هنا مقارنة بين خمس ترجمات للبيت الأول
Perfection, of a kind, was what he was after
من قصيدة اودن الشهيرة Epitaph on a tyrant
الترجمات الخمس:
ثلاث منها (ترجمات حكمت الحاج، سلمان مصالحة وسركون بولص) نشرت في إيلاف وترجمة بهجت عباس نشرت في موقع "الهدف
الثقافي"، وترجمة علي شلش في كتابه "عالم الشعر". في الحقيقة إن الاختلافات ليست فقط في ترجمة of a kind في البيت الأول، وانما كذلك في ترجمة Epitaph في عنوان القصيدة.
لذا سأكتب ترجمة كل واحد منهم للكلمتين بلون أحمر، حتى يرى القارئ الفرق بين ترجمة وأخرى. وبعد هذا سأبدي ملاحظات بشأن هاتين الكلمتين مع اقتراحين لترجمتهما.
1- ترجم حكمت الحاج العنوان بـ"نقش على ضريح الطاغية" والبيت الأول على النحو التالي: "ما كان يسعى في إثره دائما: الكمال في الطيبة".
2- وترجم سلمان مصالحة بـ"رقيمة على قبر طاغية"، والبيت بـ: "الكمالُ، أو شيء ٌ من هذا القبيل هو كلّ ما كان نَشَدْ".
3- أما سركون بولص فقد وضع "شاهدة على قبر طاغية" كمقابل للعنوان الانجليزي، وترجم البيت الأول بالتالي: "الكمال،، من نوعٍ ما، كان ما يسعى اليه".
4- بينما بهجت عباس فضل "نقش على قبر طاغية"، والبيت الأول: "أنموذجُ حدِّ الكمال هو ما كان وراءه".
5- في كتابه "عالم الشعر"، وفي مقالة مخصصة عن أودن مع ترجمة نماذج من شعره، ترجم علي شلش العنوان بـ"نقش على قبر طاغية"، واشتغل على البيت الأول لتأتي ترجمته له على النحو التالي: "كان الكمال الفريد في بابه – هو ما يسعى اليه."
****
الجزء الأول من العنوان:
إن كلمة Epitaph تعني حرفيا "كتابة على شاهد قبر"؛ "كتابة استذكارية"، بنثر أو شعر، لمحاسن أو مساوئ ميت. وهذا النوع محرم في الإسلام، خصوصا المتشدد، تماشيا مع ما جاء في بعض كتب الفقهاء من محرمات. روى، مثلا، مسلم في "صحيحه": "ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه له... وأن يكتب عليه". ومع هذا فإن هذه العادة لم تمنع الكثير من المسلمين من كتابة نثر او شعر على شاهد قبر ميت.
ومن المعروف في التراث الغربي، أن عددا كبيرا من الأدباء، الشعراء، العلماء الخ كانوا يتركون وصية لما يجب أن يكتب على شاهد قبرهم. فمثلا الشاعر الأمريكي تشارلز بوكفسكي أوصى بأن تكتب العبارة التالية "لا تحاول" على شاهد قبره، ولن تفهم هذه العبارة الا عندما تقرأ قصيدته :دحرِج النرد" حيث يقول فيها "إن تحاول، عليك المضي حتى النهاية، وإلا لا تبدأ حتى". أو بنجاما بيريه عندما توفي وجد السورياليون أن أفضل جملة تعبر عن تماسكه النضالي والشعري ضد أية دعوة أدبية أو سياسية مبنية على التواطؤ، هي عنوان ديوانه "لا آكلُ من هذا الخبر"؛ وهو أشرس ديوان شعري كتب بالفرنسية استهزاءا بملوك ورموز وتاريخ ومقدسات فرنسا! وطبعا شاهد قبر بروتون كتب عليه عبارته الشهيرة: "أبحث عن تبر الزمان". يقال أن المعري أوصى ان يُكتَب البيت التالي على شاهد قبره:
هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد!
ويبدو أن أمنيته هذه لم تحقق، إلا على أيدي معجبين به في القرن العشرين.
إذن المقابل الأقرب بالعربية لكلمة Epitaphe هو "كتابة على شاهد قبر". لذا أقترح: "تذكارية على شاهد قبر طاغية"، كمقابل لعنوان قصيدة أودن.
