مرت بها تجربتك الرواية؟
** قبل أن أجرب الرواية جربت أجناس كتابية أخرى " أخف "، ويقع في إطار تلك الأجناس مذكراتي كطفلة، أو قصائدي كمراهقة، أو القصص القصيرة القليلة التي جربت فيها أن أكون كاتبة " أكثر جدية وحرفية " وكل ما كنت أفعله في ذلك الوقت كان بغرض تدريبي على أن أجترح الرواية، روايتي الأولى كتبتها وأنا في الواحد والعشرين من عمري، والثانية في الثانية والعشرين، والثالثة في الثالثة والعشرين، والأخيرة " تحت أقدام الأمهات " كتبتها على امتداد ثلاث سنوات وحتى بلوغي السابعة والعشرين من العمر، ولا أعرف كيف أعكس تلك التجربة المتواضعة والقصيرة على مراحل، ولكن ما يمكنني قوله عن أعمالي الروائية هو الآتي: لقد حاولت - ولا أدعي أنني نجحت - أن آتي في كل مرة بنص مختلف، روايتي الأولى " ارتطام لم يسمع له دوي " كانت عن الانتماء والوطن والمسافة الشاسعة بين مفهومي المواطنة والوطنية، في حين أن روايتي الثانية " سعار " كانت النقيض: كانت قصة فتاة لا منتمية وساخطة يملؤها الاشمئزاز من العالم، وجودية ومغتربة وساخرة من كل شيء، في " عروس المطر " كنت أجرب أن أتداخل مع عوالم مثيولوجية فتنتني وأنا أقرأ عن كل الثقافات والأديان القديمة، كما حاولت أن أقدم صورة عن ذكورية أنساق المجتمع من عيني فتاة " قبيحة " و " عانس " رغم أن هاتين اللفظتين أصلا هما من إفراز الأنساق الذكورية الرسمية.. وكيف أن الأنساق المؤسساتية والذكورية قد مدت أذرعها الطويلة إلى أصغر توافه عالمنا، منذ لعبة الباربي وحتى مكعبات مرق الدجاج.. في روايتي الصادرة حديثا " تحت أقدام الأمهات " كنت أحاول أن أرتقي بنصي فنيا، فالرواية مليئة بالأبطال ومتنوعة من حيث أصوات السرد، وتحكي قصة ثلاثة أجيال من عائلة واحدة، في عالم نسائي محتشد، على مدى سنوات طويلة، وما كنت أحاول بناءه هنا، هو أن أبين بأنه يمكن للمرأة أن تكون أكثر ذكورية وقدرة على المصادرة من الرجل في بعض الأحيان، فقد دشنت في تلك الرواية عالما نسائيا، ولكنه لا يشبه المجتمعات الأنثوية القديمة بقدر ما يشبه مجتمعاتنا البدوية في الخليج، مجتمع قائم على الكبح والقمع وأشياء أخرى..
** كيف هي المرتكزات الثقافية التي تكونت عليها شخصيتك الروائية؟
** القول بوجود مرتكزات يعني وجود ثوابت، وعلاقتي بالرواية.. ليست قائمة على أي ثوابت، وأعتقد بأن الإبداع هو تلك الماهية أبدية التغير التي لا يمكن إقامتها على قواعد إلا إذا سلمنا بأن قواعد نقيضة ستولد مع الزمن - خصيصا - من أجل تدمير الأعمدة والثوابت والأوثان القديمة، الرواية - شأنها شأن الفنون جميعها - هي سفر في المجهول، إن لم نقل التخبط في المجهول، وتجربتي الروائية قائمة على أساس " الجهل " وحده.
** كيف ترين الرواية الآن لدي كاتبات جيلك
** لا أدري، لست قادرة على إطلاق أحكام من هذا النوع لأنني مقصرة في قراءة إصدارات جيلي، ولأنني أيضا غير متأكدة من فكرة المجايلة أبداً.
** تعكس رؤيتك بعدا جوهريا في حياة المرأة في الخليج عامة؟ لكن ألا ترين أنه حدث تقدم في هذا المجتمع بالنسبة للمرأة، خاصة وأن المرأة الخليجية الآن تعلمت وتشغل المناصب وتكتب وتحاضر وغير ذلك؟
** بالتأكيد، هناك تقدم إلى حدٍ ما! فالوزارات غاصة بمئات الموظفات اللواتي يعملن من أجل أن يحصل الزوج على الراتب في نهاية الشهر، ويمكن للمرأة - بشيء من الحظ - أن تحصل على التعليم الجامعي، لأن التعليم إجباري حتى الثانوية العامة فقط، وأنا أعرف عشرات النساء ممن عجزن عن استكمال دراستهن الجامعية بسبب غطرسة عائلاتهن، أكثرهن حظا خيرت بين ارتداء النقاب وارتياد الجامعة أو البقاء في البيت، أعرف فتاة اكتشفت بأنها متزوجة بالصدفة وهي تجري معاملة روتينية بالجامعة، وأخرى أخبرها أبوها ببساطة بأنه قد زوجها قبل نصف ساعة لابن عمها وذلك بحسب تعبيره " للعلم فقط! " لأن رأيها غير مهم بالمرة، ما زالت جرائم الشرف جارية على قدم وساق في كثير من المناطق، وما زلنا نعاني من هيمنة ذهنية تدعي بأن المرأة لا تصلح إلا للمطبخ، ولا ينبغي تضييع الوقت بتعليمها الرياضيات والعلوم، ولا تنفع لقيادة السيارة، وأشياء أخرى أساسية من أجل بناء مجتمع مدني حقيقي لا تكون فيه المرأة عرضة لضغوط عشائرية، أعرف أمثلة كثيرة، مؤلمة ودامية، بقدر ما أعرف أخريات حصلن على كل التشجيع الممكن من أجل أن يدفعن بأنفسهن إلى الأمام وأبين، وهؤلاء لسن الموضوع هنا، ولكن بالنسبة لآلاف مؤلفة من النساء ممن كن ضحايا للمجتمع بشكل أو بآخر، فأنا كل هذه النساء، ولا أستطيع المزايدة على معاناتهن بسبب تطورات طفيفة تطرأ على جسد التشريعات والقوانين بين حين وآخر، قد تكون هناك تطورات ملحوظة على مستوى التشريعات، ومساواة مزعومة في نظر الدستور، وحرية نسبية، وحق ترشيح وانتخاب، ولكن هذا لا يكفي.. ما نحتاج إليه أكثر من التشريعات الداعمة هو ذهنية اجتماعية تكون أكثر قبولا وعدالة وانفتاحا، ما نحتاج إليه باختصار هو أن نختلف عن الرجال بحرية وبدون خوف.
