|
محمد الحمامضي من القاهرة: أثبتت عاشقة المسرح د.نهاد صليحة في ندوتها بدار العين للنشر أن البدايات المربكة من الممكن أن تأتي بنهايات سعيدة. فبالتزامن مع مباراة البرازيل وأمريكا في بطولة كأس القارات ألفين وتسعة، ناقشت فئة قليلة مساء الأحد الماضي كتاب "المرأة بين الفن والعشق والزواج – قراءة في مذكرات فاطمة سري ودراسات أخرى" الصادر عن الدار وبغلاف متميز للفنان أحمد اللباد، وصدق حدس الحضور أن "العدد في الليمون" حيث امتدت الندوة لأكثر من ساعتين ونصف الساعة فكم من فئة قليلة أقامت ندوة ذات طابع جاد يتخللها تبادل الآراء بين المنصة المكونة من مديرة الدار الدكتورة فاطمة البودي، ومؤلفة الكتاب نهاد صليحة، والمحاضرين حسام عقل ولبنى إسماعيل، حسب ترتيب النقاش الذي أثرته مداخلات الكاتبة عبلة الرويني والشاعر جرجس شكري والروائي حاتم حافظ الذي تابع بعينيه اندفاع واحد من تلامذة نهاد صليحة مادحًا أستاذته ذات الحضور الجذاب، ومعارضًا للدكتور حسام عقل ولبنى إسماعيل على سباحتهما الواعية بين دفتي فصول الكتاب الثمانية. يضم هذا الكتاب قراءة في مذكرات فاطمة سري ووقائع خصومتها مع محمد بك شعراوى في مصر في العشرينيات من القرن الماضي (في الفترة من 27/12/1926 إلى 25/4/1927، نشرت المطربة المسرحية فاطمة سري، في مجلة المسرح الأسبوعية، في حلقات متوالية، قصة زواجها السري من محمد بك شعراوي – ابن هدى شعراوي، رائدة تحرير المرأة، وعلي باشا شعراوي – شارحة الأسباب التي دفعتها إلى اللجوء للقضاء لإثبات زواجه العرفي بها وأبوته للطفلة التي أنجبتها منه وأسمتها ليلى، وذلك بعد أن هجرها وتنكر لها) بالإضافة إلى ثمانية اجتهادات منوعة لتأمل الظاهرة المسرحية في عدد من جوانبها. فبينما تركز الدراستان- الأولى والثانية - على وضعية المرأة في المسرح في ظل الثقافة الأبوية المهيمنة، وتفحصها من منظور نسوي في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى الآن، تتتبع الدراسة الثالثة الأصول التاريخية لصيغة درامية / مسرحية اكتسبت شعبية كبيرة في مصر منذ الثمانينيات، وخصوصًا بين شباب المسرحيين، وهي ’’المونودراما‘‘، كما ترصد أنواعها المختلفة وتجلياتها الحديثة في المسرح المعاصر، سواء عندنا أو في الغرب. وفي الدراستين التاليتين، تستحوذ عملية التواصل في المسرح ما بين إنشاء العرض وتفسيره علــى اهتمام البحث وتخضع لتحليل مُفصّل. أما الدراسة السادسة، فتسعى إلى فحص التوجهات الفكرية للكوميديا في المسرح العربي في ضوء عدد من المفاهيم النقدية الحديثة، وخصوصًا مصطلح ’’الكرنفالية‘‘ الذي صكّه الناقد الروسي (ميخائيل باختين). وفي جزئه الأخير، ينتقل الكتاب إلى عمل المخرج في المسرح، فيفحصه من خلال تجربتين مسرحيتين حديثتين، إحداهما للراحل الكبير سعد أردش، والأخرى للفنان الشاب، عمرو قابيل. ثم يتوقف في النهاية أمام ظاهرة تحول كاتب تليفزيوني مخضرم مثل أسامة أنور عكاشة إلى المسرح فيقدم تحليلاً لمسرحياته الأربع التي قدمت على خشبة المسرح. يذكر أنه كان من بين الحضور الأساتذة " مصطفى إبراهيم فهمي، أحمد