GMT 2:00 2010 الأربعاء 24 مارس GMT 6:44 2010 الخميس 1 أبريل  :آخر تحديث

رائحة أمي ويد أمي.. وصوتها أهم من كل قصور العالم

سلوى اللوباني

سلوى اللوباني من القاهرة: قيل في الأم الكثير عبر التاريخ.. الأم هي البيت الذي يتكون فيه الانسان قبل أن يولد.. هي الحنان والأمان عندما يخرج الى الحياة.. هي المخلوق الفريد الذي يعطي بلا حدود دون أن يسأل مقابل عطائه. وقال الشاعر خليل مطران "إن لم يكن أم فلا أمة.. وإنما بالأمهات الأمم". وكما قال الياس فرحات "قد كرهت المشي بين القصور الفخمة والمباني الشاهقة واشتاق قلبي إلى بيتنا الصغير المنفرد.. قد كرهت روائح العطور الفائحة من التماثيل المتحضرة في برودواي واشتاقت حواسي إلى الأمومة المنتشرة في فستانك العتيق. وهناك العديد من الشعراء العرب الذين نسبوا إلى أمهاتهم مثل لبيد بن ربيعة، ربيعة بن غزالة الكندي، يزيد بن ضبة، عمرو بن مبردة وغيرهم. وهناك العديد من عظماء الغرب الذين عرفوا بأسماء أمهاتهم أي باسم عائلة الأم مثل وليام أردن: شكسبير، اسحق ايسكاف: نيوتن، جوهان لامرهرت: باخ، تشارلز بارو: ديكنز، ارنست هول: همنجواي، بابلو رويز: بيكاسو.

توجهت إيلاف لمجموعة من المبدعين العرب للتعرف على علاقة كل واحد منهم بوالدته، وما هو دورها في حياته كمبدع؟ وبعيداً عن العادات والتقاليد إن كان يتمنى أو أن ينسب باسم والدته وماذا يعني له ذلك؟ ومتى شعر بما ذكره الياس فرحات (في مرحلة ما من حياته، أو في موقف معين)؟

أود أن اذكر هنا بأن كثير ممن رشحتهم للمشاركة في هذا الاستطلاع نال إعجابهم ففيه من الإنسانية الكثير على حد تعبيرهم، إلا أنهم في نفس الوقت رفضوا المشاركة بعد عدة محاولات للإجابة عن أسئلة الاستطلاع.. لتأثرهم بموضوعه.. فمنهم من رحلت والدته ولم يستطيع التعبير عن مخزون مشاعره، ومنهم من اعتبر أن إجاباته ستغلفها القسوة والجفاف لان مجمل كتاباته سياسية! والبعض تراجع عن نشر إجاباته بعد أن شارك فهي إجابات شخصية جداً لا يفضل نشرها! أما من شارك في الاستطلاع منهم من التزم بالإجابة عن الأسئلة المطروحة والبعض فضل أن يترك لقلمه ومشاعره الحرية في التعبير عن علاقته بوالدته.