***
البيت الأول من القصيدة:
أتفق جل النقاد على أن الطاغية في قصيدة أودن هذه، هو هتلر. كما أن القصيدة قد كتبت على بحر الأنابيست المكون من أربع تفاعيل؛ كل تفعيلة مؤلفة من مقطعين غير منبورين يليهما مقطع منبور: Per/fec/tion
وبسبب التزامه بقيود هذا البحر (لاحظ أن أودن كان في إمكانه الاستغناء عن was الأولى لولا متطلبات الوزن)، وجد أودن نفسه مضطرا الى قلب الجملة من تركيبتها النثرية الشائعة One of a kind perfections إلى تركيبة شعرية تلميحية متخلصة من الأسلوب النثري وفي الوقت نفسه ملبية شروط الوزن Perfection, of a kind, بقدر ما توحي بما يريد تبيانه أودن: الطابع العُصابي والهذياني للدكتاتور. ذلك أن ما يسعى اليه الطاغية لهو شيء نادر ليس له نظير. وهي إشارة مبطنة إلى أن الطاغية يبحث عن كمال كان له وجود وتحكّم في مصير العالم، وهكذا يعطي الطاغية شرعية وهمية لجرائمه؛ ولمخططه الرامي إلى وضع العالم في "السراط المستقيم"، سراطه هو.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مواقع الانترنت المخصصة لبيع الاسطوانات، مثلا، يخصصون زاوية أسمها: One of a kind itemsلبيع ما توفر لديهم من نسخة نادرة لأسطوانة ما.
الخلاصة:
التباين بين الترجمات الخمس يكمن في "عدم فهم" of a kind التي جاءت بين فاصلتين، التي تعني "نادر"، "لا يُعادل"، "فريد".
في الحقيقة أن علي شلش كان أكثر صوابا في ترجمته للبيت من الآخرين، رغم الحاحه الشرحي خصوصا "في بابه" الزائدة. ذلك أن ترجمات الآخرين كانت تأويلا للمفردة أكثر مما هي فهم لها.
لذا أقترح: "كمال، نادر، هو كل ما كان يسعى اليه"، كأقرب ترجمة للبيت هذا.
ملاحظة جوهرية:
أعرف أن أحدهم سينشر ترجمة لقصيدة أودن هذه، مستفيدا مما جاء أعلاه دون الاعتراف به كمصدر لتسهيل عملية الترجمة. فهذه نزعة عربية خالصة: نسف المرجع والتعتيم على جهد الآخرين. هاكم مثلا: قرأت قبل أيام مقالا للناقد صبحي حديدي يستعمل فيه كلمة "استنارات" رامبو كبديل للترجمة المغلوطة الشائعة "اشراقات" رامبو... وكأنه هو الذي ابتكرها! كيف يمكن لناقد محترف وذي باع في هذا المجال أن يتناسى أبسط شروط الكتابة النقدية وذلك في أن يضع إشارة توضح إن كلمة "استنارات" كنت انا الذي اقترحها كأقرب مقابل لكلمة Illuminations الفرنسية، وذلك في العدد السادس / السابع من مجلة "فراديس" (1993).قد يعترض قارئ قائلا: ربما صبحي حديدي لم ير العدد. الجواب: نعم لقد رآه، وكان من بين المشاركين في العدد، إذ طلبت منه ان يقوم بتلخيص لمقدمة جوناثان مور عن قصيدة النثر، وقام به مشكورا.
اليكم ما جاء في "فراديس": "ترك رامبو، قبل اختفائه – انتهائه من فعل الكتابة، مخطوطة قصائد نثر لدى فيرلين تحمل العنوان الانكليزي التالي: Painted plates ويقول فيرلين أن المعنى الذي أراده رامبو هو Coloured plates اشارة إلى الكتب السَـنـيّة أي المنورة الجوانب التي كانت تصنع في بريطانيا. ويضيف فيرلين ان الكلمة البريطانية لهذا النوع من الفن هو Illumination وقد نطقها نطقا انجليزيا: Illuminascheun. وقد نفى عدد من الأنجليز، آنذاك، على أن يكون لهذه الكلمة معنى كهذا الذي يقصده فيرلين – رامبو بالانحليزية. مهما كان الأمر، إن غلطة فيرلين هذه، منحت شعر رامبو معان أخرى، ومع هذا فإن الأوروبي لا يستخلص من كلمة Illuminations ، كما هو الأمر في كلمة "اشراقات"، دلالة صوفية اسلامية... إذن، ليس حبا باختراع كلمات جديدة ، ومعارضة سوء الفهم المعمم لمجرد المعارضة، وإنما رعبة عميقة في تبديد سوء الفهم هذا، وجدنا كلمة: "استنارات" أقرب إلى المعنى الرامبوي الحقيقي، ناهيك عن أن فعل illuminé الفرنسي يعني إنارة، وكلمة illuminisme تعني مذهب النورانية. والقارئ الفرنسي على وعي كامل بهذه الفروق".