وائل، محمد سمير الخطيب، أحمد الهواري، مروة فوزي، زينب المنسي، محمود الغيطاني، عارف صالح عارف، ونشأت الدويهي"، حيث صرحت الأستاذة الكاتبة نهاد صليحة بخلاصة تخص تجربتها في نقد النصوص المسرحية، مفاداها أن عمل الناقد أن يكون لصًا موهوبًا معه دستة مفاتيح كي يناديه النص "فكّكني" أو كما قالت الناقدة "زي الحرامي بيعرف مفتاح نصه" موضوع الدراسة. في حين ركز الباحث المتميز حسام عقل على مذكرات المطربة المسرحية فاطمة سري حيث طرح سؤالا أثار انتباه الحضور.. هل يمكن الخلط بين السيرة الذاتية والوثيقة التاريخية، فهو يعتقد أن مبدأ الشك هيمن على صياغة وتحليل نهاد صليحة للمذكرات موضوع البحث ورأى أنها مرآة لوضعية المرأة في المجتمع المصري وحقوقها منذ العشرينيات وحتى الآن. وأضاف، لعبة الحذف والإضافة في مذكرات فاطمة سري واردة من قبل كاتبها الناقد الفني محمد عبد المجيد حلمي (مرشدها الثقافي)، كما خمنت بذلك د. نهاد صليحة لصعوبة الصياغة الفنية بهذه الطريقة لدى فاطمة سري. أما الباحثة لبنى إسماعيل ذات الحضور السلس فقسمت ورقتها إلى شقين: منها: مفاتيح د. نهاد "عندما جاءني "المرأة بين الفن والعشق والزواج: قراءة في مذكرات فاطمة سري ودراسات أخرى" – وأنا معنية هنا بالدراسات الأخرى في الكتاب - تبادر لذهني أننا عندما نتناول عملاً إبداعيًا ما، تأخذنا المذاهب النقدية في رحله مثيرة نكتشف معها، ومن خلال ما تقدمه لنا من مفردات توصيفية وتفسيرية، رؤية الكاتب الفنان للعالم، ونسبر بها كيف صاغ هذه الرؤية في نص سردي مرسوم بحنكة ومهارة ليفك القارئ طلاسمه ومعناه، أو من خلال نص درامي يتحول إلى عرض مسرحي أو لعبة أدائية تشترك فيها الخشبة والقاعة، أو من داخل منظومة شعرية تنتقل بلوحاتها ورموزها من الأوراق إلى الأعماق تشكل وعي القارئ. ولكن عندما نتناول عملاً نقديًا يتناول أعمالاً إبداعية تختلف المسألة. فالناقد هنا هو المبدع "الثاني" أو "الثالث" – بعد المخرج والممثل وفريق العمل المسرحي ممن يتولون تفسير وتأويل النص وتحويله إلي عرض أدائي.. أعاد صياغة وخلق عمل المبدع "الأول". وما يقوله هنا هذا الأخير يكشف بالضرورة عن توجهاته وشخصيته النقدية. فنجد من يصفه زملاؤه بأنه ناقد ماركسي النزعة أو تشكيلي الاتجاه أو بنيوي التكوين أو ما بعد حداثي إلى آخره من المسميات والألقاب التي يتناسى الجميع في بريق لمعانها أن الناقد الحقيقي لكي يكون "حقيقيًا" لابد أن يحتضن كل الاتجاهات والمذاهب ينتقي منها ما يخاطب أو "يفتح" النص وما يستوعب "الآخر" المبدع وأسباب اختلافه وتجليات تنوعه. و"قراءة" د. نهاد لمذكرات فاطمة سري وما أهدته للقارئ من"الدراسات الأخرى" داخل هذا الإصدار القيم لدار العين تؤكد لنا مرة أخرى أننا في حضرة قلم حقيقي، انتقائي الملامح، يحوي في مداده الكريم كل المذاهب النقدية على تنوعها واختلافها. المهم في قاموس د. نهاد النقدي هنا، كيف يحاور العمل الأدبي المتخيل الواقع المادي من حوله، كيف يربط العام - الفكري والسياسي والاقتصادي والأخلاقي - بالخاص (مفردات سوسيولوجية )، كيف يوظف لغته وعلاماته في