الباحث د. احمد الفقيه: غرست في نفسي إكبار المرأة وتبجيلها
   الأم مصدر حنان لا ينضب والمدرسة الأولى التي يتربي فيها الرجال والنساء قبل ذهابهم إلى مدارس العلم والمعرفة، ويصدق فيها قول الشاعر "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق". ولقد حرمت شخصياً من هذا الحضن الدافئ مبكراً في حياتي فكانت المرأة التي قامت بدور أمي وسهرت على رعايتي وتربيتي في طفولتي هي شقيقة والدي وكانت قد ترملت مبكراً وتعيش معنا في بيت واحد، وكنت ابناً لهذه العمة التي لم يكن لها ابن ولد فاعتبرتني واعتبرت اخوين لي هما أبناؤها. وكان تأثيرها كبيراً في تربيتي واذكر إنني كنت وأنا طفل لا اقسم إلا بها، وكان الأطفال من أترابي إذا أرادوا التأكد من قول قلته لهم يطالبونني بان اقسم بعمتي، لأنهم يعرفون إنني لا يمكن أن احنث عندما أقول هذا القسم، وهو ما يوضح درجة تعلقي بها وارتباطي الذي يشبه ارتباط الطفل بأمه. ولهذه العمة فضل إنها جعلتني لا اشعر إطلاقا بحرماني من أمومة الأم، وهو حرمان قد يعرض حياة الطفل لخلل يمكن أن يبقى معه مدى الحياة أنجاني الله من هذا الخلل، لان هذه العمة قامت بدور الأم على أفضل وجه وقدمت لي ما يمكن أن تقدمه أم لطفلها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان هذه العمة غرست في نفسي إكبار المرأة وتبجيلها وتقديرها لأنها كانت امرأة ذات شخصية قوية تقود مرحولنا عند الخروج من القرية إلى حياة البادية، وكانت سيدة منتجة تشرف بنفسها على الحرث والحصد وتقوم بنسج العباءات والأكلمة باعتبارها خبيرة في صناعة النول ولعل لها نصيبا في تغذية ملكات الخيال الأدبي بالنسبة لي لأنها عودتني على قول الحواديث والخرافات، فلا أنام ليلا إلا بعد أن اسمع منها حكاية من مخزون ما تملكه من حكايات كما كانت أيضا تجيد قول قصائد الشعر الشعبي في مناسبات نادرة وقليلة خاصة عندما نخرج لملاقاة الربيع في الأودية القريبة من القرية.

الكاتب عبد الله العلمي: لا شيء في العالم كله يضاهي رائحة الأم 
  قد يكون لوالدتي الحبيبة أطال الله بعمرها الفضل الأول لتشجيعي على ممارسة أحب هوايتين لدي: عزف الموسيقى والكتابة. فقد حرصت والدتي على تنمية حبي للموسيقى وعشقي للآلات الموسيقية منذ الصغر. كذلك فإن والدتي أول من يحلل مقالاتي بالنقد بجميع أنواعه والذي يدفعني للاستمرار بالكتابة.  بغض النظر عن العادات والتقاليد أستطيع أن أقول أنني أفتخر أن أنتسب لاسم والدي (رحمه الله) ووالدتي (أمد الله بعمرها) على حد سواء. لا شيء في العالم كله يضاهي رائحة الأم أو كلمة منها أو رضاها في أي مرحلة من مراحل حياتي. وكما أن لا توفيقي إلا بالله فلا نجاح لي إلا برضى والدتي.

الكاتبة ربيعة الناصر: تعلمت أمي القراءة والكتابة لتعلمني.. 
  لا أخفيكم أني في بعض الأحيان ينتابني الوهن وأحس بجسدي يئن تحت وطأة عشرات السنوات.. فيها من الدهشة والبهجة والكرب والضيق والحب والنكران ما لا تسعه صفحاتي..
وليس يوقظني من الوقوع في حالة مستدامة من الوهن إلا صورة أمي الراسخة في ذاكرتي.. أمي التي عاشت ثمانية عقود لم تعرف روحها ولا جسدها الوهن إلا في حالات نادرة..
امرأة نادرة الحدوث.. لا تبخل بنفسها إن رأت أن هناك من يحتاج خدمة أو مساعدة سواء كانوا جيران أو أقارب وأحيانا المار بالطريق. يذكرها أهل حارتنا وأولادهم وبناتهم الذين أصبحوا الآن آباء وأجداد وخاصة في السبعينيات حين أصبح بيتنا مقصدا، ولذلك علاقة برؤية أبي وأمي لجميع الفئات، وتمكنا يومها من فرض احترامهما على جميع الأضداد
أمي لم تتعلم القراءة والكتابة، غير أنها هي من علمني القراءة والكتابة. يدربها أبي على قراءة الحرف ويرشدها إلى طريقة كتابته بحرفية ومهنية عالية، تصغي بخجل تلميذة، ثم يأتي دورها لتتخذ دور معلمة بارعة، لا تدعني حتى تتأكد من إتقاني للقراءة والكتابة تحت سمع وبصر أبي معلم المدرسة في وزارة المعارف، المفتون بشعر علي محمود طه وأغنيات محمد عبد الوهاب. لم تكن تقصد أن تتعلم القراءة والكتابة، أشفقت على طفولتي من تدريس أبي الصارم. تعلقت بعدها بالقراءة وعندما أصبحت بالصف الثاني واستلمت كتاب القراءة الجديد، لم أنم يومها حتى قرأت الكتاب كاملا، لم يطلب مني ذلك أحد، لكنها روح أمي لم تنجبني وترعاني وتخيط لي الملابس الجميلة فقط.. بل تعلمت لتعلمني.. إن نادى نداء الحج أو العمرة، تفقدت جواز سفرها وحافظتها، ونفس الأمر تفعل إن سمعت برحلة سياحية لبلد لم تزره..
انعكس صفاء قلبها على صفحة وجهها، تضيء بنوره على من حولها..
بيتها وقلبها مفتوح لغريب الديار لطالما شعرت بالغربة لجذورها التركية..
بعد رحيل أمي استعرت كلمات من نيرودا لمطلع وداعها فكتبت. (أشهد أنك قد عشت.. وكما يليق بالإنسان أن يعيش.. ولم تعرفي من العمر أرذله.. أشهد أنك كنت مدرسة لنا ولأحفادك ومحبيك والأصدقاء في صنع عالم خاص لشيخوخة امتلأت بالحياة والتجدد.
عشت ال70 وال80 من عمرك كما لم تعشها سيدة مثلك وكافأك الباري عز وجل بأكرم خاتمة.. حيث دعاك ليسكنك جوار بيته العتيق فطوبى لك راضية مرضية)
أقول لها في عيد الأمهات... أشتاقك كثيرا.. وأجدك بجواري كلما غالبني الوهن
وكل عام وكل الأمهات بخير وسلام.

