عبد الجبار العتابي من بغداد: عادت الى بغداد المخرجة المسرحية العراقية المعروفة منتهى محمد رحيم، وبدأت اجراءات ترتيب اوراقها للعودة الى العمل في دائرة السينما والمسرح، من اجل معاودة نشاطها الخاص بالطفل تحديدا حيث انها من المهتمين بهذا المسرح ولها تجارب عديدة مميزة فيه، وتخرج من بين يديها العديد من الفنانين الذين اخذوا مكانتهم في الفن العراقي، وتأتي عودتها بعد غياب عن بغداد نحو سبع سنوات في الغربة حيث امضت سنة واحدة في سورية قبل ان تلتحق بزوجها الفنان حمودي الحارثي في هولندا، وكانت طوال اكثر من عشر سنوات عاطلة عن العمل بسبب عدم توفر الامكانات الخاصة بمسرح الطفل، معها اجرينا هذا الحوار.
* ما اخر عمل مسرحي لك؟
- اخر عمل كان سنة 1989 للكبار بعنوان (الاشواك) للكاتب الكبير محي الدين زنكنة، قدمته في مسرح الرشيد وعرض في مهرجان المسرح العربي الذي اقيم انذاك في بغداد، وحاز العمل على خمس جوائز: افضل نص وافضل ممثلة اولى (ليلى محمد) وافضل ممثل ثاني(رضا ذياب) والانارة والتأليف المسرحي، وكنت قد غيرت الخط الرئيس، ولكن جائزة الاخراج لم احصل عليها، وان قيل عن المسرحية انها حاصدة الجوائز.
* وما اخر عمل لك للاطفال؟
كان عام 1987 وهو (مملكة النحل) تأليف الراحل جبار صبري العطية.
* ما سر ابتعادك طوال هذه السنوات؟
- لان المسرح اصبح تحت مبدأ (التمويل الذاتي)، ولا بد لي ان اجيء بمنتج ينتج لي المسرحية التي اريد تقديمها ويصرف عليها، ومسرح الطفل بالذات لايمكن ان يعتمد على التمويل الذاتي، والمفروض ان تكون الجهة المنتجة هي الدولة لانه خطر وتوجهه صعب وانتاجه كبير ومسرف وعندما تحول الى التمويل الذاتي بدأت المؤسسة تسعى لجلب منتجين للاعمال، والدائرة تأخذ نسبة منه، والمنتج هنا يريد اعمالا تحقق ارباحا، مسرح الطفل لابد ان يتخلى عن هذه الصفة لانه تربوي وترفيهي بالدرجة الاولى ويتخلى عن التجارة وان لا تكون سعر التذكرة بهكذا مبلغ او ان يأتي بأرباح.
* هل حاولت تقديم اعمال حينها؟
- قدمت مشاريع عمل لدائرة السينما والمسرح من ضمنها مسرحية (بيت الحيوانات) للمؤلف جبار صبري العطية، وحينها طالبني المنتج ان اضيف اشياء من خارج النص او شخصية او ممثلين معينين من اجل ضمان حضور الجمهور او الرفض، فرفضت هذا الاسلوب.
* وماذا قالت الدائرة؟
- ماذا تقول والمبدأ تم العمل به، لذلك فضلت ان انزوي وابتعد عن هذا الجو الذي ملأه في المدة الاخيرة المسرح التجاري ومن اجل الربح فقط لاسيما خلال التسعينيات، حيث كان الربح هو الغاية الاساسية لان التمويل اصبح ذاتيا، ونقلنا الفكرة الى المدير العام للدائرة انذاك فاروق سلوم وتشكلت لجان لمتابعة مسرح الطفل، فجاء امر من الرئاسة ان تتم معالجة مسرح الطفل، فقدمنا اقتراحات على امل ان يعفى مسرح الطفل من الانتاج والتمويل الذاتي وان تكون الدولة هي المسؤولة في الدرجة الاولى، ولكن لم يأت اي رد ولم تحصل اية نتيجة، وهذا ما جعلني انقطع تماما بعد ان وجدت انه لايوجد اي حل، ولكنني كنت اداوم حالي حال اي موظف بدون ان اساهم في تقديم اي عمل او اخدم الحركة الفنية المسرحية، ومن سوء حظي انني تعرضت الى وعكة صحية وكنت بحاجة الى عمليات جراحية واستراحات وان اكون اكثر هدوء بينما العمل بالمسرح متعب جدا، اصبح الانتاج متعبا، فمن الموافقة على النص الى التدخل بالنص وطريقة الصرف.
* ما الذي يتميز به مسرح الطفل عن سواه؟
- انا قدمت مسرحيات عديدة منها (البنجرة الصغيرة) و (بدر البدور وحروف النور) وغيرها، مسرح الطفل يحتاج الى البهجة والملابس الملونة حتى يشعر الطفل بالدهشة، واذا افقدت هذه فاالطفل لا يمكن ان تدهشه، كنت قد كتبت اطروحة الماجستير حول مسرح الطفل وتوصلت الى نتائج وخطوات ما يتميز به مسرح الطفل وما الهدف من وراء العمل فيه.
