ذكريات عن جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين
حميد مشهداني
GMT 16:00:00 2010 الأحد 31 يناير
حميد مشهداني: في بداية السبعينات، وحينما استرخت “بغداد”وعادت فاتنة، ربما هي لم تكن كذلك. فربيعها لم يستمر اكثر من 5 أعوام لتدخل بعدها فصولا مروعة من القسوة والظلم على يد اكبر جلاديها، فالدمار الذي عانته “بغداد”من قتل وظلم وتهجير حلال 14 قرنا، ضاعفه “صدام حسين” في في 3 عقود. ولكنها كما العنقاء تنفض رمادها لترتدي أجمل حللها...
لست شاعرا ولا محترف كلمات ومفردات تثير الانفعال. اختنقت في صدري الكلمات وأنا اطير سمائها بعد 33عاما، رأيت “الدجلة” يغازلها في انعطافاته االمليئة بالالغاز. فرحت تياره، ورأيت “جسر الصرافية” درب يومي طفلا مكسور الخاطر، مطبشا كي لا يغرق في فى مياهه التوراتية والانجيلية. معاتبني، نظرته بطرف العين” مخنوق العبرة” فجسر الحديد لأهل “بغداد” هو كان ذا ذات، ومتفاعل مع عابريه وناظريه، لم انظره بعمق خشية الغثيان من الخجل،
عدت يا مدينتي التي “غسلت” يدي بمائها ومنها، والان تستيقظي، تداعب في قلبي جناح حب كان قد نام 3عقود. يرفرف، ليخمد ويعود مرة أخرى. تمنيتي ان أكون ريشة عملاقة لا أنفض غبارها. وتمنيتي مطرا لا أغسل وجهها الجميل الشاحب. في هده اللحظة تذكرت صديقي الشاعر”الفريد سمعان” والموسقي “جعفر حسن” حيث كتبا، ولحنا اغنية في اقل من 10 دقائق.
تمنيتك هوا ويرمش على عيونى
تمنيتك ندى ويرطب جفونى
تمنيتك، تمنيتك، تمنيتك
أريد أنسى جرح عمرى
الخ،
كان “سمعان” يتداعى الكلمات “جعفر حسن” مع عوده يضع النوتات. وأنا كنت اسجل كل هدا على شريط كاسيت في جهاز قديم.. هذا ما تمنيته ان اكون “لبغداد” الحب. أعود لربيعها الجميل، الذي رافقه الوعي الاول الذي شعرنا به، بعد خطوة ما بعد المراهقة، لنجدنا متورطين، بقصد أو بدونه في مواقف سياسية وثقافية في معظمها كانت سطحية. لم تعتمد عمق تحليل ناضج للاختيار السياسي والثقافي. رغم ان معظم الاختيارات كانت سياسية. كان معظم “االمثقفين المستقلين “ سياسيا يبحثون عن الاستقرار والاسترخاء، ولكن اي هزة عسكرية او سياسية، تجعلهم يسرعون ادراجهم الى أقبيتهم الحصينة. ليبقوا فيها مختبئين كالفئران. مهما طال شتاء القسوة والقمع. كما كانت تقول امي المثل العامي البغدادي “زرع يا حمار الى ان يأتيك الربيع “ وفي المقابل أولئك الذين اعتنقوا تيارات الوجودية والسيريالية العبثية. فمنهم من أختار دروب الهجرة القاسية. واخرون اجبروا على الصمت الابدي، وأخرون ضاعوا في دهاليز دوائر الامن العام.
اما “المثقف السياسي”لم يكن بدوره ذا أهمية كبرى لانهم في معظم المنابر والصحف حيث كانوا يعبرون، ويطرحون ويحللون. كانوا”عدائي” مسافات قصيرة من وظائفهم في دوائر الاعلام البعثية وفي وزارة الاعلام.. ولست بصدد تسمية العشرات من الشعراء والفنانين والادباء الذين عملوا في كل وسائل الاعلام البعثية، وصحف الدولة الرسمية من الثورة الى الجمهورية مرورا ب”الف باء” و"مجلتي" ولا اعيبهم ذلك اطلاقا، فهم أستأنسوا رواتبهم الرسمية ليكتبوا انجازاتهم الثقافية والفنية هنا وهناك. والعديد منهم كانوا يتمتعون “بمكافآت” شفيق الكمالي.
و”بغداد” أغفرت كل تلك الخطايا الصغيرة وفرشت تحت أقدامهم بساطها الجميل بشوارعا ومقاهيها وجسورها الجميلة. وحدائقها العامة بورودها وأشجارها … والاهم من ذلك كله هو نهرها الاسطوري المذكور في كل الكتب السماوية. الدي تسكن ضفافه مسرات، وذكريات عشق غامض.