 

الروائي والإعلامي هاني نقشبندي: يد أمي التي تحرك الغسيل أهم وأجمل من أي يد لمست. 
   هي أمي وأبي في الوقت ذاته. فقد رحل الوالد إلى السماء مبكرا, تاركا ستة أطفال ترعاهم سيدة في منتصف الثلاثين. استطاعت أن تصنع لكل واحد منهم هدفا يحقق من خلاله سعادته, ومضت معه في الطريق الذي اختاره. هكذا وجدت نفسها تسير في ستة طرق مختلفة بلا كلل, فتحقق لها ما أرادت قبل تدفع الثمن لاحقا بمرض افقدها القدرة على الإبصار ورؤية ثمرة نجاحاتها. هي اليوم تشعر بكل ما يدور في نفوسنا. تراه جليا واضحا في عتمة يومها ونهارها, وتدلنا نحن المبصرين على الطريق الصحيح. لست أمانع أبدا الانتساب لها, بل لي الفخر والشرف. فأنا احمل اسم أبي, وكل آمال أمي. أنا صنيعتها وملكها فلتفعل بي ما تشاء فأنا حق مطلق لها, وانتسابي لها هو الشكر الذي تستحقه أكثر من أبي الذي ما عدت اذكر ملامحه. ولست أعتقد انه يمانع الأمر وقد رأى من علياء سماءه أو عمق قبره كيف فعلت السيدة الوحيدة التي خلفها من وراءه مع أيتامه الستة.  أكثر ما أحن إليه عندما اسمع صوت أمي وأنا نائم أو أسير أو اكتب هو دافور الكاز القديم الذي كانت تغسل فيه ملابس ستة أطفال وأنا متمدد على كومة ثياب بجوارها. هذه التلة من الثياب, وجلجلة الدافور, ويد أمي التي تحرك الغسيل, وصوتها وهي تغني لي أهم عندي من أي سرير وثير, وأي يد لمست في حياتي, وأجمل من أجمل صوت سمعته حتى الآن.

