سلفادور دالي: "انا السوريالي الاوحد"
حميد مشهداني
GMT 9:33:00 2010 الأحد 7 مارس
حميد مشهداني: في ربيع 1980 كنت عائد ا من باريس، بعد تنفيذ مهمة حزبية ولكنها قبل ذلك كانت فنية، اقبم حينذاك معرض كبير لمعظم الفنانين العراقيين المقيمين في اوربا.... وبسبب قرب برشلونة من باريس اختاروني فناني اسبانيا كي امثلهم في “باريس”، حاملا لوحات عدد من الفنانين العراقيين المقيمين في اسبانيا، اتذكر منهم جودت حسيب، سلام الشيخ، وكمال سلطان، وكاظم شمهود، وآخرين لا تحضرني اسماؤهم الان..
نمت ايام المعرض في بيت صديقي العزيز “فيصل لعيبي” على ضوء الشموع لأن كهرباء بيته كانت تأتي وتروح.. كما تشاء مثل “بغداد” الان. وبعض ليالي باريس كانت على حساب الشاعر العزيز “شوقي عبد الامير” ممثلا سفارة بلد يتيه في الطائفية والارهاب الان.. قضيت 10 أيام جميلة بين بيوت اصدقائي ذكرتهم سابقا ولا انسى الطيب “غسان فيضي” حيث رتب لي فراشا انيقا في واحدة من ليالي باريس الممطرة جدا. في بيته.
أثناء عودتي الى الحدود الفرنسية -الاسبانية ركبت قطارا اسبانيا الى “برشلونة” وهذا كان بطيئا وذكرني بقطارات بغداد، كان يتوقف في محطات كل المدن والقرى المسكونة منها وغير المسكونة. وبسبب اضطراب نفسي عانيته في تلك السفرة كنت امر بعربات القطار صعودا ونزولا، لان السئ في قطار الليل ذالك، بجانب بطئه، هو خلوه من المسافرين فاتصورني سيد القطار ولكن رغم ذالك لم أكن سعيدا ابدا.، وفي واحدة من جولاتي بين العربات عثرت على ملف ضخم تحت مقعد. فرحت كثيرا، كنت بحاجة لقراءة اي شئ، كنت فد قرأت كل ما عندي من كتب. كان مطبوعا على طابعة قديمة في الصفحة الاولى، كان العنوان “اعترافات فاضحة” او اعترافات مستحيلة الاعتراف بها. مطبوعا على أكثر من 500 صفحة ربما أحدهم كان فد فقده في القطار. استمتعت كثيرا بقراءة بعض الفصول لان سلفادور دالي كان كاتبا رائعا و”انسكلوبيديا” ايضا، رغم تعقد سرده في بعض الفصول. كانت الوان الفجر تداعب مدينة برشلونة حين وصل قطاري محطة “فرنسا” بعد فترة انتهيت من قراءته، حينذاك تصورته مشروعا لكتاب، ولكنني اكتشفت ان الكتاب كان قد نشر في عام1975، اي قبل وصولي من بغداد بسنة، كان “دالي” قد كتبه بالتعاون مع الكاتب الفرنسي ”اندريه بارنود” في حينها أذهلني ذالك المطبوع، ولم أكن على علم بأنه كان قد طبع ونشر قبل ذالك بسنوات.
والان، وبعد قراءتي لمقالة “الجنابي” المعنونة ”السوريالية بين مكنسة الساحرة وسم الافعى” وإعادة نشر بيانه القديم حول ارتباطه بالسوريالية رأيت من المناسب ان أكتب هذه السطور، والتي بطريقة ما لها علاقة بما كتبه في بيانه.
يقول “دالي” في كتابه من فصل اخترته عشوائيا وتحت عنوان “كيف يصل يمكن لأي أن يصير سورياليا؟” وهكذا يبدأ الفنان العظيم.
