اوكتافيو باث: السوريالية كانت هذا وهذا وهذا
عبد القادر الجنابي
GMT 13:00:00 2009 السبت 27 يونيو
ترجمة وتقديم عبدالقادر الجنابي: هنا نص كتبه أوكتافيو باث عام 1974 كمقدمة لأنثولوجيا حول "شعر امريكا اللاتينية السوريالي" الذي اعده ستيفان باتشيو وصدر في المكسيك آنذاك... نص تكاد تكون فيه كل فقرة تلخيصا فكريا لمنهج أو مرحلة تاريخية. فالمشروع السوريالي شعريا، اجتماعيا، سياسيا، وأخلاقيا، ملخص تلخيصا جديرا بالموضوع الذي يتكلم عنه الكتاب، ناهيك عن أنه نص يُري اللغة كائنا يمرح في هواء العَلمانية الطلق حيث الصور تتكشف ثقلا فكريا، دلالةً على تحرر الكلمات من كل شوائب دينية وصوفية بلهاء مبتلية بها كتابات أعاريب الحداثة. ولكي يعرف القارئ العربي الفرق بين شاعر ذي سمو وضمير حر ينقد بحرية كاملة تراثه المسيحي كأكتافيو باث، وبين مسلم بائس لا يعرف حتى كيف يدافع عن تراثه الإسلامي، كأدونيس المنهمك ببناء متحف، في قرداحة، باسمه وهو حيّ! اقرأوا ماكتبه هذا البائس في "السفير" (12/5/1979): "إن السوريالية العربية (ويقصد الصوفية الإسلامية) طبيعية أو مطبوعة وليست مصطنعة كما في السوريالية الفرنسية"!!! كان ادورنو على حق عندما قال: "الغباء هو أثر لجرح"... جرح نرجسي؛ يعبّر، في العمق، عن عدم قدرة الأنا العربية على الخروج من قوقعتها التراثية. سنعود الى هذا الموضوع في مقال منفصل.
والآن لنقرأ وكأننا نرتشف جرعة من اكسير الحياة، نص أوكتافيو باث، الدليل الساطع على ان التراث الغربي قوّته تكمن في شراسته الفكرية إزاء أدواته، وتراثه وكل رموزه... من أجل تراث تكون فيه الأنا أكثر إنسانية وانفتاحا على الآخر، بل أن يكون فيه الإبداع قفزة الأيـًّـل ماوراء ثنائية أنا / آخر، أو لايكون.
السوريالية كانت تفاحة النار في شجرة النحو
السوريالية كانت كاميليا الرماد بين نهدي المراهِقة التي يستحوذ عليها، كل ليلة، طيفُ أوريست
السوريالية كانت صحن العدس الذي تحيله نظرة الابن الضال إلى وليمة ملكٍ كانيبال (1) مدخّنة
السوريالية كانت بلسم "الفيير برا" الذي يمحو آثار الخطيئة الأصلية في سرّة اللغة
السوريالية كانت بصقة ً على القربان، قرَنفلَ الديناميت في كرسي الاعتراف، و"افتح يا سمسم" الخزائن المحمية واسيجة مصحات الجنون
السوريالية كانت الشعلة الثملة التي تقود خطى المُتسرنِم (2)، طوال حبل الظل الذي تخطّه شفرة المقصلة على رقبة المحكوم عليه بالإعدام
السوريالية كانت المسمار الحارق على جبين المسّّاح، والريح القوية التي، في منتصف الليل، ترفع الشراشف عن العذراوات
السوريالية كانت الخبز البرّي الذي يشلّ معدة جماعة المسيح إلى أن تُرغم على تقيؤ قططها وشياطينها المحبوسة
السوريالية كانت حفنة الملح التي تذيب حيّات (3) الواقعية الاشتراكية
السوريالية كانت تاجا من الورق المقوّى لناقد لا رأس له، والأفعوان الذي يتسلل بين سيقان زوجة الناقد
السوريالية كانت أجذمَ الغرب المسيحي، والسوط َ الذي يخط، على ظهر القومية المخبولة والمخبِّلة، طريقَ الخروج صوب أراض أخرى، لغات أخرى ونفوس أخرى
السوريالية كانت خطاب الطفل المتواري في كل إنسان، ورشَّ مقاطع الألفاظ مع حليب اللبؤات، على عظام جيوردانو برونو المكلّسة
السوريالية كانت حذاءً فائق السرعة لأولئك الهاربين من سجون العقل الجدلي، وفأس بوسيه الصغير، الذي يقطع عناقيد النباتات المسمّمة والمتسلّقة جدران ثورات القرن العشرين المتحجّرة
السوريالية كانت هذا وهذا وهذا
لكن هنا
أغلقُ مفتاح التعداد، افتحُ درجَ الثواب والعقاب، اخرجُ منه أذنَي الحمار وذيله حتى أزيّن بها العديد من النقّاد والصحفيين المحليين (5).