 الشاعرة أسماء صقر القاسمي: ومن منا ليس بمنتسبٍ لوالدته؟
  دور الأم في حياة أي ابن أو ابنة يكون دوراً أساسيّاً فعالاً وحيويّا، فكيف إذا كان هذا الابن أو الابنة مقترنين بهاجس الإبداع.. بالتأكيد والدتي كان تأثيرها متميزا في حياتي فقد كانت السند القوي لي في شتى مناحي الحياة، وبكل تأكيد كانت متواجدة بشكل أو بآخر في كتاباتي الأدبية، بشكل مبطّن أعيشه بيني وبين السطور بعلاقة مطّردة تتوثّق مع تعاظم الشعور الذي يعصف بي حين مخاض القصيدة. ومن منا ليس بمنتسبٍ لوالدته؟ تواجد اسم الوالد شرف لي ولكن ضمنيا هناك انتساب قوي للوالدة أيضا، فكلنا يقال عنه ابن فلان وفلانة... إذا العلاقة مترابطة ويصعب الفصل بينهما، حتى في الأوراق الرسمية تجد اسم الأبويين كاملين. ولكن القانون يفرض الانتساب للأبّ طالما أننا نعيش في مجتمع أبوي، وهذا الأمر أراه عاديا ولا أتعارض معه احتراما لقوله تعالى ادعهم لآبائهم. أؤيّد إلياس في قوله بما ورد في السياق الوارد في التحقيق وأشكر هذه الإضافة فيه، فالأمّ بالطبع هي العمود الفقري لأيّة أسرة بل لأيّ مجتمع، أراد الحياة السليمة المليئة بالمودّة والسلام وليس أبلغ من وصف بقول الرسول الكريم محمد /ص / " الجنة تحت أقدام الأمهات " لهذا لا قصور أو عمارات سواء كانت على الأرض أو حتى على الورق يمكن أن تغني عنها.. كل عام وانتن بخير.... إلى كلّ أمّهات العالم وإلى روح أمي وشكراً لإيلاف على لفتة الوفاء هذه.

الشاعرة غادا فؤاد السمّان:، أحجّ لزيارتها كلّما استطعت إلى ذلك سبيلا
  بداية يستوقفني التوصيف، وكأني بهذا السؤال قد حصلت على امتياز حصريّ ونهائيّ ومتّفق عليه، بأني مبدعة وأنتمي إلى عالم الإبداع رغم أنف كلّ المشككين على امتداد الخريطة الإبداعية، بوثيقة عبور مصدّقة من جريدة الجرائد "إيلاف " وهي الجريدة التي صنعتْ ذات زمن مقرّا لإبداعي، أكسبني الكثير من السطوع الذي أدين بضوئه إلى الشاعر العزيز عبد القادر الجنابي، وما توقفّ دورة الحبر في إيلاف، إلا بمثابة الأفول لنجمي الذي هوى، وأستمدّ من هذا المونولوج الصغير، دورا لوالدتي، ويفزعني حين أدرك، أن الأمر هنا برمّته لا يعنيها، ولن يصادر اكتراثها بأي شكل من الأشكال، وتستيقظ الغربة بيننا، هي سبية من سبايا المرض لعقدين من الزمن، المرض الذي غزاها خلية خلية، ولم يترك لي أكثر من مساحة قبلة أطبعها على يدها المتآكلة من وحش جبّار اسمه المرض، ولا أملك غير دمعة أنزفها بحرقة كبيرة وأنا أشهد عجزي الذي يفوق عجزها ولا يسعني سوى أن أغصّ وأتحسّر وأضرب كفاً بكفّ، وأنا بعيدة عنها تحت طائلة الغربة المزدوجة داخل الوطن وخارجه، وأحجّ لزيارتها كلّما استطعت إلى ذلك سبيلا، لألبي ما بوسعي من احتياجاتها التي لا تبشّر رغم كل شيء بأي تحسّن، بل هي تغالي بالتجاوب مع المرض وطواعيته في التجوال سريعاً من السيئ إلى الأسوأ. وليس أمامي سوى الله أناشده بكامل نبضي المتهالك ألما عليها.  ربّما في حال اعتنقتُ "اليهودية " في جنوح أو جنون قادم، سأهتم بالبحث عن نسبٍ جديد قد يكون والدتي، علماً أنني حين أدقق ملياً، بشأن النسب أضحك من ذاكرتي المكتظّة بالأوهام، فماذا يعني أن أكون ابنة أبي أو ابنة أمي، بعدما قطعتُ مشيمتي عن كل شيء دون استثناء، ووجدتُ نفسي "لقيطة " على قارعة التزاحم الإبداعي، في مهبّ الكوابيس، لا يشفع لي نسبي لأب أو أمٍ أو إصدار أو هوية أو حتى حذاء. عندما نتعلّم بإتقان شديد كيف نعيش بغيبوبة مزمنة، نفقد وقتها أواصر التفاصيل، ووشائج الجسور التي تربط أحاسيسنا بما عداها، نحن نسبح في آنيةٍ لا تعرفُ التراكم، تمتصّ مجمل ما فينا من رغباتٍ وأحلامٍ ورؤىً وأخيلةٍ وذكريات، وكأننا نسبح في بُركة مكتظّة بالعلق، فنصير ككائنات مفرّغة، هشّة، غريبة، ومثيرة للريبة لكل الكائنات الأخرى، التي تشبهها بالشكل، وتختلف عنها بالمضمون، تعلّمت ألا أشتاق أمي وإن على مضض، التزاماً بفرائض الغربة، وكلّما ألّحت تخاطراً في طلبي، أدخلتها قصيدتي وأقفلت السياق على كلتينا بنقطة كبيرة، لأهتف على مسامعنا رفضي الكامل لتلك الصورة، صورة أمي التي تختزل الطيبة في زمن ماكر، والعطاء في زمن ضنين، والتضحية في زمن غادر، وكلّما رفضتها أكثر تقمصتني رغما عني، ووجدتني أترجم بحرفية شديدة طيبتها وبراءتها ووداعتها وعصبيّتها الزائدة التي لا يمكن استئصالها على الإطلاق.