فجانب عدة مراكز ثقافية اشرت اليها في مقالات سابقة، مثل “مقهى المعقدين “ و”البرلمان” كانت جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، التى تستحق اكثر من فصل. لانها كانت اولى بدور الثقافة العراقية.
ارى من الضروري القاء نظرة بسيطة، على تأريخ تأسيسها بأختصار، لان ذلك في الخمسينيات كان حدثا ثقافيا مذهلا، لم يحصل الا بسبب الاصرار والمواظبة والجهد الشخصي لحفنة من اهم رواد الثقافة الحديثة في العراق الحديث.. وعلى رأسهم المعمار”محمد مكية” الذي صارع بيروقراطية الدولة، ليحصل على ترخيص قانوني بتأسيس “جمعية الفنانين” التي ما كانت تتمتع ببناية او مركز معروف فلعدة سنوات انتقل مركزها بين بيوت الفنانين الشخصية اولها كان بيت الدكتور الفنان خالد القصاب.. وبعدها في “فايق حسن“ في العيواضية قرب الجسر. وبيوت فنانين اخرين الى تم بناء مقرها الحاضر في مدخل مدينة المنصور. ولهذا قصة سأعود عليها لاحقا.
فبعد20 عاما من تأسيس معهد الفنون الجميلة، من قبل الفنان “فايق حسن “ وبعد تخرج العديد من الدورات ظهرت الحاجة لتأسيس ملتقى لكل أولئك. وهنا لابد من التحية لكل المهوسين من فنانين ومعماريين، وأطباء.
أخيرا وبصبر معمار شاب قاد معاملات الترخيص في وزارة الداخلية، نشرت جريدة “البلاد” خبر موافقة الداخلية طلب المعمار “محمد مكية” تأسيس جمعية الفنانين العراقيين في 11 كانون الثاني في 1956.. وبعدها بقليل تم أنتخاب لجنتها التأسيسة في احد نوادي مدينة الاعظمية الاجتماعية “انتخابات ديمقراطية”، حيث فاز الدكتور “مكية” بالرئاسة، وأكرم شكري نائبا والدكتور الطبيب خالد القصاب سكرتيرا. فصار بيته الشخصي مقرا للجمعية عدة سنوات. ممن حضروا ذلك الاجتماع التاريخي اهمهم. كانت هناك أمرأتان. ”نزيهة سليم” وعالية القرةغلي” طبعا كان جواد سليم وفايق حسن واسماعيل الشيخلي وأكرم شكري وعطا صبري و آخرين في هذا اللقاء كان 40 فنانا بين رسامين ومعماريين وأطباء.
احد المؤسسين الاعضاء كان السيد الجميل “قحطان المدفعي” فلم يبقى امام هده النخبة من الفننانين ومحبيه الا بناء مركز خاص يليق تألق الحركة الفنية انذاك. وهكذا صار. فبعد الزيارات والواسطات، تبرع ملك العراق بقطعة ارض في مدخل مدينة المنصور. لبناء دار الجمعية. كان ذلك في 1957. ولكن الاحداث السياسية البائسة وبينها اربعة انقلابات كلها شريرة.. كلها رديئة. أخرت المشروع 10 سنوات. كان يشتغله كل يوم المعمار “قحطان المدفعي” متأثرا بعمارة “دار اوبرا سيدني” ذلك الوقت. وفي البناء هناك غزل وليس تقليدا لذلك البناء العظيم في استراليا، الذي كان بني قبل 10 سنوات من افتتاح بناية الجمعية العراقية. في12 تشرين الثاني 1967. انا كنت اصغر الصحفيين اعتمادا ذلك الافتتاح كان عمري اقل من 16 عاما.. ولكنني كنت محررا ورساما في مجلة “الظريف” للاطفال.
هنا اريد ان نقل نصا كتبه الاستاذ الدكتور “خالد السلطاني” المحترم
“في الخمسينيات وتحديدا في عام 1957، منح عاهل العراق قطعة أرض في منطقة المنصور لتكون مقرا لجمعية الفنانين لتأسيس أولى مؤسسات المجتمع المدني ايام الحكم الملكي. وظلت الارض شاغرة الى حين الاتفاق مع مؤسسة “كولبنكيان” لتي مولت تكاليف البناء، لتكون مقرا اداريا للجمعية مع تضمينها فضاءات عرض ومكتبة ومطعم راقي وحديقة واسعة.. وهدا ما نفده الدكتور المعمار “قحطان المدفعي”.