في الخامس من شباط 1934 دعى “انديه بريتون” المجموعة السوريالية الى الاستوديو الذي يملكه في شارع 42 فونتين الى جلسة طارئة لمحاكمة سلوكي في الفترة الاخيرة باعتباري عضوا فاعلا في المجموعة، ذالك المساء كنت اعاني من الحمى وبداية ذبحة صدرية بسيطة، فقط فكرة المرض كانت تمرضني، ولكنني من ضعفي كنت استخرج من “البارانويا المنطقية” او بالعكس” منطقية البارانوبا” لكي احول الاوضاع لصالحي، تدثرت جيدا باربعة بلوزات وجاكيت ومعطف، و تحت لساني وضعت “ترمومتر” لمراقبة الحمى التى كنت أعانيها تلك الليلة، وعلى وشك الخروج من شقتي بعد كل تلك الطقوس وجدتني حافيا، وكانت “غالا” هي التي انتبهت لذالك فلبست الاحذية دون شد القيطان، وحين وصلت ستوديو “بريتون” مع غالا كان السورياليون موزعين في كل زوايا الاستوديو، بعضهم على كراسي واخرون وقوفا وبعضهم على الارض مع مخداتهم وغيمة من دخان السجائر حولت جو الاستوديو الى مكان ضبابي، هنا ظهر “اندريه بريتون” بهندامه او “قاطه” الاخضر البطلي. كان وكأنه واحد من اعضاء محاكم التفتيش بادئا محاسبتي على أخطائي الاخيرة وانشقاقي الاخير عن الجماعة. بينما كان يمشي الاستوديو من طرف الى طرف، وحينما يصل الى لوحة “غالا” التي كنت قد اهديتها له سابقا، كان يتوقف امامها لحظات ليواصل اتهامي بالهرطقة وعدم الالتزام. كنت استمع باهتمام كل ما كان يقول، ولكن صعود درجة حرارتي سبب انسداد احدى أذني، فكنت اسمع بأذن واحدة اتهامات “النائب العام” المدعو”اندريه بريتون” سيد السوريالية والسورياليين.. سحبت “الترمومتر” من تحت لساني لارى انني كنت على اكثر من 38 من الحمى وهذا كان كثير، في حالات كهذه الاطباء ينصحون بتخفيض درجة الحرارة، وعلى المصاب التخلي عن تدثره بالملابس الثخينة، فبدأت اولا بنزع معطفي، تلاه الجاكيت وبعدها نزعت البلوزات الثلاثة وانتهيتملقيا أحذيتي بعيدا، هنا بدأت اسمع الضحكات المكتومة لبعض من المجموعة وهذا شجعني وزاد من معنوياتي الفكاهية للحضور، وهذا اعيد و أثار غضب “بريتون” مرة اخرى والذي مازال في زيه الاخضر بلون زجاجات النبيذ الرخيصة وهو يحرقني في نظراته المتعبسة وسط دخان غليونه الذي كان يبدو كبركان صغير. حينها عدت ولبست كل ما نزعته سابقا من ملابس وأحذية بسرعة امام اندهاش “بريتون” مفترسا غليونه كل لحظة اكثر وأكثر حائرا تجاه سلوكي الهزلى امام “لبة” السورياليين، احتجت بصوت عال ضد كل تلك الاتهامات لانها كانت قائمة على اعتبارات سياسية واخلاقية دون قيمة وما كان يثير غضب بريتون هو حديثي وردي وفي فمي كان “الترمومتر” معلقا لا أرقب تطور درجات حرارتي كل لحظة لذالك نصف عباراتي لم تكن مفهومة، وهذا ما كان يستشيط غضب “السوريالي الاب" ولكنني ركعت امامه متوسلا غفرانه، ولكنه بدأ ردا صارخا، بصوت عالي اعادني الى غضبي السابق فبدأت نزع كل ثيابي الثقيلة والقيتها تحت قدميه مما اثار ضحك الحضور مرة اخرى، وقبل انتظار تعليق سيد “السورياليين”عدت البس وبسرعة كل ما نزعته من ثياب قبل لحظة، هذه المرة فعلا كنت خائفا من الحمى التي كنت اعانيها، واستمتعت مرة أخرى سماع قهقهات بعضهم امام ما قمت به من بهلوانية بينما كان “بريتون يشتعل غضبا مع غليونه، وكان يعاني المر في الحفاظ على دماثته وبرودة اعصابه، لذالك اضطررت ان ابصق التمومتر من فمي لكي اتكلم بوضوح رغم قلقي على صحتي قبل ذالك المشهد المؤلم.