خلق وتحفيز مشاهد مشارك فاعل في إنتاج المعني (مفردات سيميائية تفسر دور العرض المسرحي كوسيط ما بين النص والمتفرج، وأخرى ذات صلة بدور التلقي في إعادة إنتاج الدلالة)، كيف يتمخض النص عن عرض "مستفز" يستثير الوعي، متحولاً إلى سلاح مقاومة ووسيلة احتجاج تخلخل الخطاب الثقافي السائد والفكر السلطوي في لعبة سياسية تبدأ دائمًا بتهميش وتحقير إنسانية المرأة والرجل معًا وتنتهي بتغييب الفرد والمجتمع (أدوات الدرس الثقافي في الأعمال الأدبية). وعليه، فبرغم تلك النزعة الانتقائية وما يلمسه القارئ من اتساع الرؤية ورحابتها فيما تتناوله من أعمال، يستطيع المرء أن يتعرف على خريطة الملامح العريضة لشخصية د. نهاد النقدية. يذكر أن نهاد صليحة العاشقة للمسرح، من خلال تجربتها المسرحية الحقيقية بعيدًا عن قاعات الدرس الصماء في كلية الآداب، "أن التمثيل من أنبل وأثرى المهن التي عرفتها البشرية، وأيقنت أنني لا أريد أن أكون سوى ممثلة مسرحية. ولكن هيهات. حال تفوقي الأكاديمي، وظروف أخرى، حالت دون ذلك، فغدوت ناقدة مسرحية – وهذا أضعف الإيمان". ولكن "أضعف الإيمان" هذا استحال فيضانًا إبداعيًا موازيًا أثرى الحياة النقدية المعنية بالمسرح في مصر والعالم العربي. وبدأت قطرات الغيث بمؤلفها "المدارس المسرحية" (1982)، وتبعه "المسرح بين الفن والفكر" (1985)، "أمسيات مسرحية" (1988)، "أضواء على المسرح الإنجليزي" (1990)،"الحرية والمسرح" (1991)، "عن التجريب سألوني" (1998)، "المسرح بين النص والعرض"، "شكسبيريات" (1999)،"المسرح بين الفن والحياة" (2000)، "المسرح عبر الحدود"، "ومضات مسرحية" (2001)، وفيض من الترجمات النقدية: "التفسير والتفكيك والأيديولوجيا" (1985) "نظرية العرض المسرحي" (1994) "الرؤية التقليدية لتاريخ المسرح: قراءة تفكيكية من منظور نسوي"(1998) " ما بعد الحداثية والفنون الأدائية" (1999)، والأدبية: "كوميديتان من عصر شكسبير: حدوتة من حواديت العجائز"(1978)، "بعد العبث: أربع مسرحيات من المسرح الغربي" (1984) ، "مسرح الثورة السوداء: ثلاث مسرحيات"(1991) بالإضافة لاختياراتها المترجمة عن الإنجليزية من أعمال أميري بركة وهارولد بنتر المسرحية والروائي فريد تشامبل، وكذلك كتاباتها المتميزة بالإنجليزية عن المسرح المصري في "اتجاهات جديدة" و"مسرحيات ومسرحيون" و"رؤى ومشاهد" و"لقاءات ثقافية 1،2" (2003 - 2005) وأيضًا ترجماتها لأربع مسرحيات من فصل واحد لنجيب محفوظ، و"بعد أن يموت الملك" لصلاح عبد الصبور، و"رواية محاكمة في منتصف الليل" لمحمد جلال، وثلاثة دواوين شعر لسعاد الصباح: "فتافيت امرأة"، "امرأة بلا سواحل"، "خذني إلى حدود الشمس"، وفيض سنوات ثرية تملؤها نشوة "النص والعرض" في عالم المسرح التقليدي والحديث والتجريبي تمتلئ بها صفحة المسرح بجريدة الأهرام ويكلي الأسبوعية وأعمدة مجلة المسرح وغيرها من الصفحات التي تشرف بقلمها واجتهاداتها المستمرة والتي كرمتها مهرجانات المسرح بالقاهرة والشارقة ومجلس التعاون الخليجي وقرطاج وأيام عمان المسرحية وأخيرًا دمشق في مهرجانها المسرحي الرابع عشر 2008.
|