في بداية السبعينات كانت جمعية الفنانين “معضلة” البعث الكبرى، كما كانت عليه “اكاديمية الفنون الجميلة”.. كان ا لبعث عاجزا عن خلق فنانين محترمين في صفوفه ولا حتى فنانين مستقلين متعاطفين مع النظام. لان الجمعية مند تأسيسها كانت منظمة حرة وديمقراطية. ولم يستطع اي نظام سياسي اختراقها، فقط لسبب بسيط، لان العسكر لايفهم شيئا عن الفن والادب، الا في حالات حيث يتطوع احدهم ليخدم هذا القائد او ذاك.. وفي عراق دالك الزمن كان هناك العديد. وعلى رأسهم كان “أكثر فنانيين العراق" ضياء.. الذي اسس اول ضيعاته الفنية في “توتنهام كورت رود” بدنانير عراقية بملايين دنانير العراقيين.. لان كل نشاطاته الفنية كانت ممولة من النظام البعثي فهو وأحفاد “شاذل طاقة” تقاسموا ملايين الجنيهات الاسترلينية.. بينما عشرات الفنانين العراقيين كانوا يتضورون جوعا في ساحات روما وباريس ولندن ومدريد.
الجمعية: اولا كانت مؤسسة مستقلة عن جميع الاحزاب السياسية ولكنها كانت وطنية عراقية لابعثية ولا شيوعية.. اساسها فني ثقافي بحت... ففي كتابه يقول الدكتور “خالد القصاب” ان الفنان فايق حسن تجاهل واحدا من اهم وزراء المملكة البريطانية، الذي كان يود لقاء الفنانين العرقيين. قبل ان يطير متفقدا اعمال “اعمار العراق” وسأل “فايق “من هذا؟؟ بعد هذا شكى الوزير البريطاني الفنانين العراقيين الى “نوري السعيد” قائلا له خذ حذرك من هولاء فقد لاحظتهم متذمرين من الامر والاضاع العامة.. أكتب هدا مع احترامي الصادق للسياسي العراقى “نوري السعيد” الذي قتلتله “الاوباش” كما قتلو الملك الشاب.
فهي كانت كما الاكاديمية، صعبة التدخل في شؤونها، فكان ولا يزال هناك نظام يضمن حرية الانتخاب الديمقراطي لهيئتها الادارية، فلم يكن امام النظام البعثي غير زرع الجمعية بعناصر أمنية كان همها الاول هو إثارة الشغب اليومي.. وبعض اشباه الفنانين البعثيين الذين ما أزال احاول اخراجهم من ذاكرتي. لن اذكر اسماءهم الان، اولائك الدين كانت تتفقع جلودهم حين رؤية شئ جميل. ولكن الجميع كان يعرفهم، وكنا نتجنب استفزازتهم، خصوصا في اخر ساعات الليل، لانهم كانو يختارون احدهم ربما شرب كأسا زائدا، للاعتداء عليه وضربه دون سبب، لدلك أعتدنا نخرج جماعات. بعد ان توضح لنا ان خطة الاعلام البعثي كانت اغلاق الجمعية قانونيا بحجة الشغب والعركات اليومية التي خططوا لها... اي بقرار من وزارة الداخلية.. لتجميد كل نشاطاتها الفنية والثقافية لفترة ما فيها يستطيعون اعادة ترتيب وتنظيم الجمعية حسب أهوائهم. ولم يستطيعوا ذلك ففي انتخابات 1974 فازت القائمة التقدمية التي ترأسها “الكتور قتيبة الشيخ نوري” بأغلبية ساحقة. وهي كانت مكونة من العديد من الفنانين الديمقراطيين. مثل يحيى الشخ. وجودت حسيب ومكي حسين، وعلي النجار.. واخرين.
فرممت صالة العرض الكبيرة.. والمكتبة والحديقة الواسعة والاهم كان ترتيب المطبخ و”تأنيق” البار الجميل. كنا طلابا في المعهد والاكاديمية نحرص زيارتها كل يوم خميس. حتى الايام الخالية من النشاطات. لان الخميس كان يوما نستطيع فيه لقاء اساتدتنا تلك المساءات.، حيث بعد النقاشات والحوارات الفنية.. تبدأ الولائم، فمعلموننا كانوا على علم بإفلاسنا التام، فحين نقترب من طاولاتهم للتحية ننتهى جالسين معهم، نأكل ونشرب. أتذكر مرة كيف ان النحات "طارق المعروف" كان يتقاسم دجاجة مشوية مع النحات”خالد الرحال” وبعد الانتهاء من اكلها عاد طارق ممتعضا. بعد سؤالي اجابني ان الرحال لايعرف اكل الدجاج، لانه كان يعض فخذا ليرميه كاملا في طبق المهملات.. وهذا كان يزعج طارق لانه كان يرى في تلك العظمة ما يمكن اكله. وصديقي “عرفان رشيد” لم يكن شديد المرح حينما نتناقش حصة من بقية شيش كباب، او قطعة.