 الشاعر موسى حوامدة: كل قصور وبيوت العالم لا تعني شيئا، في غياب الأم. 
  اعتقد أن أمي هي التي غرست في البذرة الأولى للشعر وللحكاية والكتابة، لأنها ببساطة كانت تسرد لي حكايات مختلفة عما تحكيه الجدات، كانت كأنها تؤلف الواقع وتحوله إلى حكاية، وتزج من خلال الحكي الكلمات الشعبية والفولكلور الشعبي، وقد لاحظت أنها كانت تستبدل بعض الكلام كل مرة تعيد روي الحكاية، فتعلمت أن الكلام ليس مقدسا وأن بالإمكان تغيير آخر الكلمة أو استبدالها بما يلائم حرف الروي، ولطريقتها المبتكرة في السرد، وقدرتها على تأليف الحكي والغناء الشعبي،علمتني أن الحكي الحلو أو الأغاني العذبة يجب أن تكون جديدة أو مبتكرة أو فيها شئ ما، هذا "الشئ الما", والذي كانت بعفوية تفهم انه ليس من المتداول , فتح ذهني على تفكيك ما اسمع وإعادة تشكيله, أو تأليف ما يشبهه ,أو يناقضه، حتى أغاني الشبابة أو اليرغول أو العتابا أو الميجنا أو السامر، أو حتى الهاهاويات التي تطلقها النساء مع الزغاريد. وكنت قادراً على تحوير بعض الكلمات لتصبح تلك الأغاني ذات معنى وطني مثلاً، أو تحمل مدلولا جنسيا فاضحا. لقد اكتشفت وأنا اكتب، أو أغرف من مخزون الطفولة والحكايات، أنني كنت أكرر وأعيد حكاية واحدة , هي حكاية أمي وإنْ بشكل وأسلوب مختلفين. وما زلت أظن أن كل ما أكتبه من شعر وحكاية ليس إلا ترديداً لتلك اللثغة الأولى على صدرها! لا أعتقد أنها كانت ستقبل أن أنسب لها، لأنها وأشقاءها كانوا ينسبون لاسم أمهم وكانت كأنها شتيمة، النسبة للأم في تراثنا تحيل إلى معنى سلبي لأن ذلك مرتبط بعدم معرفة اسم الأب، ولا أحد يتمنى ذلك. إلا في بعض الحالات النادرة والمبررة. دائما أشعر بما قاله فرحات، ومنذ رحيلها قبل سبع سنوات وحتى اليوم، تتعزز هذه المقولة، وتزداد أهمية، وبالمناسبة أهديت أمي وأبي مجموعتي سلالتي الريح وعنواني المطر التي صدرت عام 2007 طالبا منهما أن يهيئا لي قبرا بينهما، لكي أشم أزكى رائحة عرفتها في حياتي وهي رائحتهما، أمي كانت فلاحة فلسطينية، وكانت رائحتها مرتبطة بالطابون أو القمح والحصاد، وكتبت أكثر من مرة أن ما كان يحزنني بعد رحيلها ورحيل والدي أنني خسرت رائحتهما، لست مهووسا بالقصور والفلل وكم أتمنى لو بقيت حية حتى لو عشنا في صحراء، أو في بيت شعر، أو مغارة، كل قصور وبيوت العالم لا تعني شيئا، في غياب الأم.