* رأيك في احوال مسرح الطفل الان؟
- تفتقد الى ابسط قواعد مسرح الطفل الذي لابد ان يتميز بنص ممتع يقدم لمرحلة معينة، يمتلك الخطوات الاساسية، ان يكون الممثلون بدرجة عالية من الخبرة والموهبة، والذي يمثل به ممثل من الدرجة الاولى ولديه خبرة في كيفية التعامل مع الاطفال، انا كنت اختار خيرة ممثلي الفرقة القومية للتمثيل، انا لا استطيع الان ان اجلب هواة ليس لديهم خبرة في هذا المجال، انا قدمت في (بدر البدور) نزار السامرائي وكامل القيسي وهناء محمد وشذى سالم وازدوهي صومائيل وامل طه وكان هذا اول عمل لها وغيرهم.
* الا يمكن لممثلين شباب النجاح؟
- الطفل على اختلاف مراحله تؤثر فيه الشخصية المعروفة او الكبيرة بالسن،وعندما ارى الممثل لديه قدرة لتوصيل الفكرة الى الجمهور لابأس ان يشترك واذا نحتاج الى ممثل شاب لحركة يؤديها، الشخصيات الحيوانية متعبة وتحتاج الى اداء مميز وحركة دائبة ولابد ان يعرف الممثل كيف تتحرك وكيف تتكلم.
* هل انت مع او ضد ان يمثل طفل للطفل؟
- في رسالتي للماجستير قلت انني ضد ان يمثل الطفل للطفل، لماذا؟ الجواب هو: عندما يطلع الطفل على خشبة المسرح لايقنع الطفل المتلقي ولا يوصل له النصيحة او الفائدة والشيء المطلوب من العمل المسرحي لانه قليل خبرة، فالطفل يحتاج الى من يقنعه، والشيء الاخر ان تمثيل الطفل للطفل سيخلق غيرة بينه وبين الطفل الجالس ويكون هناك صراع نفسي، وهذه الحالة لا يستفيد منها الطفل المتلقي بقدر ما تضره.
* اريد ان اسألك.. لماذا تستخدم الحيوانات في مسرح الطفل على الاغلب؟
- مسرح الطفل لابد ان يراعي مراحل معينة، ولا بد ان نعرف نقدمه لمن، وماذا تمتلك هذه المرحلة من مواصفات وما في نفسها من معوقات، ومرحلة المراهقة تختلف عن الطفولة الاولى في مرحلة من ثلاث الى خمس سنوات، الطفل في هذه المرحلة يكون مولعا بهذه الشخصيات الحيوانية وبنفس الوقت ان اي شيء تقدمه يذهب معها في خيال واسع، في مسرحيتي (اللبنجرة الصغيرة) كانت شخصياتي حيوانات وكان معها شخصيات انسانية وكانت هنالك علاقة بينهما بطريقة التعامل، اشرنا الى حين يربي الانسان كلبا او قطة في حديقته كيف يكون التعامل.
* قمت بأخراج مسرحية للكبار ما الذي اغراك فيها؟
- انا درست الاخراج المسرحي ليس للطفل فقط بل بشكل شامل، والعمل احببته وأردت ان اجرب هذا المجال، فبدأت والحمد لله كانت المسرحية من الاعمال الراقية وشارك في تمثيلها ليلى محمد وعبد الجبار كاظم وسامي السراج ورضا ذياب.
* ما الذي تشعرين به الان وانت تشاهدين ما حدث لمسرح الطفل؟
- احس ان الذي عملته واشتغلت عليه لم يستمر ولم يتواصل وأتأسف عندما ارى اعمالا اقل من قدرتي، هناك اعمال ذات مستوى هابط جدا.
* ألم يساورك الحنين خلال سنوات الانزواء الى العمل؟
- كان ولا زال الحنين ولا زالت لديّ نصوص مكدسة لمسرح الطفل والكبار، لديّ رؤية خاصة لاخراجها ولكن هناك عوائق، احد النصوص وهو للمؤلف جبار صبري العطية بعنوان (ملحمة كلكامش) للاطفال طلبنا ان نقدمها في مهرجان بابل وان يكون اما الافتتاح او الختام، فطورناها لكنها ظلت مركونة في الادارة لمدة سنة كاملة واضطر المؤلف ان يسحبها، يقال انها تحتاج الى ميزانية وان امكاناتهم بسيطة.
* وبعد العودة الى بغداد؟
- ان كانت هناك ظروف معينة لانتاج عمل بمستوى يليق بما قدمته انا وما قدمته الفرقة القومية للتمثيل في السابق.. لماذا لا؟، اذا الامكانية متوفرة سوف اقوم بالاخراج، ولكن انتظر عليّ الان ان اكمل اوراق اعادتي الى دائرة السينما والمسرح وسيكون لكل حادث حديث.