هامش:
1- الملك الكانيبال تعني الملك الآكل للحم البشر.
2- المُتسرنٍم تعني السائر أثناء النوم.
3- tlaconetes نوع من الحيوان كثير الرضاب قريب من السمندل والحية يعيش في المناطق الرطبة.
4- عوض أن اترجم las botas de siete leguas حرفيا "الأحذية ذات السبعة فراسخ"، فضلت أن اضع "حذاء فائق السرعة"، فالمعنى المراد هو السرعة الفائقة في الهروب.
5- الفقرات الأخيرة المعلومة بالأحمر حذفها باث في طبعة الأعمال الشعرية الكاملة.
تمت الترجمة عن نسخة انجليزية أعدها الي صديقي التشيلي ميغيل فلورس، ثم مراجعة الترجمة على النص الأسباني الذي اضعه هنا وهو كما جاء في كتاب باتشيو:
El surrealismo ha sido la manzana de fuego en el árbol de la sintaxis
El surrealismo ha sido la camelia de ceniza entre los pechos de la adolescente cada noche poseída por el espectro de Orestes
El surrealismo ha sido el plato de lentejas que la mirada del hijo pródigo transforma en festín humeante de rey caníbal
El surrealismo ha sido el bálsamo de Fierabrás que borra las señas del pecado original en el ombligo del lenguaje
El surrealismo ha sido el escupitajo en la hostia y el clavel de dinamita en el confesionario y el sésamo ábrete de las cajas de seguridad y las rejas de los manicomios
El surrealismo ha sido la llama ebria que guía los pasos del sonámbulo que camina de puntillas sobre el filo de sombra que hace la hoja de la guillotina en el cuello de los ajusticiados
El surrealismo ha sido el clavo ardiente en la frente del geómetra y el viento fuerte que a medianoche levanta las sábanas de las vírgenes
El surrealismo ha sido el pan salvaje que paraliza el vientre de la Compañía de Jesús hasta que la obliga a vomitar todos sus gatos y diablos encerrados
El surrealismo ha sido el puñado de sal que disuelve los tlaconetes del realismo socialista
El surrealismo ha sido la corona de cartón del crítico sin cabeza y la víbora que se desliza entre las piernas de la mujer del crítico
El surrealismo ha sido la lepra del Occidente cristiano y el látigo de nueve cuerdas que dibuja el camino de salida hacia otras tierras, otras lenguas y otras almas sobre las espaldas del nacionalismo embrutecido y embrutecedor
El surrealismo ha sido el discurso del niño enterrado en cada hombre y la aspersión de sílabas de leche de leonas recién paridas sobre los huesos calcinados de Giordano Bruno
El surrealismo ha sido las botas de siete leguas con que se escapan los prisioneros de la razón dialéctica y el hacha de Pulgarcito que corta los nudos de la enredadora venenosa que cubre los muros de las revoluciones petrificadas del siglo XX
El surrealismo ha sido esto y esto y esto y esto
pero aquí
cierro la llave de la enumeración, abro el cajón de las retribuciones, saco unas orejas y colas de burro y adorno con ellas a varios críticos y revisteros locales.