الإعلامي محمد أبو عبيد: ما تستحقه يتخطى مسألة نسبي إليها
  شكرا على وصفي بالمبدع. وإذا صح إني كذلك ,فهذا اكبر دليل على الدور الذي تلعبه أمي في مسيرتي. فلم يبالغوا حين وصفوا الأم بالمدرسة, وما دمت تلميذا في مدرستها, فأول ما قدمته لي أمي هو خارطة طريق ثم كانت محكمتي العادلة. علمتني أمي احترام الغير وآرائهم.. وان ابتعد عن الظلمِ ,والتجريح والذمِّ ,وما دمت أسبح وسط الإحباطيين والمعوِقين (بفتح الواو).. فأمي منجيتي وسط المحيط مثل الفُلْك في اليمِّ. ثمة فرق بين التمني وما تستحقه أمي.. احسب أن ما تستحقه يتخطى مسالة نسب اسمي إليها. فما فائدة نسب الاسم إليها من دون أفعال تؤكد احترامها وطاعتها. واجزم أن الأم المثالية تتنازل عن هذا النسب لصالح زوجها والد أولادها ليبقى الاسم منتسبا إلى الأب.. ومع ذلك لم أكن لأخجل لو وعيت على الدنيا منتسبا لاسمها.. واسمها فاطمة.. واسم أبي رفيق. دائما أعي قيمة الأم وهي الوطن المنتمي إليه.. فحضنها مشفى من الهموم.. وجهها يبدد كدر العيش فيمسح ما يشوب صفاءه.. لمسة يدها بلسم يداوي الجراح. وقولها "الله يرضى عليك يا ولدي" هو شهيقي الذي يجعل قلبي ينبض.... واسمحي لي هنا بأن اختم بشيء من قصيدة لي كتبتها للام بمناسبة يومها فأقول: وبالكفيْنِ قد كفكفتِ كمّ الكربِ.. كيْفَ الكفُ لا تكفي لكفِّ الكربِ من كيْفٍ ومن كمِّ.. وأقول لها : كم أشتاق للتقبيل والضمِّ.. ما أعظمك يا أمي.

الفنان التشكيلي سلام الأنصاري: سنعرض على الخالق بأسماء أمهاتنا
أمي تقبل التلفاز عندما أظهر على شاشته.. وأنا أقبل الأرض التي تمشي عليها.. والدتي لا تختلف عن أي أم لفنان أو أديب. كانت تهتم بكل تفاصيل حياتي وتتابعني منذ أن كنت طفلاً حتى تخرجي من معهد الفنون والأكاديمية، وما زالت تسأل عني وتتابع معارضي. في ليلة المحشر كلنا سنعرض على الخالق عز وجل بأسماء أمهاتنا كرامة لسيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام.  وبعيدا عن التخلف والتقاليد الباليه والبائسة أتشرف بنسب أمي التي حملتني تسعة أشهر وأرضعتني وسهرت الليالي وعلمتني أن الله حق.. أمي هي الرمز الحقيقي للحب والتضحية والجمال.. وأوافق ما ذكره الأستاذ الياس فرحات في وصفه الدقيق للام والبيت والمدينة جسدا وروحا.. وأما عطرها الإلهي الذي تعطرت به منذ الخلق الأول ظل يلامس أرواحنا.. هو رسم لنا أجمل الصور ونحت لنا أجمل المدن، بل مدننا لا تشبه أي مدينه حديثه.. إنها ممتلئة حنينا وتصوفا وعشقا كعشق زليخه ليوسف عليه السلام.


Salwalubani@hotmail. com

 

 

 

 

في ثقافات