** لنكن صرحاء ما البعد الأساسي لهمك في الكتابة، ما الذي تطمحين إلي تحقيقه عبرها؟
** أنا، بالفم المليان: ليس عندي هم أساسي! لأنني لا أكتب من أجل دعم معتقداتي، ولكنني لا أستطيع أيضا أن أدعي خلو نصوصي من القضايا، فالرواية، هذا النص الإسفنجي، يمتص العالم المحيط بكل أبعاده وتفاصيله، وإذا كان هناك تعاطي مع إشكالات معينة، فقد حدث ذلك استجابة لضرورة أدبية أكثر منها ضرورة أخلاقية، أو قيمة.
** أيضا هل ترين أن المرأة الكاتبة والمبدعة لا يزال يمارس على كتابتها القمع؟ ألا ترين أنها انفتحت كثيرا عن ذي قبل؟
** القمع هو آلية مصادرة واضحة، ويمكن محاربتها بسهولة لأنها محددة وظاهرة على السطح، وقد لا تمثل مشكلة بالنسبة لكثير من النساء، بل على العكس، تشعر الكاتبة الأنثى بوجود احتفاء مبالغ به بتجربتها عند دخولها إلى الساحة الثقافية أو الأدبية، ما سبب هذا الاحتفاء؟ هل هو الموهبة وحدها؟ أم أن الأنوثة صارت جزءا من معالم النص النسائي التي يسيل لها لعاب المجتمع تلقائيا؟ ما الذي تستهدفه المانشيتات في اللقاءات الصحفية مع أي امرأة من أي مجال معرفي أو إبداعي؟ الإغواء والغيرة بين الفنانات وعمليات التجميل وجميع مكونات " الحريم " الشرقي الذي خلنا أننا تخلصنا من ترسباته إلى الأبد؟
يخيل للناظر إلى كل تلك الصحف والصور والمجلات والأمسيات والحفلات والفعاليات بأن المرأة تجتاح العالم، ولكنها - بكل أسف - لم تفعل ذلك إلا بجسدها، وهذا النوع الجديد من التهميش الفكري والتعليب الإعلامي والتسطيح الثقافي يؤكد بأن المرأة لم تتحرر من ذكورية المجتمع كما يبدو، ففي طرف المعادلة لدينا نساء وفتيات عاجزات عن استكمال الدراسة، أو العمل، أو الكتابة، أو قيادة السيارة، وفي الطرف الآخر لدينا أخريات يمعن في تضخيم شفاههن وكأن هذا هو كل ما يهم، الأولى ضحية قمع واضح لمجتمع قائم على المصادرة والتهميش، والأخرى ضحية عقلية شبقية فحولية تجتاح كل شيء، ومجتمعاتنا الخليجية بشكل خاص ! الأولى ضحية الآخر، ولكن الثانية ضحية نفسها بالدرجة الأولى.
إن الهموم الجنسية تم معالجتها في روايات وقصص وأعتقد أن بعض المعالجات جاء جيدا ما هي النظر التي تحملها المرأة في كتاباتك، ما هذا الشغف بالتسلل إلي المجتمع الذكوري؟
** ما هذا الشغف بالتسلل إلى المجتمع الذكوري؟
** حتى هذا السؤال لم يسلم من الذهنية الذكورية القائمة على أساس أن الرجل هو المركز، وأن المرأة هي الهامش، وهو يشعرني، أولا كامرأة، وثانيا ككاتبة، بأن هذا العالم الكبير، عالم الله الواسع، مخلوق من أجل الرجل، وبأن ما نمارسه نحن النساء من مطالبات بحقوقنا واحترام اختلافاتنا وكتابة نصوصنا هو من قبيل التطفل على تلك القلعة الحصينة، قلعة العالم، التي يديرها الرجل بيدٍ من حديد.
أؤكد لك: أنا لا أريد " التسلل" إلى أي مكان، وكل ما أريده كامرأة هو أن يتم التعاطي معي بموجب إنسانيتي وحدها، وما أريده ككاتبة هو أن لا يتم النظر إلى تجربتي الكتابية بعين العطف، ولا أن يتم - أيضا - الاستسخاف - بما أكتبه بحكم أنوثتي.
** يبدو أن للواقع الكويتي وما تعانيه المرأة من مشكلات أثره وانعكاسه على رؤيتك فهل نحن أقرب إلي معالجة هذا المجتمع إبداعيا؟
** لا، لأننا نحمل الأدب فوق ما يحتمل إذا ما طالبناه باختراع حلول لمشاكلنا الأزلية، جوهر الكتابة هو السؤال، وغرضها جمالي، وبشيء من الجرأة: روحي، ولا أستطيع أن أزعم بأن تلك النصوص " المتواضعة مهما بلغ جمالها " قادرة على معالجة إشكالات المجتمع إبداعيا.