كان علي ان اختار بين الصمت والضجيج امام اتهامات “بريتون” لي بالخيانة في “منولوج” مليئا بالسوء تجاه سلوكي وشخصيتي، ذالك اليوم اكتشفت مدى الهوة التي فصلتني عن “اندريه بريتون” منذ البداية. كنا قد تعرفنا على بعض بواسطة “جوان ميرو” في 1928خلال زيارتي الثانية الى باريس، وحينما رأيته شعرته كما ابا جديدا لي، وفكرت في ولادة جديدة، التجمع السوريالي كن بالنسبة لي كما “المشيمة” المغذية، وامنت بالسوريالية وكأنها الواح القانون التاريخي. استسغتها بشهية لاتصدق ولا تشبع الروح والحروف للحركة، وهذا انفراد ذاتية شخصيتي الفريدة التي كنت امثلها بشكل طبيعي، و”قضية” محاسبتي تلك كانت مهزلة تنكرية، والاكثر تناقضا هو انني كنت اكثرهم سوريالية” ربما الوحيد” ولكن رغم ذالك كانوا يتهموني بالمبالغة في سورياليتي هؤلاء الكهنة، سجناء المدرسة الكلامية.
ويواصل “سلفادور”قائلا.
مالم يغفره لي بريتون في المقام الاول، هو سحقي له بدخولي “المحاكمة” بتلك الطريقة، واثارتي ضحك المجموعة كلها في قضية نزع ولبس ثيابي عدة مرات امام “حضرته” واخيرا كان نسفي كل خطاباته الجدية بنكات عظيمة اثارت في اعضاء الحركة نوعا من الانبهار، فكل حركاتي ومواقفي على الضد من بريق رجل منتظم، مدقق، يحسب حتى لحظات فرحه، فرغم ادعائه الحرية والهذيان ”بريتون” قبل اي شئ كان بورجوازيا ورجلا معتدلا.
في هذا الفصل من الكتاب يتهم “سلفادور دالي” السوريالية بالدوغمائية السياسية والاعتدال والاخلاقية، وحتى التدين، ويعتبر ان اقصى ما قدمه السورياليون اليه هو قصيدة “لويس اراغون” المسماة “فرج ايرين” ويعتبرها انجازا شهوانيا دقيقا يمثل الروح الحرة للسوريالية. ويواصل “دالي” قائلا من كل السورياليين المحتمل وجودهم في باريس انا كنت اكثرهم “سوريالية” رغم ذالك بيني وبين المجموعة كانت هوة واختلاف عميقين “بريتون”و “بيكاسو” مثلا لم يكن عندهم اي شعور بالاعجاب في الاشياء التقليدية الحقيقية ولا اي احساس بها، هما بحثا في عنصر المفاجئة والصدمة قبل النشوة والالهام. والسياسة في الاساس “الالتزام” هي التي فرقتنا وقسمتنا، انا “الماركسية” بالنسبة الي كانت تهمني كما ضرطة ولو ان الضرطة كانت تريحني وتلهمني، السياسة اعتقدتها دائما كما سرطان يعض الشعر، رأيت العديد من اصدقائي “السورياليين” يذوبون في الحركات السياسية وفقدوا الارواح التي كانوا يعتقدون الفوز بها.
برشلونة -اسبانيا